ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
الآية 49
ثم قال : ( والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ) أي : ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل ، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته ، وارتكبوا محارمه ومناهيه وانتهاك حرماته .
الآية 50
يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) أي : لست أملكها ولا أتصرف فيها ( ولا أعلم الغيب ) أي : ولا أقول : إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله ، عز وجل ، لا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ( ولا أقول لكم إني ملك ) أي : ولا أدعي أني ملك ، إنما أنا بشر من البشر ، يوحى إلي من الله ، عز وجل ، شرفني بذلك ، وأنعم علي به ; ولهذا قال : ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه .
( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) أي : هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه ، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟ ( أفلا تتفكرون ) وهذه كقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب ) [ الرعد : 19 ] .
الآية 51
( الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) أي : يوم القيامة . ( ليس لهم ) أي : يومئذ ( من دونه ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ( لعلهم يتقون ) أي : أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ، عز وجل ( لعلهم يتقون ) فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه .
الآية 52
وقوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) أي : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك ، كما قال : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) [ الكهف : 28 ] .
وقوله ( يدعون ربهم ) أي : يعبدونه ويسألونه ( بالغداة والعشي ) قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة : المراد بذلك الصلوات المكتوبات .
وهذا كقوله [ تعالى ] ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] أي : أتقبل منكم .
وقوله : ( يريدون وجهه ) أي : يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم ، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات .
وقوله : ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) كما قال نوح ، - عليه السلام - ، في جواب الذين قالوا : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) [ قال ] ( وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) [ الشعراء : 112 ، 113 ] ، أي : إنما حسابهم على الله ، عز وجل ، وليس علي من حسابهم من شيء ، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء .
وقوله : ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) أي : إن فعلت هذا والحالة هذه .
قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثنا أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : خباب وصهيب وبلال وعمار . فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين )
ورواه ابن جرير ، من طريق أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : صهيب وبلال وعمار وخباب ، وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك ، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ، فنزلت هذه الآية : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) إلى آخر الآية
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود ، عن خباب في قول الله ، عز وجل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - حقروهم ، فأتوه فخلوا به ، وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت . قال : " نعم " . قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ، قال : فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية ، فنزل جبريل فقال : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم [ بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ] ) فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصحيفة ، ثم دعانا فأتيناه .
ورواه ابن جرير ، من حديث أسباط ، به .
وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر .
وقال سفيان الثوري ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه قال : قال سعد : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم ابن مسعود ، قال : كنا نسبق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وندنو منه ونسمع منه ، فقالت قريش : يدني هؤلاء دوننا ، فنزلت : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي )
رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان ، وقال : على شرط الشيخين . وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح ، به
الآية 53
وقوله : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) أي : ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ( ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان غالب من اتبعه في أول البعثة ، ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء ، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل ، كما قال قوم نوح لنوح : ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) الآية [ هود : 27 ] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [ عن تلك ] المسائل ، فقال له : فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال : بل ضعفاؤهم . فقال : هم أتباع الرسل
والغرض : أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ، ويعذبون من يقدرون عليه منهم ، وكانوا يقولون : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) ؟ أي : ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا ، كما قالوا : ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) [ الأحقاف : 11 ] ، وكما قال تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) [ مريم : 73 ] .
قال الله تعالى في جواب ذلك : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ) [ مريم : 74 ] ، وقال في جوابهم حين قالوا : ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) أي : أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إليه صراطا مستقيما ، كما قال تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) [ العنكبوت : 69 ] . وفي الحديث الصحيح : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى ألوانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم : حدثنا الحسين ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) الآية ، قال : جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل ، في أشراف من بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب ، لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا ، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا ، كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه ، وتصديقنا له . قال : فأتى أبو طالب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثه بالذي كلموه فقال عمر بن الخطاب ، - رضي الله عنه - : لو فعلت ذلك ، حتى تنظر ما الذي يريدون ، وإلى ما يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله عز وجل ، هذه الآية : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ] ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) قال : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء : ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القاري وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد - وأبو مرثد من غني حليف حمزة بن عبد المطلب - وأشباههم من الحلفاء . ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) الآية . فلما نزلت ، أقبل عمر ، - رضي الله عنه - ، فاعتذر من مقالته ، فأنزل الله ، عز وجل : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا [ فقل سلام ] ) الآية
الآية 54
وقوله : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) أي : فأكرمهم برد السلام عليهم ، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم ; ولهذا قال : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي : أوجبها على نفسه الكريمة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال بعض السلف : كل من عصى الله ، فهو جاهل .
وقال معتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : ( من عمل منكم سوءا بجهالة ) قال : الدنيا كلها جهالة . رواه ابن أبي حاتم .
( ثم تاب من بعده وأصلح ) أي : رجع عما كان عليه من المعاصي ، وأقلع وعزم على ألا يعود وأصلح العمل في المستقبل ( فأنه غفور رحيم )
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لما قضى الله الخلق ، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي " . أخرجاه في الصحيحين وهكذا رواه الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ورواه موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وكذا رواه الليث وغيره ، عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك
وقد روى ابن مردويه ، من طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق ، أخرج كتابا من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعملوا خيرا مكتوب بين أعينهم . عتقاء الله " .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان في قوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) قال : إنا نجد في التوراة عطفتين : أن الله خلق السماوات والأرض ، وخلق مائة رحمة - أو : جعل مائة رحمة - قبل أن يخلق الخلق ، ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة . قال فبها يتراحمون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتباذلون وبها يتزاورون ، وبها تحن الناقة ، وبها تثج البقرة ، وبها تثغو الشاة ، وبها تتابع الطير ، وبها تتابع الحيتان في البحر . فإذا كان يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .
وقد روي هذا مرفوعا من وجه آخر وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) [ الأعراف : 156 ]
ومما يناسب هذه الآية [ الكريمة ] من الأحاديث أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل : " أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا " ، ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم " وقد رواه الإمام أحمد ، من طريق كميل بن زياد ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ]
الآية 55
يقول تعالى : وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد ، وذم المجادلة والعناد ( وكذلك نفصل الآيات ) أي : التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ( ولتستبين سبيل المجرمين ) أي : ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل ، وقرئ : " وليستبين سبيل المجرمين " أي : وليستبين يا محمد - أو يا مخاطب - سبيل المجرمين .
الآية 56
الآية 57
وقوله : ( قل إني على بينة من ربي ) أي : على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي ) وكذبتم به ) أي : بالحق الذي جاءني من [ عند ] الله ( ما عندي ما تستعجلون به ) أي : من العذاب ( إن الحكم إلا لله ) أي : إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك ، وإن شاء أنظركم وأجلكم ; لما له في ذلك من الحكمة العظيمة . ولهذا قال ( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) أي : وهو خير من فصل القضايا ، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده .
الآية 58
وقوله : ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ) أي : لو كان مرجع ما تستعجلون به إلي ، لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ( والله أعلم بالظالمين )
فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية ، وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال : " لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة ; إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل - عليه السلام - ، فناداني ، فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " . قال : " فناداني ملك الجبال وسلم علي ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربك إليك ، لتأمرني بأمرك ، فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ، لا يشرك به شيئا " ، وهذا لفظ مسلم
فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم ، فاستأنى بهم ، وسأل لهم التأخير ، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا . فما الجمع بين هذا ، وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين ) ؟
فالجواب - والله أعلم - : أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له ، لأوقعه بهم . وأما الحديث ، فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا - فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم
الآية 59
وقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) قال البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان : 34 ] .
وفي حديث عمر [ رضي الله عنه ] أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان ، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال له : " خمس لا يعلمهن إلا الله " ، ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية [ لقمان : 34 ] .
وقوله : ( ويعلم ما في البر والبحر ) أي : يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات ، بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . وما أحسن ما قال الصرصري :
فلا يخفى عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى
وقوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي : ويعلم الحركات حتى من الجمادات ، فما ظنك بالحيوانات ، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم ، كما قال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن حسان النمري عن ابن عباس في قوله : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) قال : ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها ، يكتب ما يسقط منها .
وقوله : ( ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يا بس إلا في كتاب مبين ) قال محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن النضر ، عن أبيه سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورا ، على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ، عز وجل ، على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله ، عز وجل ، إليه في كل يوم ملكا من عنده : أن احتفظ بما عندك .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري : حدثنا مالك بن سعير ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها : رطوبتها إذا رطبت ، ويبسها إذا يبست .
وكذا رواه ابن جرير ، عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني ، عن مالك بن سعير ، به
ثم قال ابن أبي حاتم : ذكر عن أبي حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح ، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق ، أو رزق حلال أو حرام ، أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) إلى آخر الآية .
الآية 60
يخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل ، وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي [ ومطهرك من الذين كفروا ] ) [ آل عمران : 55 ] ، وقال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) [ الزمر : 42 ] ، فذكر في هذه الآية الوفاتين : الكبرى والصغرى ، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى ، فقال : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار . وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم ، في حال سكونهم وفي حال حركتهم ، كما قال : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] ، وكما قال تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ) أي : في الليل ( ولتبتغوا من فضله ) [ القصص : 73 ] أي : في النهار ، كما قال : ( وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ) [ النبأ : 10 ، 11 ; ولهذا قال هاهنا : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) أي : ما كسبتم بالنهار ) ثم يبعثكم فيه ) أي : في النهار . قاله مجاهد وقتادة والسدي .
وقال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير : أي في المنام .
والأول أظهر . وقد روى ابن مردويه بسنده عن الضحاك ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ، ويرد إليه . فإن أذن الله في قبض روحه قبضه ، وإلا رد إليه " ، فذلك قوله : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل )
وقوله ( ليقضى أجل مسمى ) يعني به : أجل كل واحد من الناس ( ثم إليه مرجعكم ) أي : يوم القيامة ( ثم ينبئكم ) أي : فيخبركم ( بما كنتم تعملون ) أي : ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
الآية 61
وقوله : ( وهو القاهر فوق عباده ) أي : هو الذي قهر كل شيء ، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء .
( ويرسل عليكم حفظة ) أي : من الملائكة يحفظون بدن الإنسان ، كما قال [ تعالى ] ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) [ الرعد : 11 ] ، وحفظة يحفظون عمله ويحصونه [ عليه ] كما قال : ( وإن عليكم لحافظين [ كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ] ) [ الانفطار : 10 - 12 ] ، وقال : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 17 ، 18 ] .
وقوله : ( حتى إذا جاء أحدكم الموت ) أي : [ إذا ] احتضر وحان أجله ( توفته رسلنا ) أي : ملائكة موكلون بذلك .
قال ابن عباس وغير واحد : لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد ، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ] ) [ إبراهيم : 27 ] ، الأحاديث المتعلقة بذلك ، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة .
وقوله : ( وهم لا يفرطون ) أي : في حفظ روح المتوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ، عز وجل ، إن كان من الأبرار ففي عليين ، وإن كان من الفجار ففي سجين ، عياذا بالله من ذلك .
الآية 62
وقوله : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) قال ابن جرير : ( ثم ردوا ) يعني : الملائكة ( إلى الله مولاهم الحق )
ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد [ عن أبي هريرة في ذكر صعود الملائكة بالروح من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل ] حيث قال : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقال : فلان ، فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان . فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل . وإذا كان الرجل السوء ، قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقال : من هذا؟ فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء . فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر ، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول
هذا حديث غريب
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ( ثم ردوا إلى الله ) يعني : الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة ، فيحكم فيهم بعدله ، كما قال [ تعالى ] ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) [ الواقعة : 49 ، 50 ] ، وقال ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) إلى قوله : ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 47 - 49 ] ; ولهذا قال : ( مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين )
الآية 63
يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم ( من ظلمات البر والبحر ) أي : الحائرين الواقعين في المهامه البرية ، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الريح العاصفة ، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له ، كما قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ] ) [ الإسراء : 67 ] وقال تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) [ يونس : 22 ] وقال تعالى : ( أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ) [ النمل : 63 ] .
وقال في هذه الآية الكريمة : ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ) أي : جهرا وسرا ( لئن أنجانا من هذه ) أي : من هذه الضائقة ( لنكونن من الشاكرين ) أي : بعدها
الآية 64
قال الله [ تعالى ] ( قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ) أي : بعد ذلك ) تشركون ) أي : تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى .
الآية 65
وقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لما قال : ( ثم أنتم تشركون ) عقبه بقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا [ من فوقكم أو من تحت أرجلكم ] ) أي : بعد إنجائه إياكم ، كما قال في سورة سبحان : ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) [ الإسراء : 66 - 69 ] .
قال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هارون الأعور ، عن جعفر بن سليمان عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : هذه للمشركين .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد [ في قوله ] ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فعفا عنهم .
ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، وبه الثقة .
قال البخاري رحمه الله ، في قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) يلبسكم : يخلطكم ، من الالتباس ، يلبسوا : يخلطوا . شيعا : فرقا .
حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بوجهك " . ( أو من تحت أرجلكم ) قال : " أعوذ بوجهك " . ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه أهون - أو قال : هذا أيسر " .
وهكذا رواه أيضا في " كتاب التوحيد " عن قتيبة ، عن حماد به
ورواه النسائي [ أيضا ] في " التفسير " ، عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي أربعتهم ، عن حماد بن زيد ، به .
وقد رواه الحميدي في مسنده ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمع جابرا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، به .
ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن أبي خيثمة ، عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع ، كلهم عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه أبو بكر بن مردويه ، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي ، عن سفيان بن عيينة ، به .
ورواه سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ، كلاهما عن عمرو بن دينار ، به
طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا مقدام بن داود ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن أبي الزبير عن جابر قال : لما نزلت : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو من تحت أرجلكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو يلبسكم شيعا ) قال : " هذا أيسر " ، ولو استعاذه لأعاذه
ويتعلق بهذه الآية [ الكريمة ] أحاديث كثيرة :
أحدها : قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا أبو بكر - هو ابن أبي مريم - عن راشد - هو ابن سعد المقرئي - عن سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ] قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) فقال : " أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد " .
وأخرجه الترمذي ، عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، به ثم قال : هذا حديث غريب . [ جدا ]
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى - هو ابن عبيد - حدثنا عثمان بن حكيم ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررنا على مسجد بني معاوية ، فدخل فصلى ركعتين ، فصلينا معه ، فناجى ربه ، عز وجل ، طويلا قال سألت ربي ثلاثا " سألته ألا يهلك أمتي بالغرق ، فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .
انفرد بإخراجه مسلم فرواه في " كتاب الفتن " عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، كلاهما عن عبد الله بن نمير - وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر ، عن مروان بن معاوية كلاهما عن عثمان بن حكيم ، به
حديث آخر : قال الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك ; أنه قال : جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي : هل تدري أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدكم هذا؟ فقلت : نعم . فأشرت إلى ناحية منه ، فقال : هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت : نعم . فقال : وأخبرني بهن ، فقلت دعا ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، ولا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعها . قال : صدقت ، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة "
ليس هو في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، ولله الحمد والمنة .
حديث آخر : قال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عباد ، عن حنيف ، عن علي بن عبد الرحمن أخبرني حذيفة بن اليمان قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حرة بني معاوية ، قال : فصلى ثماني ركعات ، فأطال فيهن ، ثم التفت إلي فقال : حبستك؟ قلت الله ورسوله أعلم . قال : إني سألت الله ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم ، فأعطاني وسألته ألا يهلكهم بغرق ، فأعطاني . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعني " .
رواه ابن مردويه من حديث ابن إسحاق
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبيدة بن حميد ، حدثني سليمان الأعمش ، عن رجاء الأنصاري ، عن عبد الله بن شداد عن معاذ بن جبل ، - رضي الله عنه - ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلبه فقيل لي : خرج قبل . قال : فجعلت لا أمر بأحد إلا قال : مر قبل . حتى مررت فوجدته قائما يصلي . قال : فجئت حتى قمت خلفه ، قال : فأطال الصلاة ، فلما قضى صلاته قلت : يا رسول الله ، لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة . سألته ألا يهلك أمتي غرقا ، فأعطاني وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ليس منهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فردها علي " .
ورواه ابن ماجه في " الفتن " عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، كلاهما عن أبي معاوية ، عن الأعمش به
ورواه ابن مردويه من حديث أبي عوانة ، عن عبد الله بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بمثله أو نحوه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات . فلما انصرف قال : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين ، ففعل . وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم ، ففعل . وسألته ألا يلبسهم شيعا ، فأبى علي " .
رواه النسائي في الصلاة ، عن محمد بن سلمة ، عن ابن وهب ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، قال : قال الزهري : حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبيه خباب بن الأرت - مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أنه قال : راقبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة صلاها كلها ، حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته ، قلت يا رسول الله ، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أجل ، إنها صلاة رغب ورهب . سألت ربي ، عز وجل ، فيها ثلاث خصال ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا ، فأعطانيها . وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا ، فأعطانيها . وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يلبسنا شيعا ، فمنعنيها " .
ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة به ومن وجه آخر . وابن حبان في صحيحه ، بإسناديهما عن صالح بن كيسان - والترمذي في " الفتن " من حديث النعمان بن راشد - كلاهما عن الزهري به وقال : حسن صحيح .
حديث آخر : قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره : حدثني زياد بن عبيد الله المزني ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا أبو مالك حدثني نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود ، فقال : " قد كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، فيها ثلاثا ، أعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألت الله ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم ، فأعطانيها . وسألته ألا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها " . قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : نعم ، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق قال : قال معمر ، أخبرني أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر ، وإني سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض . فقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد . وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة ، وألا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة ، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، وبعضهم يقتل بعضا ، وبعضهم يسبي بعضا " . قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي ، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة "
ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه فالله أعلم
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي ، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من أصحاب الشجرة - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى والناس حوله ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود . قال : فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : أن اسكتوا ، إنه ينزل عليه . فلما فرغ قال له بعض القوم : يا رسول الله ، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : إنه ينزل عليك . قال : " لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة . سألت الله ألا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم ، فأعطانيها . ألا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها ، فأعطانيها . وسألته ألا يلبسكم شيعا وألا يذيق بعضكم بأس بعض ، فمنعنيها " ، قال : قلت له : أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه؟ قال : نعم ، سمعته يقول : إنه سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عدد أصابعي هذه ، عشر أصابع
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد ، عن أبي وهب الخولاني عن رجل قد سماه ، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ، عز وجل ، أربعا فأعطاني ثلاثا ، ومنعني واحدة . سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها . وسألت الله ألا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم ، فأعطانيها . وسألت الله ، عز وجل ، ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعنيها "
لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .
حديث آخر : قال الطبراني : ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي ، عن زياد بن علاقة ، عن جابر بن سمرة السوائي ، عن علي [ رضي الله عنه ] ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة ، فقلت : يا رب ، لا تهلك أمتي جوعا فقال : هذه لك . قلت : يا رب ، لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم - يعني أهل الشرك - فيجتاحهم . قال ذلك لك . قلت : يا رب ، لا تجعل بأسهم بينهم " . قال : " فمنعني هذه "
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : ، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد بن عاصم ، حدثنا أبو الدرداء المروزي ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان حدثني أبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " دعوت ربي ، عز وجل ، أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع الله عنهم اثنتين ، وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين . دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع اثنتين : القتل ، والهرج " .
طريق أخرى عن ابن عباس أيضا : قال ابن مردويه : حدثني عبد الله بن محمد بن زيد حدثني الوليد بن أبان ، حدثنا جعفر بن منير ، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ، حدثنا عمرو بن قيس عن رجل ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ ، ثم قال : " اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم ، ولا تلبسهم شيعا ، ولا تذق بعضهم بأس بعض " قال : فأتاه جبريل فقال : يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم
حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى ، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي المنهال ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي لأمتي أربع خصال ، فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة . سألته ألا تكفر أمتي واحدة ، فأعطانيها . وسألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .
ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن عمرو بن محمد العنقزي ، به نحوه
طريق أخرى : وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني ، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب ، سمع أبا هريرة يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سألت ربي ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة . سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني . وسألته ألا يهلكهم بالسنين ، فأعطاني . وسألته ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعني " .
ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بنحوه . ورواه البزار من طريق عمر بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه
أثر آخر : قال سفيان الثوري ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : أربعة من هذه الأمة : قد مضت ثنتان ، وبقيت ثنتان : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال : الرجم . ( أو من تحت أرجلكم ) قال : الخسف . ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال سفيان : يعني : الرجم والخسف .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فهي أربع خلال ، منها ثنتان بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعا ، وذاق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرجم والخسف .
ورواه أحمد ، عن وكيع ، عن أبي جعفر . ورواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث [ عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ] ) الآية ، قال : حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها ، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها .
وهكذا قال سعيد بن جبير وأبو مالك ومجاهد والسدي وابن زيد في قوله : ( عذابا من فوقكم ) يعني : الرجم . ( أو من تحت أرجلكم ) يعني : الخسف . وهذا هو اختيار ابن جرير .
ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : كان عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] يصيح وهو في المجلس - أو على المنبر - يقول : ألا أيها الناس ، إنه قد نزل بكم .
إن الله يقول : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) لو جاءكم عذاب من السماء ، لم يبق منكم أحدا ( أو من تحت أرجلكم ) لو خسف بكم الأرض أهلككم ، لم يبق منكم أحدا ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث .
قول ثان : قال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، سمعت خلاد بن سليمان يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) فأما العذاب من فوقكم ، فأئمة السوء ( أو من تحت أرجلكم ) فخدم السوء .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( عذابا من فوقكم ) يعني : أمراءكم . ( أو من تحت أرجلكم ) يعني : عبيدكم وسفلتكم .
وحكى ابن أبي حاتم ، عن أبي سنان وعمير بن هانئ ، نحو ذلك .
وقال ابن جرير : وهذا القول وإن كان له وجه صحيح ، لكن الأول أظهر وأقوى .
وهو كما قال ابن جرير - رحمه الله - ويشهد له بالصحة قوله تعالى : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [ ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ] ) [ الملك : 16 - 18 ] ، وفي الحديث : " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ " وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة ، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى .
وقوله : ( أو يلبسكم شيعا ) أي : يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين . قال الوالبي ، عن ابن عباس : يعني : الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد .
وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " .
وقوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال ابن عباس وغير واحد : يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل .
وقوله : ( انظر كيف نصرف الآيات ) أي : نبينها ونوضحها ونقرها ( لعلهم يفقهون ) أي : يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه .
قال زيد بن أسلم : لما نزلت ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) الآية ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف . قالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله؟ قال : " نعم " . فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبدا ، أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون ، فنزلت : ( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون )
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير
الآية 66
يقول تعالى : ( وكذب به ) أي : بالقرآن الذي جئتهم به ، والهدى والبيان . ) قومك ) يعني : قريشا ) وهو الحق ) أي : الذي ليس وراءه حق ( قل لست عليكم بوكيل ) أي : لست عليكم بحفيظ ، ولست بموكل بكم ، كقوله ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) [ الكهف : 29 ] أي : إنما علي البلاغ ، وعليكم السمع والطاعة ، فمن اتبعني ، سعد في الدنيا والآخرة ، ومن خالفني ، فقد شقي في الدنيا والآخرة
الآية 67
ولهذا قال : ( لكل نبإ مستقر )
قال ابن عباس وغير واحد : أي لكل نبأ حقيقة ، أي : لكل خبر وقوع ، ولو بعد حين ، كما قال : ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ، وقال ( لكل أجل كتاب ) [ الرعد : 37 ] .
وهذا تهديد ووعيد أكيد ; ولهذا قال بعده : ( وسوف تعلمون )
الآية 68
ثم قال : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) أي : بالتكذيب والاستهزاء ( فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي : حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ( وإما ينسينك الشيطان ) والمراد بهذا كل فرد ، فرد من آحاد الأمة ، ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها ، فإن جلس أحد معهم ناسيا ( فلا تقعد بعد الذكرى ) بعد التذكر ( مع القوم الظالمين )
ولهذا ورد في الحديث : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
وقال السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : ( وإما ينسينك الشيطان ) قال : إن نسيت فذكرت ، فلا تجلس معهم . وكذا قال مقاتل بن حيان .
وهذه الآية هي المشار إليها في قوله : ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) الآية [ النساء : 140 ] أي : إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك ، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه .
الآية 69
وقوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) أي : إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك ، فقد برئوا من عهدتهم ، وتخلصوا من إثمهم .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، قوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) قال : ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ، أي : إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم .
وقال آخرون : بل معناه : وإن جلسوا معهم ، فليس عليهم من حسابهم من شيء . وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية ، وهي قوله : ( إنكم إذا مثلهم ) [ النساء : 140 ] . قاله مجاهد والسدي وابن جريج ، وغيرهم . وعلى قولهم ، يكون قوله : ( ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) أي : ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه ; لعلهم يتقون ذلك ، ولا يعودون إليه .
الآية 70
يقول تعالى : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ) أي : دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ; ولهذا قال : ( وذكر به ) أي : وذكر الناس بهذا القرآن ، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة .
وقوله : ( أن تبسل نفس بما كسبت ) أي : لئلا تبسل . قال الضحاك ، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي : تبسل : تسلم .
وقال الوالبي ، عن ابن عباس : تفضح . وقال قتادة : تحبس . وقال مرة وابن زيد تؤاخذ . وقال الكلبي : تجازى
وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى ، وحاصلها الإسلام للهلكة ، والحبس عن الخير ، والارتهان عن درك المطلوب ، كما قال : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] .
وقوله : ( ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب ولا أحد يشفع فيها ، كما قال : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] .
وقوله : ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) أي : ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كما قال : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا [ ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ] ) [ آل عمران : 91 ] ، وهكذا قال ههنا : ( أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )
الآية 71
قال السدي : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا ، واتركوا دين محمد فأنزل الله ، عز وجل : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ) أي : في الكفر ( بعد إذ هدانا الله ) فيكون مثلنا مثل الذي ( استهوته الشياطين في الأرض [ حيران ] ) يقول : مثلكم ، إن كفرتم بعد الإيمان ، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق ، فضل الطريق ، فحيرته الشياطين ، واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون : " ائتنا فإنا على الطريق " ، فأبى أن يأتيهم . فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام . رواه ابن جرير .
وقال قتادة : ( استهوته الشياطين في الأرض ) أضلته في الأرض ، يعني : استهوته مثل قوله : ( تهوي إليهم ) [ إبراهيم : 37 ] .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) الآية . هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها ، والدعاة الذين يدعون إلى الله ، عز وجل ، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ضالا إذ ناداه مناد : " يا فلان بن فلان ، هلم إلى الطريق " ، وله أصحاب يدعونه : " يا فلان ، هلم إلى الطريق " ، فإن اتبع الداعي الأول ، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى ، اهتدى إلى الطريق . وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان ، يقول : مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله ، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت ، فيستقبل الهلكة والندامة . وقوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض ) هم " الغيلان " ، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده ، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في هلكة ، وربما أكلته - أو تلقيه في مضلة من الأرض ، يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ، عز وجل . رواه ابن جرير .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي .
وقال العوفي عن ابن عباس قوله : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) هو الذي لا يستجيب لهدى الله ، وهو رجل أطاع الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وجار عن الحق وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى ، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس ، يقول [ الله ] ( إن هدى الله هو الهدى ) والضلال ما يدعو إليه الجن . رواه ابن جرير ، ثم قال : وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ، ويزعمون أنه هدى . قالت : وهذا خلاف ظاهر الآية ; فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى ، فغير جائز أن يكون ضلالا وقد أخبر الله أنه هدى .
وهو كما قال ابن جرير ، وكان سياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ، وهو منصوب على الحال ، أي : في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة ، وله أصحاب على المحجة سائرون ، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى . وتقدير الكلام : فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ، ولو شاء الله لهداه ، ولرد به إلى الطريق ; ولهذا قال : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) كما قال : ( ومن يهد الله فما له من مضل ) [ الزمر : 37 ] ، وقال : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) [ النحل : 37 ] ، وقوله ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) أي : نخلص له العبادة وحده لا شريك له .
الآية 72
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : يوم القيامة .
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

