ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
الآية 25
فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم ، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله : ( ألا تستمعون ) أي : ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه : أن لكم إلها غيري؟
الآية 26
فقال لهم موسى : ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) أي : خالقكم وخالق آبائكم الأولين ، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه .
الآية 27
( قال ) أي : فرعون لقومه : ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) أي : ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري .
الآية 28
( قال ) أي : موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة ، فأجاب موسى بقوله : ( رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) أي : هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب ، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب ، ثوابتها وسياراتها ، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها ، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر ، وليجعل المشرق مغربا ، والمغرب مشرقا ، كما أخبر تعالى عن ( الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) [ البقرة : 258 ] ; ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته ، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه ، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ، عليه السلام ، فقال ما أخبر الله تعالى عنه :
الآية 29
لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل ، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه ، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال : ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) .
الآية 30
فعند ذلك قال موسى :( أولو جئتك بشيء مبين ) ؟ أي : ببرهان قاطع واضح .
الآية 31
( قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) أي : ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة ، ذات قوائم وفم كبير ، وشكل هائل مزعج .
الآية 32
( قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) أي : ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة ، ذات قوائم وفم كبير ، وشكل هائل مزعج .
الآية 33
( ونزع يده ) أي : من جيبه ( فإذا هي بيضاء للناظرين ) أي : تتلألأ كقطعة من القمر . فبادر فرعون - بشقائه - إلى التكذيب والعناد
الآية 34
فقال للملأ حوله : ( إن هذا لساحر عليم ) أي : فاضل بارع في السحر . فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة ، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته ، والكفر به .
الآية 35
فقال ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ) ؟ أي : أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا ، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم ، فيأخذ البلاد منكم ، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟
الآية 36
"قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم" أي أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك.
الآية 37
( كل سحار عليم ) يقابلونه ، ويأتون بنظير ما جاء به ، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد . فأجابهم إلى ذلك . وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك; ليجتمع الناس في صعيد واحد ، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة .
الآية 38
ذكر [ الله ] تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى والقبط في " سورة الأعراف " وفي " سورة طه " وفي هذه السورة : وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . وهذا شأن الكفر والإيمان ، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان ، ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) [ الأنبياء : 18 ] ، ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) [ الإسراء : 81 ] ،
الآية 39
ولهذا لما جاء السحرة ، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر ، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك ، وكان السحرة جمعا كثيرا ، وجما غفيرا ، قيل : كانوا اثني عشر ألفا . وقيل : خمسة عشر ألفا . وقيل : سبعة عشر ألفا وقيل : تسعة عشر ألفا . وقيل : بضعة وثلاثين ألفا . وقيل : ثمانين ألفا . وقيل غير ذلك ، والله أعلم بعدتهم .
قال ابن إسحاق : وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم : وهم : سابور وعازور وحطحط ومصفى .
واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم
الآية 40
وقال قائلهم : ( لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين [ قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ] ) ، ولم يقولوا : نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى ، بل الرعية على دين ملكهم .
الآية 41
( فلما جاء السحرة ) أي : إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقا ، وجمع حشمه وخدمه [ وأمراءه ] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته ، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا ، أي : هذا الذي جمعتنا من أجله
الآية 42
فقالوا : ( أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ) أي : وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي .
الآية 43
فعادوا إلى مقام المناظرة ( قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا ) [ طه : 65 ، 66 ] ، وقد اختصر هذا هاهنا فقال لهم موسى :
الآية 44
"ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون" وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا هذا بثواب فلان وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف أنهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وقال في سورة طه "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - إلى قوله - ولا يفلح الساحر حيث أتى".
الآية 45
وقال ههنا "فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون" أي تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا.
الآية 46
قال تعالى : ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين . وألقي السحرة ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) [ الأعراف : 118 - 122 ] وكان هذا أمرا عظيما جدا ، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة ، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا ، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة ، وسجدوا لله رب العالمين ، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة ، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله ، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله ، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل ، فشرع يتهددهم ويتوعدهم ، ويقول : ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) [ طه : 71 ] ، وقال : ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) [ الأعراف : 123 ] .
الآية 47
قال تعالى : ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين . وألقي السحرة ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) [ الأعراف : 118 - 122 ] وكان هذا أمرا عظيما جدا ، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة ، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا ، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة ، وسجدوا لله رب العالمين ، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة ، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله ، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله ، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل ، فشرع يتهددهم ويتوعدهم ، ويقول : ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) [ طه : 71 ] ، وقال : ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) [ الأعراف : 123 ] .
الآية 48
قال تعالى : ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين . وألقي السحرة ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) [ الأعراف : 118 - 122 ] وكان هذا أمرا عظيما جدا ، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة ، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا ، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة ، وسجدوا لله رب العالمين ، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة ، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله ، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله ، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل ، فشرع يتهددهم ويتوعدهم ، ويقول : ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) [ طه : 71 ] ، وقال : ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) [ الأعراف : 123 ] .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

