ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
الآية 49
وقوله : ( كأنهن بيض مكنون ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( كأنهن بيض مكنون ) يقول : اللؤلؤ المكنون .
وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر في قصيدة له :
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغو اص ميزت من جوهر مكنون
وقال الحسن : ( كأنهن بيض مكنون ) يعني : محصون لم تمسه الأيدي .
وقال السدي : البيض في عشه مكنون .
وقال سعيد بن جبير : ( [ كأنهن ] بيض مكنون ) ، يعني : بطن البيض .
وقال عطاء الخراساني : هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة .
وقال السدي : ( كأنهن بيض مكنون ) يقول : بياض البيض حين ينزع قشره . واختاره ابن جرير لقوله : ( مكنون ) ، قال : والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش ، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها ، والله أعلم .
وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن ابن أبي كريمة ، عن هشام ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله : ( كأنهن بيض مكنون ) قال : " رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة ، التي تلي القشر وهي الغرقئ " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا أبو غسان النهدي ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن ليث ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا حزنوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، لواء الحمد يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي - عز وجل - ولا فخر ، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو : اللؤلؤ المكنون " .
الآية 50
يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، أي : عن أحوالهم ، وكيف كانوا في الدنيا ، وماذا كانوا يعانون فيها ؟ وذلك من حديثهم على شرابهم ، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم ، وهم جلوس على السرر ، والخدم بين أيديهم ، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم ، من مآكل ومشارب وملابس ، وغير ذلك مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
الآية 51
( قال قائل منهم إني كان لي قرين ) قال مجاهد : يعني شيطانا .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : هو الرجل المشرك ، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا .
ولا تنافي بين كلام مجاهد ، وابن عباس ; فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس ، ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان ، وكلاهما متعاديان ، قال الله تعالى : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) [ الأنعام : 112 ] وكل منهما يوسوس ، كما قال تعالى : ( [ قل أعوذ برب الناس . ملك الناس . إله الناس ] . من شر الوسواس الخناس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنة والناس ) [ سورة الناس ] .
الآية 52
ولهذا ( قال قائل منهم إني كان لي قرين . يقول أئنك لمن المصدقين ) أي : أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء ؟ ! يعني : يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد ، والكفر والعناد .
الآية 53
( أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) قال مجاهد ، والسدي : لمحاسبون ؟ وقال ابن عباس ، ومحمد بن كعب القرظي : لمجزيون بأعمالنا ؟ .
الآية 54
قال : ( قال هل أنتم مطلعون ) أي : مشرفون . يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة .
الآية 55
( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وخليد العصري وقتادة ، والسدي ، وعطاء الخراساني [ وغيرهم ] يعني في وسط الجحيم .
وقال الحسن البصري : في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد .
وقال قتادة : ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي . وذكر لنا أن كعب الأحبار قال : في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها ، فازداد شكرا .
الآية 56
( قال تالله إن كدت لتردين ) يقول المؤمن مخاطبا للكافر : والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك .
الآية 57
( ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ) أي : ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت ، محضر معك في العذاب ، ولكنه تفضل [ علي ] ورحمني فهداني للإيمان ، وأرشدني إلى توحيده ( وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) [ الأعراف : 43 ] .
الآية 58
وقوله : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة ، لا موت فيها ولا عذاب ; ولهذا قال : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة : ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ) [ الطور : 19 ] ، قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : قوله : ( هنيئا ) أي : لا يموتون فيها . فعندها قالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين )
وقال الحسن البصري : علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه ، فقالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) ، قيل [ لهم ] : لا . قالوا : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
الآية 59
وقوله : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة ، لا موت فيها ولا عذاب ; ولهذا قال : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة : ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ) [ الطور : 19 ] ، قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : قوله : ( هنيئا ) أي : لا يموتون فيها . فعندها قالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين )
وقال الحسن البصري : علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه ، فقالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) ، قيل [ لهم ] : لا . قالوا : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
الآية 60
وقوله : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة ، لا موت فيها ولا عذاب ; ولهذا قال : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة : ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ) [ الطور : 19 ] ، قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : قوله : ( هنيئا ) أي : لا يموتون فيها . فعندها قالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين )
وقال الحسن البصري : علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه ، فقالوا : ( أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ) ، قيل [ لهم ] : لا . قالوا : ( إن هذا لهو الفوز العظيم )
الآية 61
وقوله : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) قال قتادة : هذا من كلام أهل الجنة .
وقال ابن جرير : هو من كلام الله تعالى ، ومعناه : لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ، ليصيروا إليه في الآخرة .
وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل ، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة .
قال أبو جعفر بن جرير : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله : ( إني كان لي قرين ) قال : إن رجلين كانا شريكين ، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار ، وكان أحدهما له حرفة ، والآخر ليس له حرفة ، فقال الذي له حرفة للآخر : ليس عندك حرفة ، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك ، فقاسمه وفارقه ، ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك ، مات ، فدعا صاحبه فأراه فقال : كيف ترى هذه الدار ؟ ابتعتها بألف دينار ؟ قال : ما أحسنها ! فلما خرج قال : اللهم إن صاحبي ابتاع هذه الدار بألف دينار ، وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار ، فدعاه وصنع له طعاما . فلما أتاه قال : إني تزوجت امرأة بألف دينار . قال : ما أحسن هذا ! فلما انصرف قال : يا رب ، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار ، وإني أسألك امرأة من الحور العين . فتصدق بألف دينار ، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث . ثم اشترى بستانين بألفي دينار ، ثم دعاه فأراه فقال : إني ابتعت هذين البستانين . فقال : ما أحسن هذا ! فلما خرج قال : يا رب ، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار ، وأنا أسألك بستانين في الجنة . فتصدق بألفي دينار ، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ، ثم انطلق بهذا المتصدق ، فأدخله دارا تعجبه ، وإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ، ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم ، فقال عند ذلك : ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا . قال : فإنه ذاك ، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة . قال : فإنه كان لي صاحب يقول : أئنك لمن المصدقين ؟ قيل له : فإنه في الجحيم . قال : هل أنتم مطلعون ؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم . فقال عند ذلك : ( تالله إن كدت لتردين . ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ) الآيات .
قال ابن جرير : وهذا يقوي قراءة من قرأ : " أئنك لمن المصدقين " بالتشديد .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص قال : سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية : ( قال قائل منهم إني كان لي قرين . يقول أئنك لمن المصدقين ) ؟ قال : فقال لي : ما ذكرك هذا ؟ قلت : قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه ؟ فقال : أما فاحفظ ، كان شريكان في بني إسرائيل ، أحدهما مؤمن والآخر كافر ، فافترقا على ستة آلاف دينار ، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن : ما صنعت في مالك ؟ أضربت به شيئا ؟ أتجرت به في شيء ؟ فقال له المؤمن : لا فما صنعت أنت ؟ فقال : اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا قال : فقال له المؤمن : أو فعلت ؟ قال : نعم . فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي ، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ، ثم قال : اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار ، ثم يموت غدا ويتركها ، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة . قال : ثم أصبح فقسمها في المساكين . قال : ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا ، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن : ما صنعت في مالك ، أضربت به في شيء ؟ أتجرت به في شيء ؟ قال : لا فما صنعت أنت . قال : كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها ، فاشتريت رقيقا بألف دينار ، يقومون بي فيها ، ويعملون لي فيها . فقال له المؤمن : أوفعلت ؟ قال : نعم . قال : فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي ، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ، ثم قال : اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار ، يموت غدا ويتركهم ، أو يموتون فيتركونه ، اللهم ، وإني أشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة . ثم أصبح فقسمها في المساكين . قال : ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن : ما صنعت في مالك ؟ أضربت به في شيء ؟ أتجرت به في شيء ؟ قال لا فما صنعت أنت ؟ قال : أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا ، فلانة قد مات عنها زوجها ، فأصدقتها ألف دينار ، فجاءتني بها ومثلها معها . فقال له المؤمن : أوفعلت ؟ قال : نعم . فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي ، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية ، فوضعها بين يديه ، وقال : اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - تزوج زوجة من أزواج الدنيا فيموت غدا فيتركها ، أو يموت فتتركه ، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة . ثم أصبح فقسمها بين المساكين . قال : فبقي المؤمن ليس عنده شيء . قال : فلبس قميصا من قطن ، وكساء من صوف ، ثم أخذ مرا فجعله على رقبته ، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته . قال : فجاءه رجل فقال : يا عبد الله ، أتؤاجرني نفسك مشاهرة ، شهرا بشهر ، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها ؟ قال : نعم . قال : فواجره نفسه مشاهرة ، شهرا بشهر ، يقوم على دوابه . قال : فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه ، فإذا رأى منها دابة ضامرة ، أخذ برأسه فوجأ عنقه ، ثم يقول له : سرقت شعير هذه البارحة ؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال : لآتين شريكي الكافر ، فلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يوما ، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا . قال : فانطلق يريده ، فلما انتهى إلى بابه وهو ممس ، فإذا قصر مشيد في السماء ، وإذا حوله البوابون فقال لهم : استأذنوا لي صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك ، فقالوا له : انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية ، فإذا أصبحت فتعرض له . قال : فانطلق المؤمن ، فألقى نصف كسائه تحته ، ونصفه فوقه ، ثم نام . فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له ، فخرج شريكه الكافر وهو راكب ، فلما رآه عرفه فوقف عليه وسلم عليه وصافحه ، ثم قال له : ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت ؟ قال : بلى وهذه حالي وهذه حالك . قال : أخبرني ما صنعت في مالك ؟ قال : لا تسألني عنه . قال : فما جاء بك ؟ قال : جئت أعمل في أرضك هذه ، فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم ، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا . قال : لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ، ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك ؟ قال : أقرضته : قال : من ؟ قال : المليء الوفي . قال : من ؟ قال : الله ربي . قال : وهو مصافحه فانتزع يده من يده ، ثم قال : ( أئنك لمن المصدقين . أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) - قال السدي : محاسبون - قال : فانطلق الكافر وتركه . قال : فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه ، رجع وتركه ، يعيش المؤمن في شدة من الزمان ، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان . قال : فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة ، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار ، فيقول : لمن هذا ؟ فيقال : هذا لك . فيقول : يا سبحان الله ! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا ؟ ! قال : ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم ، فيقول : لمن هذا ؟ فيقال : هؤلاء لك . فيقول : يا سبحان الله ! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا ؟ ! قال : ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة ، فيها حوراء عيناء ، فيقول : لمن هذه ؟ فيقال : هذه لك . فيقول : يا سبحان الله ! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا ؟ ! قال : ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول : ( إني كان لي قرين . يقول أئنك لمن المصدقين . أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) قال : فالجنة عالية ، والنار هاوية . قال : فيريه الله شريكه في وسط الجحيم ، من بين أهل النار ، فإذا رآه المؤمن عرفه ، فيقول ( تالله إن كدت لتردين . ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين . أفما نحن بميتين . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين . إن هذا لهو الفوز العظيم . لمثل هذا فليعمل العاملون ) بمثل ما من عليه . قال : فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة ، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة ، أشد عليه من الموت .
الآية 62
يقول الله تعالى : أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ - خير ضيافة وعطاء ( أم شجرة الزقوم ) ؟ أي : التي في جهنم .
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة ، كما قال بعضهم من أنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن .
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر ، يقال له : الزقوم ، كقوله تعالى : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) [ المؤمنون : 20 ] ، يعني الزيتونة . ويؤيد ذلك قوله تعالى : ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون . لآكلون من شجر من زقوم ) [ الواقعة : 51 ، 52 ] .
الآية 63
وقوله : ( إنا جعلناها فتنة للظالمين ) ، قال قتادة : ذكرت شجرة الزقوم ، فافتتن بها أهل الضلالة ، وقالوا : صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة ، والنار تأكل الشجر ، فأنزل الله - عز وجل - : ( إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ) غذت من النار ، ومنها خلقت .
وقال مجاهد : ( إنا جعلناها فتنة للظالمين ) قال أبو جهل - لعنه الله - : إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه .
قلت : ومعنى الآية : إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا تختبر به الناس ، من يصدق منهم ممن يكذب ، كقوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) [ الإسراء : 60 ] .
الآية 64
وقوله : ( إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ) أي : أصل منبتها في قرار النار ،
الآية 65
( طلعها كأنه رءوس الشياطين ) تبشيع [ لها ] وتكريه لذكرها .
قال وهب بن منبه : شعور الشياطين قائمة إلى السماء .
وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين ; لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر .
وقيل : المراد بذلك ضرب من الحيات ، رءوسها بشعة المنظر .
وقيل : جنس من النبات ، طلعه في غاية الفحاشة .
وفي هذين الاحتمالين نظر ، وقد ذكرهما ابن جرير ، والأول أقوى وأولى ، والله أعلم .
الآية 66
وقوله : ( فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ) ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ، ولا أقبح من منظرها ، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع ، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها ، لأنهم لا يجدون إلا إياها ، وما في معناها ، كما قال [ تعالى ] : ( ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغني من جوع ) [ الغاشية : 6 ، 7 ] .
وقال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية ، وقال : " اتقوا الله حق تقاته ، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا ، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه ؟ " .
ورواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث شعبة ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
الآية 67
وقوله تعالى : ( ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ) قال ابن عباس : يعني شرب الحميم على الزقوم .
وقال في رواية عنه : ( شوبا من حميم ) مزجا من حميم .
وقال غيره : يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق ، مما يسيل من فروجهم وعيونهم .
وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن صفوان بن عمرو ، أخبرني عبيد بن بسر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : " يقرب - يعني إلى أهل النار - ماء فيتكرهه ، فإذا أدني منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه فيه . فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن رافع ، حدثنا يعقوب بن عبد الله ، عن جعفر وهارون بن عنترة ، عن سعيد بن جبير قال : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم ، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم [ فيها ] . فلو أن مارا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها ، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل - وهو الذي قد انتهى حره - فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ، ويصهر ما في بطونهم ، فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ، ثم يضربون بمقامع من حديد ، فيسقط كل عضو على حياله ، يدعون بالثبور .
الآية 68
وقوله : ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) أي : ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج ، وجحيم تتوقد ، وسعير تتوهج ، فتارة في هذا وتارة في هذا ، كما قال تعالى : ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) [ الرحمن : 44 ] . هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية ، وهو تفسير حسن قوي .
وقال السدي في قراءة عبد الله : " ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم " وكان عبد الله يقول : والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار . ثم قرأ : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) [ الفرقان : 24 ] .
وروى الثوري ، عن ميسرة ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء . قال سفيان : أراه ، ثم قرأ : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) ، ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم " .
قلت : على هذا التفسير تكون " ثم " عاطفة لخبر على خبر .
الآية 69
وقوله : ( إنهم ألفوا آباءهم ضالين ) أي : إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك ، من غير دليل ولا برهان ; ولهذا قال :
الآية 70
( فهم على آثارهم يهرعون ) قال مجاهد : شبيهة بالهرولة . وقال سعيد بن جبير : يسفهون .
الآية 71
يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى .
الآية 72
وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ، ينذرون بأس الله ، ويحذرونهم سطوته ونقمته ، ممن كفر به وعبد غيره ، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم . فأهلك المكذبين ودمرهم ، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ، ولهذا قال : ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين . إلا عباد الله المخلصين )
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

