ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
الآية 49
تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم ، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما . وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر ، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم ، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر ، إلا أن يكون الله قد أيده به ، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه; ولهذا لما قال لهم فرعون : ( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) ؟ أي : كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم ، ولا تفتاتوا علي في ذلك ، فإن أذنت لكم فعلتم ، وإن منعتكم امتنعتم ، فإني أنا الحاكم المطاع; ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) . وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها ، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم ، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل .
الآية 50
ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب ، فقالوا : ( لا ضير ) أي : لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به ( إنا إلى ربنا منقلبون ) أي : المرجع إلى الله ، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا ، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء; ولهذا قالوا :
الآية 51
( إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ) أي : ما قارفناه من الذنوب ، وما أكرهتنا عليه من السحر ، ( أن كنا أول المؤمنين ) أي : بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان . فقتلهم كلهم .
الآية 52
لما طال مقام موسى ، عليه السلام ، ببلاد مصر ، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه ، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون ، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال ، فأمر الله موسى ، عليه السلام ، أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر ، وأن يمضي بهم حيث يؤمر ، ففعل موسى ، عليه السلام ، ما أمره به ربه عز وجل . خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا ، وكان خروجه بهم ، فيما ذكر غير واحد من المفسرين ، وقت طلوع القمر . وذكر مجاهد ، رحمه الله ، أنه كسف القمر تلك الليلة ، فالله أعلم ، وأن موسى ، عليه السلام ، سأل عن قبر يوسف ، عليه السلام ، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه ، فاحتمل تابوته معهم ، ويقال : إنه هو الذي حمله بنفسه ، عليهما السلام ، وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم ، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، فقال :
حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح ، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن أبي إسحاق ، عن ابن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعاهدنا . فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حاجتك؟ " قال ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي ، فقال : " أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل ؟ " فقال له أصحابه : وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال : " إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق ، فقال لبني إسرائيل : ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل : نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا ، فقال لهم موسى : فأيكم يدري أين قبر يوسف ؟ قالوا : ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل . فأرسل إليها فقال لها : دليني على قبر يوسف . فقالت : والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي . قال لها : وما حكمك؟ قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة . فكأنه ثقل عليه ذلك ، فقيل له : أعطها حكمها . قال : فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم : أنضبوا هذا الماء . فلما أنضبوه قالت : احتفروا ، فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف ، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار " .
هذا حديث غريب جدا ، والأقرب أنه موقوف ، والله أعلم .
الآية 53
فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب ، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل ; لما يريد الله به من الدمار ، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين ، أي : من يحشر الجند ويجمعه ، كالنقباء والحجاب ، ونادى فيهم :
الآية 54
( إن هؤلاء ) - يعني : بني إسرائيل - ( لشرذمة قليلون ) أي : لطائفة قليلة .
الآية 55
( وإنهم لنا لغائظون ) أي : كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا .
الآية 56
( وإنا لجميع حاذرون ) أي : نحن كل وقت نحذر من غائلتهم ، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم ، وأبيد خضراءهم . فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم .
الآية 57
قال الله تعالى : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ) أي : فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم ، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا .
الآية 58
قال الله تعالى : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ) أي : فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم ، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا .
الآية 59
( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) ، كما قال تعالى : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) [ الأعراف : 137 ] ، وقال تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) [ القصص : 5 ، 6 ] .
الآية 60
ذكر غير واحد من المفسرين : أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير ، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه ، أولي الحل والعقد والدول ، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود ، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات ، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس ، منها مائة ألف على خيل دهم ، وقال كعب الأحبار : فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم ، ففي ذلك نظر . والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل ، والله ، سبحانه وتعالى ، أعلم . والذي أخبر به هو النافع ، ولم يعين عدتهم; إذ لا فائدة تحته ، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم .
( فأتبعوهم مشرقين ) أي : وصلوا إليهم عند شروق الشمس ، وهو طلوعها .
الآية 61
"فلما تراءى الجمعان" أي رأى كل من الفريقين صاحبه فعند ذلك "قال أصحاب موسى إنا لمدركون" وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر وهو بحر القلزم فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده.
الآية 62
( قال كلا إن معي ربي سيهدين ) أي : لا يصل إليكم شيء مما تحذرون ، فإن الله ، سبحانه ، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم ، وهو لا يخلف الميعاد .
وكان هارون ، عليه السلام ، في المقدمة ، ومعه يوشع بن نون ، [ ومؤمن آل فرعون وموسى ، عليه السلام ، في الساقة ، وقد ذكر غير واحد من المفسرين : أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون ، وجعل يوشع بن نون ] ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى ، عليه السلام : يا نبي الله ، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول : نعم ، واقترب فرعون وجنوده ، ولم يبق إلا القليل ، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر ، فضربه ، وقال : انفلق بإذن الله .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد ، حدثنا محمد بن حمزة [ بن محمد ] بن يوسف بن عبد الله بن سلام : أن موسى ، عليه السلام ، لما انتهى إلى البحر قال : يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء ، والكائن قبل كل شيء ، اجعل لنا مخرجا .
الآية 63
فأوحى الله إليه : ( أن اضرب بعصاك البحر ) .
وقال قتادة : أوحى الله تلك الليلة إلى البحر : أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع ، فبات البحر تلك الليلة ، وله اضطراب ، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى ، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون : يا نبي الله ، أين أمرك ربك؟ قال : أمرني أن أضرب البحر . قال : فاضربه .
وقال محمد بن إسحاق : أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر : أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له . قال : فبات البحر يضرب بعضه بعضا ، فرقا من الله تعالى ، وانتظارا لما أمره الله ، وأوحى الله إلى موسى : ( أن اضرب بعصاك البحر ) ، فضربه بها وفيها ، سلطان الله الذي أعطاه ، فانفلق .
وذكر غير واحد أنه كناه فقال : انفلق علي أبا خالد بحول الله . قال الله تعالى : ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) أي : كالجبل الكبير . قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، ومحمد بن كعب ، والضحاك ، وقتادة ، وغيرهم .
وقال عطاء الخراساني : هو الفج بين الجبلين .
وقال ابن عباس : صار البحر اثني عشر طريقا ، لكل سبط طريق - وزاد السدي : وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض ، وقام الماء على حيله كالحيطان ، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته ، فصار يبسا كوجه الأرض ، قال الله تعالى : ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) [ طه : 77 ] .
الآية 64
وقال في هذه القصة : ( وأزلفنا ) أي : هنالك ( الآخرين ) .
قال ابن عباس ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والسدي : ( وأزلفنا ) أي : قربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم إليه .
الآية 65
"وأنجينا موسى ومن معه أجمعين" أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد.
الآية 66
( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ) أي : أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد ، وأغرق فرعون وجنوده ، فلم يبق منهم رجل إلا هلك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا شبابة ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أن موسى ، عليه السلام ، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك ، فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط . فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر ، فقال له : انفرق . فقال البحر : لقد استكبرت يا موسى ، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك؟ قال : ومع موسى رجل على حصان له ، فقال له ذلك الرجل : أين أمرت يا نبي الله؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه [ يعني : البحر ، فأقحم فرسه ، فسبح به فخرج ، فقال : أين أمرت يا نبي الله؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه ] . قال : والله ما كذبت ولا كذبت . ثم اقتحم الثانية فسبح ، ثم خرج فقال : أين أمرت يا نبي الله؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه؟ قال : والله ما كذبت ولا كذبت . قال : فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه موسى بعصاه ، فانفلق ، فكان فيه اثنا عشر طريقا ، لكل سبط طريق يتراءون ، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون ، التقى البحر عليهم فأغرقهم .
وفي رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله قال : فلما خرج آخر أصحاب موسى ، وتكامل أصحاب فرعون ، اضطم عليهم البحر ، فما رئي سواد أكثر من يومئذ ، وغرق فرعون لعنه الله .
الآية 67
ثم قال تعالى : ( إن في ذلك لآية ) أي : في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين; لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة ، ( وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) تقدم تفسيره .
الآية 68
ثم قال تعالى "إن في ذلك لآية" أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة "وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" تقدم تفسيره.
الآية 69
هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبري من الشرك وأهله.
الآية 70
فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل أي من صغره إلى كبره فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل فقال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟.
الآية 71
فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل أي من صغره إلى كبره فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل فقال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟.
الآية 72
"قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم.
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

