تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير — سورة الصافات

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

۞ قراءة النص
سورة الصافات · As-Saffat السورة 37 · الصفحة 2 · 182 مقطعاً

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

الآية 25

وقال عبد الله بن المبارك : سمعت عثمان بن زائدة يقول : إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه ، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ : ( ما لكم لا تناصرون ) أي : كما زعمتم أنكم جميع منتصر ،

الآية 26

( بل هم اليوم مستسلمون ) أي : منقادون لأمر الله ، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه .

الآية 27

يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة ، كما يتخاصمون في دركات النار ، ( فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) [ غافر : 47 ، 48 ] . وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين . قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين . وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] . قالوا لهم هاهنا : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : يقولون : كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا ، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء .

وقال مجاهد : يعني : عن الحق ، الكفار تقوله للشياطين .

وقال قتادة : قالت الإنس للجن : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال : من قبل الخير ، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه .

وقال السدي تأتوننا [ عن اليمين ] من قبل الحق ، تزينون لنا الباطل ، وتصدونا عن الحق .

وقال الحسن في قوله : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) إي والله ، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه .

وقال ابن زيد : معناه تحولون بيننا وبين الخير ، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به .

وقال يزيد الرشك : من قبل " لا إله إلا الله " . وقال خصيف : يعنون من قبل ميامنهم . وقال عكرمة ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) ، قال : من حيث نأمنكم .

الآية 28

يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة ، كما يتخاصمون في دركات النار ، ( فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) [ غافر : 47 ، 48 ] . وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين . قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين . وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] . قالوا لهم هاهنا : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : يقولون : كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا ، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء .

وقال مجاهد : يعني : عن الحق ، الكفار تقوله للشياطين .

وقال قتادة : قالت الإنس للجن : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال : من قبل الخير ، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه .

وقال السدي تأتوننا [ عن اليمين ] من قبل الحق ، تزينون لنا الباطل ، وتصدونا عن الحق .

وقال الحسن في قوله : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) إي والله ، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه .

وقال ابن زيد : معناه تحولون بيننا وبين الخير ، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به .

وقال يزيد الرشك : من قبل " لا إله إلا الله " . وقال خصيف : يعنون من قبل ميامنهم . وقال عكرمة ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) ، قال : من حيث نأمنكم .

الآية 29

وقوله : ( قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ) تقول القادة من الجن ، والإنس للأتباع : ما الأمر كما تزعمون ؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان ، قابلة للكفر والعصيان ،

الآية 30

( وما كان لنا عليكم من سلطان ) أي : من حجة على صحة ما دعوناكم إليه ، ( بل كنتم قوما طاغين ) أي : بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق ، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء ، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به ، فخالفتموهم .

الآية 31

( فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين ) ، يقول الكبراء للمستضعفين : حقت علينا كلمة الله : إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة ،

الآية 32

( فأغويناكم ) أي : دعوناكم إلى الضلالة ، ( إنا كنا غاوين ) أي : دعوناكم إلى ما نحن فيه ، فاستجبتم لنا ،

الآية 33

قال الله تعالى : ( فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ) أي : الجميع في النار ، كل بحسبه ،

الآية 34

( إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا ) أي : في الدار الدنيا ( إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) أي : يستكبرون أن يقولوها ، كما يقولها المؤمنون .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي ، حدثنا الليث ، عن ابن مسافر - يعني عبد الرحمن بن خالد - عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله ، وأنزل الله في كتابه - وذكر قوما استكبروا - فقال : ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن سعيد الجريري ، عن أبي العلاء قال : يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : الله وعزيرا . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال ، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : نعبد الله والمسيح . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال . ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم : " لا إله إلا الله " ، فيستكبرون . ثم يقال لهم : " لا إله إلا الله " ، فيستكبرون . ثم يقال لهم : " لا إله إلا الله " فيستكبرون . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال - قال أبو نضرة : فينطلقون أسرع من الطير - قال أبو العلاء : ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد الله . فيقال لهم : هل تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقال لهم : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : نعلم أنه لا عدل له . قال : فيتعرف لهم تبارك وتعالى ، وينجي الله المؤمنين .

الآية 35

( إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا ) أي : في الدار الدنيا ( إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) أي : يستكبرون أن يقولوها ، كما يقولها المؤمنون .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي ، حدثنا الليث ، عن ابن مسافر - يعني عبد الرحمن بن خالد - عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله ، وأنزل الله في كتابه - وذكر قوما استكبروا - فقال : ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن سعيد الجريري ، عن أبي العلاء قال : يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : الله وعزيرا . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال ، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : نعبد الله والمسيح . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال . ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم : " لا إله إلا الله " ، فيستكبرون . ثم يقال لهم : " لا إله إلا الله " ، فيستكبرون . ثم يقال لهم : " لا إله إلا الله " فيستكبرون . فيقال لهم : خذوا ذات الشمال - قال أبو نضرة : فينطلقون أسرع من الطير - قال أبو العلاء : ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد الله . فيقال لهم : هل تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقال لهم : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : نعلم أنه لا عدل له . قال : فيتعرف لهم تبارك وتعالى ، وينجي الله المؤمنين .

الآية 36

( ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ) أي : أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [ هذا ] الشاعر المجنون ، يعنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ !

الآية 37

قال الله تعالى تكذيبا لهم ، وردا عليهم : ( بل جاء بالحق ) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بالحق في جميع شرعة الله له من الإخبار والطلب ، ( وصدق المرسلين ) أي : صدقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة ، والمناهج السديدة ، وأخبر عن الله في شرعه [ وقدره ] وأمره كما أخبروا ، ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) الآية [ فصلت : 43 ] .

الآية 38

يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .

وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .

الآية 39

يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .

وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .

الآية 40

يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .

وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .

الآية 41

وقوله : ( أولئك لهم رزق معلوم ) قال قتادة ، والسدي : يعني الجنة .

الآية 42

ثم فسره بقوله تعالى ( فواكه ) أي : متنوعة ( وهم مكرمون ) أي : يخدمون [ ويرزقون ] ويرفهون وينعمون ،

الآية 43

قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا حسان بن حسان حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية ""على سرر متقابلين" ينظر بعضهم إلى بعض" حديث غريب.

الآية 44

( على سرر متقابلين ) قال مجاهد : لا ينظر بعضهم في قفا بعض .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن عبدك القزويني ، حدثنا حسان بن حسان ، حدثنا إبراهيم بن بشر ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا إبراهيم القرشي ، عن سعيد بن شرحبيل ، عن زيد بن أبي أوفى قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا هذه الآية ( على سرر متقابلين ) ينظر بعضهم إلى بعض . حديث غريب .

الآية 45

وقوله ( يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ) ، كما قال في الآية الأخرى : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون . بأكواب وأباريق وكأس من معين . لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) [ الواقعة : 17 - 19 ] فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا ، من صداع الرأس ووجع البطن - وهو الغول - وذهابها بالعقل جملة ، فقال تعالى هاهنا : ( يطاف عليهم بكأس من معين ) أي : بخمر من أنهار جارية ، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها .

قال مالك ، عن زيد بن أسلم : خمر جارية بيضاء ، أي : لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء ، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة ، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم .

الآية 46

وقوله ( يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ) ، كما قال في الآية الأخرى : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون . بأكواب وأباريق وكأس من معين . لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) [ الواقعة : 17 - 19 ] فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا ، من صداع الرأس ووجع البطن - وهو الغول - وذهابها بالعقل جملة ، فقال تعالى هاهنا : ( يطاف عليهم بكأس من معين ) أي : بخمر من أنهار جارية ، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها .

قال مالك ، عن زيد بن أسلم : خمر جارية بيضاء ، أي : لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء ، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة ، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم .وقوله - عز وجل - : ( لذة للشاربين ) أي طعمها طيب كلونها ، وطيب الطعم دليل على طيب الريح ، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك .

الآية 47

وقوله : ( لا فيها غول ) يعني : لا تؤثر فيهم غولا - وهو وجع البطن . قاله مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد - كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه ، لكثرة مائيتها .

وقيل : المراد بالغول هاهنا : صداع الرأس . وروي هكذا عن ابن عباس .

وقال قتادة : هو صداع الرأس ، ووجع البطن . وعنه ، وعن السدي : لا تغتال عقولهم ، كما قال الشاعر :

فما زالت الكأس تغتالنا وتذهب بالأول الأول

وقال سعيد بن جبير : لا مكروه فيها ولا أذى . والصحيح قول مجاهد : إنه وجع البطن .

وقوله : ( ولا هم عنها ينزفون ) قال مجاهد : لا تذهب عقولهم ، وكذا قال ابن عباس ، ومحمد بن كعب ، والحسن ، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ، والسدي ، وغيرهم .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : في الخمر أربع خصال : السكر ، والصداع ، والقيء ، والبول . فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال ، كما ذكر في سورة " الصافات " .

الآية 48

وقوله : ( وعندهم قاصرات الطرف ) أي : عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن . كذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم .

وقوله ) عين ) أي : حسان الأعين . وقيل : ضخام الأعين . هو يرجع إلى الأول ، وهي النجلاء العيناء ، فوصف عيونهن بالحسن والعفة ، كقول زليخا في يوسف حين جملته وأخرجته على تلك النسوة ، فأعظمنه وأكبرنه ، وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره ، قالت : ( فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) [ يوسف : 32 ] أي : هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي ، [ فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن ] . وهكذا الحور العين ( خيرات حسان ) [ الرحمن : 70 ] ، ولهذا قال : ( وعندهم قاصرات الطرف عين )

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة