تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير — سورة الأنفال

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

۞ قراءة النص
سورة الأنفال · Al-Anfalالسورة 8 · الصفحة 4 · 75 مقطعاً

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

الآية 73

لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار ، كما قال الحاكم في مستدركه :

حدثنا محمد بن صالح بن هانئ ، حدثنا أبو سعد يحيى بن منصور الهروي ، حدثنا محمد بن أبان ، حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافرا ، ولا كافر مسلما ، ثم قرأ : ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

قلت : الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وفي المسند والسنن ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يتوارث أهل ملتين شتى وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد ، [ عن محمد بن ثور ] عن معمر ، عن الزهري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال : تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب .

وهذا مرسل من هذا الوجه ، وقد روي متصلا من وجه آخر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال : أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين ، ثم قال : لا يتراءى ناراهما .

وقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد : حدثنا محمد بن داود بن سفيان ، أخبرني يحيى بن حسان ، أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود ، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب [ حدثني خبيب بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ] عن سمرة بن جندب : أما بعد ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله .

وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه ، من حديث حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الله بن هرمز ، عن محمد وسعيد ابني عبيد ، عن أبي حاتم المزني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض . قالوا : يا رسول الله ، وإن كان ؟ قال : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه - ثلاث مرات .

وأخرجه أبو داود والترمذي ، من حديث حاتم بن إسماعيل ، به بنحوه .

ثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن ابن وثيمة النصري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض .

ومعنى قوله تعالى : ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) أي : إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين ، وإلا وقعت الفتنة في الناس ، وهو التباس الأمر ، واختلاط المؤمن بالكافر ، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض .

الآية 74

لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا ، عطف بذكر ما لهم في الآخرة ، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان ، كما تقدم في أول السورة ، وأنه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوب إن كانت ، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف ، دائم مستمر أبدا لا ينقطع ولا ينقضي ، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه .

ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ) الآية [ التوبة : 100 ] ، وقال : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) [ الحشر : 10 ] وفي الحديث المتفق عليه ، بل المتواتر من طرق صحيحة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المرء مع من أحب ، وفي الحديث الآخر : من أحب قوما حشر معهم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن شريك ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن جرير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض ، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة . قال شريك : فحدثنا الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن هلال ، عن جرير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

تفرد به أحمد من هذين الوجهين .

الآية 75

وأما قوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) أي : في حكم الله ، وليس المراد بقوله : ( وأولوا الأرحام ) خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة ، بل يدلون بوارث ، كالخالة ، والخال ، والعمة ، وأولاد البنات ، وأولاد الأخوات ، ونحوهم ، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية ، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة ، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات . كما نص ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة وغير واحد : على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أو لا وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص . ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث ، قالوا : فلو كان ذا حق لكان له فرض في كتاب الله مسمى ، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثا ، والله أعلم .

آخر [ تفسير ] سورة " الأنفال " ، ولله الحمد والمنة ، وعليه [ الثقة و ] التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل .

الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة