تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير — سورة القلم

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

۞ قراءة النص
سورة القلم · Al-Qalam السورة 68 · الصفحة 2 · 52 مقطعاً

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

الآية 25

أي على قصد وقدرة فى أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم.

قال معناه ابن عباس وغيره.

والحرد القصد.

حرد يحرد (بالكسر) حردا قصد.

تقول: حردت حردك; أي قصدت قصدك.

ومنه قول الراجز: أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغلة أنشده النحاس: قد جاء سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغلة قال البرد: المغلة ذات الغلة.

وقال غيره: المغلة التي يجري الماء في غللها أي في أصولها.

ومنه تغللت بالغالية.

ومنه تغليت, أبدل من اللام ياء.

ومن قال تغلفت فمعناه عنده جعلتها غلافا.

وقال قتادة ومجاهد: "على حرد" أي على جد.

الحسن: على حاجة وفاقة.

وقال أبو عبيدة والقتيبي: على حرد على منع; من قولهم حاردت الإبل حرادا أي قلت ألبانها.

والحرود من النوق القليلة الدر.

وحاردت السنة قل مطرها وخيرها.

وقال السدي وسفيان: "على حرد" على غضب.

والحرد الغضب.

قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: وهو مخفف; وأنشد شعرا: إذا جياد الخيل جاءت تردي مملوءة من غضب وحرد وقال ابن السكيت: وقد يحرك; تقول منه: حرد (بالكسر) حردا, فهو حارد وحردان.

ومنه قيل: أسد حارد, وليوث حوارد.

وقيل: "على حرد" على انفراد.

يقال: حرد يحرد حرودا; أي تنحى عن قومه ونزل منفردا ولم يخالطهم.

وقال أبو زيد: رجل حريد من قوم حرداء.

وقد حرد يحرد حرودا; إذا ترك قومه وتحول عنهم.

وكوكب حريد; أي معتزل عن الكواكب.

قال الأصمعي: رجل حريد; أي فريد وحيد.

قال والمنحرد المنفرد في لغة هذيل.

وأنشد لأبي ذؤيب: كأنه كوكب في الجو منحرد ورواه أبو عمرو بالجيم, وفسره: منفرد.

قال: وهو سهيل.

وقال الأزهري: حرد اسم قريتهم.

السدي: اسم جنتهم; وفيه لغتان: حرد وحرد.

وقرأ العامة بالإسكان.

وقرأ أبو العالية وابن السميقع بالفتح; وهما لغتان.

ومعنى "قادرين" قد قدروا أموهم وبنوا عليه; قاله الفراء.

وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم.

وقال الشعبي: "قادرين" يعني على المساكين.

وقيل: معناه من الوجود; أي منعوا وهم واجدون.

الآية 26

( فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) أي : فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها ، وهي على الحالة التي قال الله ، عز وجل ، قد استحالت عن تلك النضارة ، والزهرة ، وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة ، لا ينتفع بشيء منها ، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ; ولهذا قالوا : ( إنا لضالون ) أي : قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها . قاله ابن عباس وغيره .

الآية 27

ثم رجعوا عما كانوا فيه ، وتيقنوا أنها هي فقالوا : ( بل نحن محرومون ) أي : بل هذه هي ، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب .

الآية 28

( قال أوسطهم ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وقتادة : أي : أعدلهم وخيرهم : ( ألم أقل لكم لولا تسبحون ) ! قال مجاهد ، والسدي ، وابن جريج : ( لولا تسبحون ) أي : لولا تستثنون . قال السدي : وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا .

وقال ابن جريج : هو قول القائل : إن شاء الله . وقيل : معناه : ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) أي : هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم ،

الآية 29

( قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) أتوا بالطاعة حيث لا تنفع ، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع ; ولهذا قالوا : ( إنا كنا ظالمين)

الآية 30

أي : يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب

الآية 31

( قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) أي : اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا

الآية 32

( عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون ) قيل : رغبوا في بذلها لهم في الدنيا . وقيل : احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة ، والله أعلم .

ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن - قال سعيد بن جبير : كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء . وقيل : كانوا من أهل الحبشة - وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليها ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل . فلما مات ورثه بنوه ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا . فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية ، ورأس المال ، والربح ، والصدقة ، فلم يبق لهم شيء .

الآية 33

قال الله تعالى : ( كذلك العذاب ) أي : هكذا عذاب من خالف أمر الله ، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ، ومنع حق المسكين والفقراء وذوي الحاجات ، وبدل نعمة الله كفرا ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) أي : هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم ، وعذاب الآخرة أشق . وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجداد بالليل ، والحصاد بالليل .

الآية 34

لما ذكر الله تعالى حال أهل الجنة الدنيوية ، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ، عز وجل ، وخالفوا أمره ، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها .

الآية 35

ثم قال : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ؟ أي : أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء ؟ كلا ورب الأرض والسماء ; ولهذا قال

الآية 36

( ما لكم كيف تحكمون ) ! أي : كيف تظنون ذلك ؟ .

الآية 37

ثم قال : ( أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون ) يقول : أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه ، وتحفظونه ، وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف ، متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه ؟

الآية 38

ثم قال : ( أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون ) يقول : أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه ، وتحفظونه ، وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف ، متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه ؟

الآية 39

( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ) أي : أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ، ( إن لكم لما تحكمون ) أي : إنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون

الآية 40

( سلهم أيهم بذلك زعيم ) ؟ أي : قل لهم : من هو المتضمن المتكفل بهذا ؟

الآية 41

( أم لهم شركاء ) أي : من الأصنام والأنداد ( فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين )

الآية 42

لما ذكر تعالى أن للمتقين عنده جنات النعيم ، بين متى ذلك كائن وواقع ، فقال : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) يعني : يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام . وقد قال البخاري ها هنا :

حدثنا آدم ، حدثنا الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " .

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق وله ألفاظ ، وهو حديث طويل مشهور .

وقد قال عبد الله بن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : هو يوم كرب وشدة . رواه ابن جرير ثم قال :

حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، - أو ابن عباس الشك من ابن جرير - : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : عن أمر عظيم ، كقول الشاعر :

وقامت الحرب بنا عن ساق

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : شدة الأمر

وقال ابن عباس : هي أول ساعة تكون في يوم القيامة .

وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : شدة الأمر وجده .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( يوم يكشف عن ساق ) هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة .

وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله : ( يوم يكشف عن ساق ) يقول : حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال . وكشفه دخول الآخرة ، وكشف الأمر عنه . وكذا روى الضحاك ، وغيره ، عن ابن عباس . أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير ثم قال :

حدثني أبو زيد عمر بن شبة ، حدثنا هارون بن عمر المخزومي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح ، عن مولى لعمر بن عبد العزيز ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : " عن نور عظيم ، يخرون له سجدا " .

ورواه أبو يعلى ، عن القاسم بن يحيى ، عن الوليد بن مسلم به ، وفيه رجل مبهم ، والله أعلم .

الآية 43

وقوله : ( خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ) أي : في الدار الآخرة بإجرامهم ، وتكبرهم في الدنيا ، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه . ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم ، وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة ، إذا تجلى الرب عز وجل ، فيسجد له المؤمنون ، لا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد ، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا ، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه ، عكس السجود ، كما كانوا في الدنيا ، بخلاف ما عليه المؤمنون .

الآية 44

ثم قال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) يعني : القرآن . وهذا تهديد شديد ، أي : دعني وإياه مني ومنه ، أنا أعلم به كيف أستدرجه ، وأمده في غيه وأنظر ، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر ؛ ولهذا قال : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) أي : وهم لا يشعرون ، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة ، وهو في نفس الأمر إهانة ، كما قال : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] ، وقال : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) [ الأنعام : 44 ] . ولهذا قال ها هنا :

الآية 45

( وأملي لهم إن كيدي متين ) أي : وأؤخرهم ، وأنظرهم ، وأمدهم ، وذلك من كيدي ومكري بهم ; ولهذا قال تعالى : ( إن كيدي متين ) أي : عظيم لمن خالف أمري ، وكذب رسلي ، واجترأ على معصيتي .

وفي الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " . ثم قرأ : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [ هود : 102 ] .

الآية 46

وقوله : ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) تقدم تفسيرهما في سورة " الطور " ، والمعنى في ذلك : أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ، عز وجل ، بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ، عز وجل ، وهم يكذبون بما جئتهم به ، بمجرد الجهل والكفر والعناد .

الآية 47

وقوله : ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) تقدم تفسيرهما في سورة " الطور " ، والمعنى في ذلك : أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ، عز وجل ، بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ، عز وجل ، وهم يكذبون بما جئتهم به ، بمجرد الجهل والكفر والعناد .

الآية 48

يقول تعالى : ( فاصبر ) يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم ; فإن الله سيحكم لك عليهم ، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ، ( ولا تكن كصاحب الحوت ) يعني : ذا النون ، وهو يونس بن متى عليه السلام حين ذهب مغاضبا على قومه ، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له ، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم ، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير ، الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير ، فحينئذ نادى في الظلمات . ( أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء : 87 ] . قال الله ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 88 ] ، وقال تعالى : ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) [ الصافات : 143 ، 144 ] وقال هاهنا : ( إذ نادى وهو مكظوم ) قال ابن عباس ومجاهد والسدي : وهو مغموم . وقال عطاء الخراساني وأبو مالك : مكروب . وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) خرجت الكلمة تحف حول العرش ، فقالت الملائكة : يا رب ، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة ، فقال الله : أما تعرفون هذا ؟ قالوا : لا . قال : هذا يونس . قالوا : يا رب ، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة ؟ قال : نعم . قالوا : أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء ; ولهذا قال تعالى : ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين )

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى " .

ورواه البخاري من حديث سفيان‌ الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة‌ .

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة