تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير الطبري

تفسير الطبري — سورة هود

الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.

۞ قراءة النص
سورة هود · Hudالسورة 11 · الصفحة 1 · 123 مقطعاً

الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.

الآية 1

قوله تعالى‏{‏الر‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ {كتاب‏}‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏{‏أحكمت آياته‏}‏ بالأمر والنهي‏. {‏ثم فصلت‏}‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏{‏فصلت‏}‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏{‏فصلت‏}‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏{‏من لدن‏}‏ أي من عند‏‏}‏حكيم‏}‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏{‏خبير‏}‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ {‏إنني لكم منه‏}‏ أي من الله‏. {‏نذير‏}‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ {‏وبشير‏}‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ عطف على الأول‏.‏ {‏ثم توبوا إليه‏}‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏{‏ثم‏}‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏{‏آل عمران‏}‏ مستوفى‏.‏ وفي {‏البقرة‏}‏ عند قوله‏ {‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏}‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏{‏يمتعكم متاعا حسنا‏}‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏{‏إلى أجل مسمى‏}‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏{‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ {ويؤت كل ذي فضل فضله‏}‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته {‏فضله‏}‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏{‏فضله‏}‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏{‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏}‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏{تولوا‏}‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلى الله مرجعكم‏}‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏}‏وهو على كل شيء قدير‏}‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الآية 2

قوله تعالى‏{‏الر‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ {كتاب‏}‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏{‏أحكمت آياته‏}‏ بالأمر والنهي‏. {‏ثم فصلت‏}‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏{‏فصلت‏}‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏{‏فصلت‏}‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏{‏من لدن‏}‏ أي من عند‏‏}‏حكيم‏}‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏{‏خبير‏}‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ {‏إنني لكم منه‏}‏ أي من الله‏. {‏نذير‏}‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ {‏وبشير‏}‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ عطف على الأول‏.‏ {‏ثم توبوا إليه‏}‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏{‏ثم‏}‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏{‏آل عمران‏}‏ مستوفى‏.‏ وفي {‏البقرة‏}‏ عند قوله‏ {‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏}‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏{‏يمتعكم متاعا حسنا‏}‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏{‏إلى أجل مسمى‏}‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏{‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ {ويؤت كل ذي فضل فضله‏}‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته {‏فضله‏}‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏{‏فضله‏}‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏{‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏}‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏{تولوا‏}‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلى الله مرجعكم‏}‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏}‏وهو على كل شيء قدير‏}‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الآية 3

قوله تعالى‏{‏الر‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ {كتاب‏}‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏{‏أحكمت آياته‏}‏ بالأمر والنهي‏. {‏ثم فصلت‏}‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏{‏فصلت‏}‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏{‏فصلت‏}‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏{‏من لدن‏}‏ أي من عند‏‏}‏حكيم‏}‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏{‏خبير‏}‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ {‏إنني لكم منه‏}‏ أي من الله‏. {‏نذير‏}‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ {‏وبشير‏}‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ عطف على الأول‏.‏ {‏ثم توبوا إليه‏}‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏{‏ثم‏}‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏{‏آل عمران‏}‏ مستوفى‏.‏ وفي {‏البقرة‏}‏ عند قوله‏ {‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏}‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏{‏يمتعكم متاعا حسنا‏}‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏{‏إلى أجل مسمى‏}‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏{‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ {ويؤت كل ذي فضل فضله‏}‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته {‏فضله‏}‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏{‏فضله‏}‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏{‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏}‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏{تولوا‏}‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلى الله مرجعكم‏}‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏}‏وهو على كل شيء قدير‏}‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الآية 4

قوله تعالى‏{‏الر‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ {كتاب‏}‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏{‏أحكمت آياته‏}‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏{‏أحكمت آياته‏}‏ بالأمر والنهي‏. {‏ثم فصلت‏}‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏{‏فصلت‏}‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏{‏فصلت‏}‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏{‏من لدن‏}‏ أي من عند‏‏}‏حكيم‏}‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏{‏خبير‏}‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ {‏إنني لكم منه‏}‏ أي من الله‏. {‏نذير‏}‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ {‏وبشير‏}‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ عطف على الأول‏.‏ {‏ثم توبوا إليه‏}‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏{‏ثم‏}‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏{‏آل عمران‏}‏ مستوفى‏.‏ وفي {‏البقرة‏}‏ عند قوله‏ {‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏}‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏{‏يمتعكم متاعا حسنا‏}‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏{‏إلى أجل مسمى‏}‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏{‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ {ويؤت كل ذي فضل فضله‏}‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته {‏فضله‏}‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏{‏فضله‏}‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏{‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏}‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏{تولوا‏}‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلى الله مرجعكم‏}‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏}‏وهو على كل شيء قدير‏}‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الآية 5

قوله تعالى ‏{‏ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه‏}‏ أخبر عن معاداة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويظنون أنه تخفي على الله أحوالهم‏. {‏يثنون صدورهم‏}‏ أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، قال ابن عباس‏:‏ يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة ويظهرون خلافه‏.‏ نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء‏.‏ وقال مجاهد ‏{‏يثنون صدورهم‏}‏ شكا وامتراء‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يثنونها على ما فيها من الكفر وقيل نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه، لكيلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان؛ حكي معناه عن عبد الله بن شداد فالهاء في {‏منه‏}‏ تعود على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا‏؟‏ فنزلت الآية‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوما من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبين الله تعالى أن التنسك ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل‏.‏ وروى ابن جرير عن محمد ابن عباد بن جعفر قال‏:‏ سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول‏ {‏ألا أنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه‏}‏ قال‏:‏ كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يفضون إلى السماء، فنزلت هذه الآية‏.‏ وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس {ألا إنهم تثنوي صدورهم‏}‏ بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي؛ ومعنى {‏تثنوي‏}‏ والقراءتين الأخريين متقارب؛ لأنها لا تثنوي حتى يثنوها‏.‏ وقيل‏:‏ كان بعضهم ينحني على بعض يسارُّه في الطعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفي على الله تعالى‏ {ليستخفوا} أي ليتواروا عنه؛ أي عن محمد أو عن الله‏.‏ {‏ألا حين يستغشون ثيابهم‏}‏ أي يغطون رؤوسهم بثيابهم‏.‏ قال قتادة‏:‏ أخفى ما يكون العبد إذا حنى ظهره، واستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه همه‏.

الآية 6

قوله تعالى‏{‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏}‏ ‏}‏ما‏}‏ نفي و‏}‏من‏}‏ زائدة و‏}‏دابة‏}‏ في موضع رفع؛ التقدير‏:‏ وما دابة‏.‏ ‏}‏إلا على الله رزقها‏}‏ ‏}‏على‏}‏ بمعنى ‏}‏من‏}‏، أي من الله رزقها؛ يدل عليه قول، مجاهد‏:‏ كل ما جاءها من رزق فمن الله‏.‏ وقيل‏{‏على الله‏}‏ أي فضلا لا وجوبا‏.‏ وقيل‏:‏ وعدا منه حقا‏.‏ وقد تقدم بيان هذا المعنى في ‏}‏النساء‏}‏ وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء‏.‏ ‏}‏رزقها‏}‏ رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة؛ وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوصي؛ لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق‏.‏ وقيل‏:‏ هي عامة في كل دابة‏:‏ وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها؛ ووجه النظم به قبل‏:‏ أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم‏؟‏ ‏!‏ والدابة كل حيوان يدب‏.‏ والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده‏.‏ ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك؛ لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها؛ وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال‏:‏ إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل‏.‏ وقال تعالى‏{‏وفي السماء رزقكم‏}‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ وليس لنا في السماء ملك؛ ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه‏.‏ وقد تقدم في ‏}‏البقرة‏}‏ هذا المعنى والحمد لله‏.‏ وقيل لبعضهم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ وقال‏:‏ الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق‏.‏ وقيل لأبي أسيد‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ سبحانه الله والله أكبر‏!‏ إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد‏!‏‏.‏ وقيل لحاتم الأصم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ من عند الله؛ فقيل له‏:‏ الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء‏؟‏ فقال‏:‏ كأن ماله إلا السماء‏!‏ يا هذا الأرض له والسماء له؛ فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض؛ وأنشد‏:‏ وكيف أخاف الفقر والله رازقي ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل بالأرزاق للخلق كلهم وللضب في البيداء والحوت في البحر وذكر الترمذي الحكيم في ‏}‏نوادر الأصول‏}‏ بإسناده عن زيد بن أسلم‏:‏ أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية ‏}‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين‏}‏ فقال الرجل‏:‏ ما الأشعريون بأهون الدواب على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأصحابه‏:‏ أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده؛ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينها مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته؛ فقالوا للرجلين‏:‏ اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به؛ قال‏:‏ ‏(‏ما أرسلت إليكم طعاما‏)‏ فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذلك شيء رزقكموه الله‏)‏‏.‏ قوله تعالى‏{‏ويعلم مستقرها‏}‏ أي من الأرض حيث تأوي إليه‏.‏ ‏}‏ومستودعها‏}‏ أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏{‏مستقرها‏}‏ أيام حياتها‏.‏ ‏}‏ومستودعها‏}‏ حيث تموت وحيث تبعث‏.‏ وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس‏{‏مستقرها‏}‏ في الرحم ‏}‏ومستودعها‏}‏ في الصلب‏.‏ وقيل‏{‏يعلم مستقرها‏}‏ في الجنة أو النار‏.‏ ‏}‏ومستودعها‏}‏ في القبر؛ يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار‏{‏حسنت مستقرا ومقاما‏}‏الفرقان‏:‏ 76‏]‏ ‏}‏ساءت مستقرا ومقاما‏}‏الفرقان‏:‏ 66‏]‏‏.‏ ‏}‏كل في كتاب مبين‏}‏ أي في اللوح المحفوظ‏.

الآية 7

قوله تعالى ‏{‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏}‏ ‏{‏ما‏}‏ نفي و{‏من‏}‏ زائدة و{‏دابة‏}‏ في موضع رفع؛ التقدير‏:‏ وما دابة‏.‏ ‏{‏إلا على الله رزقها‏}‏ ‏}‏ {على} بمعنى‏ {من‏}‏، أي من الله رزقها؛ يدل عليه قول، مجاهد‏:‏ كل ما جاءها من رزق فمن الله‏.‏ وقيل‏{‏على الله‏}‏ أي فضلا لا وجوبا‏.‏ وقيل‏:‏ وعدا منه حقا‏.‏ وقد تقدم بيان هذا المعنى في {‏النساء‏}‏ وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء‏.‏ ‏{‏رزقها‏}‏ رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة؛ وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص؛ لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق‏.‏ وقيل‏:‏ هي عامة في كل دابة‏:‏ وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها؛ ووجه النظم بما قبل‏:‏ أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم‏؟‏!‏ والدابة كل حيوان يدب‏.‏ والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده‏.‏ ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك؛ لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها؛ وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال‏:‏ إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل‏.‏ وقال تعالى‏ {‏وفي السماء رزقكم‏} {‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ وليس لنا في السماء ملك؛ ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه‏.‏ وقد تقدم في ‏{‏البقرة‏}‏ هذا المعنى والحمد لله‏.‏ وقيل لبعضهم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق‏.‏ وقيل لأبي أسيد‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ سبحانه الله والله أكبر‏!‏ إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد‏!‏‏.‏ وقيل لحاتم الأصم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ من عند الله؛ فقيل له‏:‏ الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء‏؟‏ فقال‏:‏ كأن ماله إلا السماء‏!‏ يا هذا الأرض له والسماء له؛ فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض؛ وأنشد‏:‏ وكيف أخاف الفقر والله رازقي ** ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ** وللضب في البيداء والحوت في البحر وذكر الترمذي الحكيم في ‏{‏نوادر الأصول‏}‏ بإسناده عن زيد بن أسلم‏:‏ أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية {‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين‏}‏ فقال الرجل‏:‏ ما الأشعريون بأهون الدواب على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأصحابه‏:‏ أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده؛ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته؛ فقالوا للرجلين‏:‏ اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به؛ قال‏:‏ ‏(‏ما أرسلت إليكم طعاما‏)‏ فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذلك شيء رزقكموه الله‏)‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏ويعلم مستقرها‏}‏ أي من الأرض حيث تأوي إليه‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏{‏مستقرها‏}‏ أيام حياتها‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ حيث تموت وحيث تبعث‏.‏ وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس‏{‏مستقرها‏}‏ في الرحم ‏{‏ومستودعها‏}‏ في الصلب‏.‏ وقيل‏ {‏يعلم مستقرها‏}‏ في الجنة أو النار‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ في القبر؛ يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار‏{‏حسنت مستقرا ومقاما‏}‏ [لفرقان‏:‏ 76‏]‏ {‏ساءت مستقرا ومقاما‏}‏الفرقان‏:‏ 66‏]‏‏ {‏كل في كتاب مبين‏}‏ أي في اللوح المحفوظ‏.

الآية 8

قوله تعالى ‏{‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏}‏ ‏{‏ما‏}‏ نفي و{‏من‏}‏ زائدة و{‏دابة‏}‏ في موضع رفع؛ التقدير‏:‏ وما دابة‏.‏ ‏{‏إلا على الله رزقها‏}‏ ‏{على} بمعنى‏ {من‏}‏، أي من الله رزقها؛ يدل عليه قول، مجاهد‏:‏ كل ما جاءها من رزق فمن الله‏.‏ وقيل‏{‏على الله‏}‏ أي فضلا لا وجوبا‏.‏ وقيل‏:‏ وعدا منه حقا‏.‏ وقد تقدم بيان هذا المعنى في {‏النساء‏}‏ وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء‏.‏ ‏{‏رزقها‏}‏ رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة؛ وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص؛ لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق‏.‏ وقيل‏:‏ هي عامة في كل دابة‏:‏ وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها؛ ووجه النظم بما قبل‏:‏ أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم‏؟‏!‏ والدابة كل حيوان يدب‏.‏ والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده‏.‏ ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك؛ لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها؛ وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال‏:‏ إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل‏.‏ وقال تعالى‏ {‏وفي السماء رزقكم‏} {‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ وليس لنا في السماء ملك؛ ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه‏.‏ وقد تقدم في ‏{‏البقرة‏}‏ هذا المعنى والحمد لله‏.‏ وقيل لبعضهم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق‏.‏ وقيل لأبي أسيد‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ سبحانه الله والله أكبر‏!‏ إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد‏!‏‏.‏ وقيل لحاتم الأصم‏:‏ من أين تأكل‏؟‏ فقال‏:‏ من عند الله؛ فقيل له‏:‏ الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء‏؟‏ فقال‏:‏ كأن ماله إلا السماء‏!‏ يا هذا الأرض له والسماء له؛ فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض؛ وأنشد‏:‏ وكيف أخاف الفقر والله رازقي ** ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ** وللضب في البيداء والحوت في البحر وذكر الترمذي الحكيم في ‏{‏نوادر الأصول‏}‏ بإسناده عن زيد بن أسلم‏:‏ أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية {‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين‏}‏ فقال الرجل‏:‏ ما الأشعريون بأهون الدواب على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأصحابه‏:‏ أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده؛ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته؛ فقالوا للرجلين‏:‏ اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به؛ قال‏:‏ ‏[‏ما أرسلت إليكم طعاما‏]‏ فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ [‏ذلك شيء رزقكموه الله‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏{‏ويعلم مستقرها‏}‏ أي من الأرض حيث تأوي إليه‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏{‏مستقرها‏}‏ أيام حياتها‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ حيث تموت وحيث تبعث‏.‏ وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس‏{‏مستقرها‏}‏ في الرحم ‏{‏ومستودعها‏}‏ في الصلب‏.‏ وقيل‏ {‏يعلم مستقرها‏}‏ في الجنة أو النار‏.‏ ‏{‏ومستودعها‏}‏ في القبر؛ يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار‏{‏حسنت مستقرا ومقاما‏}‏ [لفرقان‏:‏ 76‏]‏ {‏ساءت مستقرا ومقاما‏}‏الفرقان‏:‏ 66‏]‏‏ {‏كل في كتاب مبين‏}‏ أي في اللوح المحفوظ‏.

الآية 9

قوله تعالى‏{‏ولئن أذقنا الإنسان‏}‏ الإنسان اسم شائع للجنس في جميع الكفار‏.‏ ويقال‏:‏ إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت‏.‏ وقيل‏:‏ في عبدالله بن أبي أمية المخزومي‏.‏ ‏{‏رحمة‏}‏ أي نعمة‏.‏ ‏{‏ثم نزعناها منه‏}‏ أي سلبناه إياها‏.‏ ‏{‏إنه ليؤوس‏}‏ أي يائس من الرحمة‏.‏ ‏{‏كفور‏}‏ للنعم جاحد لها؛ قال ابن الأعرابي‏.‏ النحاس‏ {‏ليؤوس‏}‏ من يئس ييأس، وحكى سيبويه يئس ييأس على فعل يفعل، ونظيره حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييأس؛ وبعضهم يقول‏:‏ يئس ييأس؛ ولا يعرف في الكلام ‏[‏العربي‏]‏ إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت‏ على فعل يفعل؛ وفي واحد منها اختلاف‏.‏ وهو يئس و‏{‏يؤوس‏}‏ على التكثير كفخور للمبالغة‏.‏ قوله تعالى‏{‏ولئن أذقناه نعماء‏}‏ أي صحة ورخاء وسعة في الرزق‏.‏ {‏بعد ضراء مسته‏}‏ أي بعد ضر وفقر وشدة‏.‏ {‏ليقولن ذهب السيئات عني‏}‏ أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضر والفقر‏.‏ {‏إنه لفرح فخور‏}‏ أي يفرح ويفخر بما ناله من السعة وينسى شكر الله عليه؛ يقال‏:‏ رجل فاخر إذا افتخر - وفخور للمبالغة - قال يعقوب القارئ‏:‏ وقرأ بعض أهل المدينة ‏(‏لفرح‏)‏ بضم الراء كما يقال‏:‏ رجل فطن وحذر وندس‏.‏ ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل الضمة والكسرة‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات‏}‏ يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد‏.‏ وهو في موضع نصب‏.‏ قال الأخفش‏:‏ هو استثناء ليس من الأول؛ أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة‏.‏ وقال، الفراء‏:‏ هو استثناء من ‏{‏ولئن أذقناه‏}‏ أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو استثناء متصل وهو حسن‏.‏ {‏أولئك لهم مغفرة‏}‏ ابتداء وخبر ‏{‏وأجر‏}‏ معطوف‏.‏ {‏كبير‏}‏ صفة‏.

الآية 10

قوله تعالى‏{‏ولئن أذقنا الإنسان‏}‏ الإنسان اسم شائع للجنس في جميع الكفار‏.‏ ويقال‏:‏ إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت‏.‏ وقيل‏:‏ في عبدالله بن أبي أمية المخزومي‏.‏ ‏{‏رحمة‏}‏ أي نعمة‏.‏ ‏{‏ثم نزعناها منه‏}‏ أي سلبناه إياها‏.‏ ‏{‏إنه ليؤوس‏}‏ أي يائس من الرحمة‏.‏ ‏{‏كفور‏}‏ للنعم جاحد لها؛ قال ابن الأعرابي‏.‏ النحاس‏ {‏ليؤوس‏}‏ من يئس ييأس، وحكى سيبويه يئس ييأس على فعل يفعل، ونظيره حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييأس؛ وبعضهم يقول‏:‏ يئس ييأس؛ ولا يعرف في الكلام ‏[‏العربي‏]‏ إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت‏ على فعل يفعل؛ وفي واحد منها اختلاف‏.‏ وهو يئس و‏{‏يؤوس‏}‏ على التكثير كفخور للمبالغة‏.‏ قوله تعالى‏{‏ولئن أذقناه نعماء‏}‏ أي صحة ورخاء وسعة في الرزق‏.‏ {‏بعد ضراء مسته‏}‏ أي بعد ضر وفقر وشدة‏.‏ {‏ليقولن ذهب السيئات عني‏}‏ أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضر والفقر‏.‏ {‏إنه لفرح فخور‏}‏ أي يفرح ويفخر بما ناله من السعة وينسى شكر الله عليه؛ يقال‏:‏ رجل فاخر إذا افتخر - وفخور للمبالغة - قال يعقوب القارئ‏:‏ وقرأ بعض أهل المدينة ‏(‏لفرح‏)‏ بضم الراء كما يقال‏:‏ رجل فطن وحذر وندس‏.‏ ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل الضمة والكسرة‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات‏}‏ يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد‏.‏ وهو في موضع نصب‏.‏ قال الأخفش‏:‏ هو استثناء ليس من الأول؛ أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة‏.‏ وقال، الفراء‏:‏ هو استثناء من ‏{‏ولئن أذقناه‏}‏ أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو استثناء متصل وهو حسن‏.‏ {‏أولئك لهم مغفرة‏}‏ ابتداء وخبر ‏{‏وأجر‏}‏ معطوف‏.‏ {‏كبير‏}‏ صفة‏.

الآية 11

قوله تعالى‏{‏ولئن أذقنا الإنسان‏}‏ الإنسان اسم شائع للجنس في جميع الكفار‏.‏ ويقال‏:‏ إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت‏.‏ وقيل‏:‏ في عبدالله بن أبي أمية المخزومي‏.‏ ‏{‏رحمة‏}‏ أي نعمة‏.‏ ‏{‏ثم نزعناها منه‏}‏ أي سلبناه إياها‏.‏ ‏{‏إنه ليؤوس‏}‏ أي يائس من الرحمة‏.‏ ‏{‏كفور‏}‏ للنعم جاحد لها؛ قال ابن الأعرابي‏.‏ النحاس‏ {‏ليؤوس‏}‏ من يئس ييأس، وحكى سيبويه يئس ييأس على فعل يفعل، ونظيره حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييأس؛ وبعضهم يقول‏:‏ يئس ييأس؛ ولا يعرف في الكلام ‏[‏العربي‏]‏ إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت‏ على فعل يفعل؛ وفي واحد منها اختلاف‏.‏ وهو يئس و‏{‏يؤوس‏}‏ على التكثير كفخور للمبالغة‏.‏ قوله تعالى‏{‏ولئن أذقناه نعماء‏}‏ أي صحة ورخاء وسعة في الرزق‏.‏ {‏بعد ضراء مسته‏}‏ أي بعد ضر وفقر وشدة‏.‏ {‏ليقولن ذهب السيئات عني‏}‏ أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضر والفقر‏.‏ {‏إنه لفرح فخور‏}‏ أي يفرح ويفخر بما ناله من السعة وينسى شكر الله عليه؛ يقال‏:‏ رجل فاخر إذا افتخر - وفخور للمبالغة - قال يعقوب القارئ‏:‏ وقرأ بعض أهل المدينة ‏(‏لفرح‏)‏ بضم الراء كما يقال‏:‏ رجل فطن وحذر وندس‏.‏ ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل الضمة والكسرة‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات‏}‏ يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد‏.‏ وهو في موضع نصب‏.‏ قال الأخفش‏:‏ هو استثناء ليس من الأول؛ أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة‏.‏ وقال، الفراء‏:‏ هو استثناء من ‏{‏ولئن أذقناه‏}‏ أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو استثناء متصل وهو حسن‏.‏ {‏أولئك لهم مغفرة‏}‏ ابتداء وخبر ‏{‏وأجر‏}‏ معطوف‏.‏ {‏كبير‏}‏ صفة‏.

الآية 12

قوله تعالى‏{‏فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك‏}‏ أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم لما قالوا ‏{‏لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏}‏ هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذه الآية؛ فالكلام معناه الاستفهام؛ أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك‏؟‏ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ؛ كقوله ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ [المائدة‏:‏ 67‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الكلام النفي مع استبعاد؛ أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم؛ فنزلت‏.‏ ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ عطف على {‏تارك‏}‏ و‏{‏صدرك‏}‏ مرفوع به، والهاء في {‏به‏}‏ تعود على ‏{‏ما‏}‏ أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب‏.‏ وقال‏{‏ضائق‏}‏ ولم يقل ضيق ليشاكل {‏تارك‏}‏ الذي قبله؛ ولأن الضائق عارض، والضيق ألزم منه‏.‏ ‏{‏أن يقولوا‏}‏ في موضع نصب؛ أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا يقولوا كقوله‏ {‏يبين الله لكم أن تضلوا‏} [‏النساء‏:‏ 176‏]‏ أي لئلا تضلوا‏.‏ أو لأن يقولوا‏.‏ {‏لولا‏}‏ أي هلا {‏أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏}‏ يصدقه؛ قاله عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي؛ ‏}‏إنما أنت نذير‏}‏ فقال الله تعالى‏:‏ يا محمد إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات‏.‏ {‏والله على كل شيء وكيل‏}‏ أي حافظ وشهيد‏.‏ قوله تعالى‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ {‏أم‏}‏ بمعنى بل، وقد تقدم في ‏{‏يونس‏}‏ أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم به؛ فإن قالوا‏:‏ افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم‏.‏ {‏وادعوا من استطعتم من دون الله‏}‏ أي من الكهنة والأعوان‏.

الآية 13

قوله تعالى‏{‏فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك‏}‏ أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم لما قالوا ‏{‏لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏}‏ هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذه الآية؛ فالكلام معناه الاستفهام؛ أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك‏؟‏ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ؛ كقوله ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ [المائدة‏:‏ 67‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الكلام النفي مع استبعاد؛ أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم؛ فنزلت‏.‏ ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ عطف على {‏تارك‏}‏ و‏{‏صدرك‏}‏ مرفوع به، والهاء في {‏به‏}‏ تعود على ‏{‏ما‏}‏ أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب‏.‏ وقال‏{‏ضائق‏}‏ ولم يقل ضيق ليشاكل {‏تارك‏}‏ الذي قبله؛ ولأن الضائق عارض، والضيق ألزم منه‏.‏ ‏{‏أن يقولوا‏}‏ في موضع نصب؛ أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا يقولوا كقوله‏ {‏يبين الله لكم أن تضلوا‏} [‏النساء‏:‏ 176‏]‏ أي لئلا تضلوا‏.‏ أو لأن يقولوا‏.‏ {‏لولا‏}‏ أي هلا {‏أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏}‏ يصدقه؛ قاله عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي؛ ‏}‏إنما أنت نذير‏}‏ فقال الله تعالى‏:‏ يا محمد إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات‏.‏ {‏والله على كل شيء وكيل‏}‏ أي حافظ وشهيد‏.‏ قوله تعالى‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ {‏أم‏}‏ بمعنى بل، وقد تقدم في ‏{‏يونس‏}‏ أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم به؛ فإن قالوا‏:‏ افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم‏.‏ {‏وادعوا من استطعتم من دون الله‏}‏ أي من الكهنة والأعوان‏.

الآية 14

قوله تعالى ‏{‏فإلم يستجيبوا لكم‏}‏ ‏ أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة؛ إذ هم اللسن البلغاء، وأصحاب الألسن الفصحاء‏.‏ ‏{فاعلموا أنما أنزل بعلم الله‏}‏ واعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ‏{و} اعلموا {‏أن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون‏}‏ استفهام معناه الأمر‏.‏ وقد تقدم القول في معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب‏.‏ والحمد لله‏.‏ وقال‏ {‏قل فأتوا‏}‏ وبعده‏.‏ {‏فإن لم يستجيبوا لكم‏}‏ ولم يقل لك؛ فقيل‏:‏ هو على تحويل المخاطبة من الإفراد، إلى الجمع تعظيما وتفخيما؛ وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في {‏لكم‏}‏ وفي {‏فاعلموا‏}‏ للجميع، أي فليعلم الجميع {‏أنما أنزل بعلم الله‏}‏؛ قاله مجاهد‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏لكم‏}‏ وفي ‏{‏فاعلموا‏}‏ للمشركين؛ والمعنى‏:‏ فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة؛ ولا تهيأت لكم المعارضة‏ {‏فاعلموا أنما أنزل بعلم الله‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏لكم‏}‏ للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفي ‏{‏فاعلموا‏}‏ للمشركين‏.

الآية 15

فيه ثلاث مسائل الأولى: قوله تعالى ‏{‏من كان‏}‏ كان زائدة، ولهذا جزم بالجواب فقال‏ {‏نوف إليهم‏}‏ قاله الفراء‏.‏ وقال الزجاج‏ {‏من كان‏}‏ في موضع جزم بالشرط، وجوابه ‏{‏نوف إليهم‏}‏ أي من يكن يريد؛ والأول في اللفظ ماضي والثاني مستقبل، كما قال زهير‏:‏ ومن هاب أسباب المنية يلقها ** ولو رام أسباب السماء بسلم واختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل‏:‏ نزلت في الكفار؛ قال الضحاك، واختاره النحاس؛ بدليل الآية التي بعدها {الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار‏}‏ [هود‏:‏ 16‏]‏ أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة له في الآخرة‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في {‏براءة‏}‏ مستوفى‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالآية المؤمنون؛ أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات‏)‏ فالعبد إنما يعطي على وجه قصده، وبحكم ضميره؛ وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة‏.‏ وقيل‏:‏ هو لأهل الرياء؛ وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء‏:‏ ‏[صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار‏)‏‏.‏ رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديدا وقال‏:‏ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، {‏من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها‏}‏ وقرأ الآيتين، خرجه مسلم ‏[‏في صحيحه‏]‏ بمعناه والترمذي أيضا‏.‏ وقيل‏:‏ الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن؛ قال مجاهد وميمون بن مهران، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى‏.‏ وقال ميمون بن مهران‏:‏ ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها؛ فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفي في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ من كان يريد ‏[‏الدنيا‏]‏ بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وفِّيْهَا، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها؛ وهذا خصوص والصحيح العموم‏.‏ الثانية: قال بعض العلماء‏:‏ معنى هذه الآية قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات‏)‏ وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه‏.‏ الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة؛ وكذلك الآية التي في ‏{‏الشورى‏}‏ ‏}‏من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها‏} [‏الشورى‏:‏ 20‏]‏ الآية‏.‏ وكذلك ‏{‏ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها‏} [‏آل عمران‏:‏ 145‏]‏ قيدها وفسرها التي في ‏(سبحان‏) {‏من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد‏}‏ الإسراء‏:‏ 18‏]‏ إلى قوله‏{‏محظورا‏}‏ [الإسراء‏:‏ 20‏]‏ فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏‏في قوله ‏{‏من كان يريد الحياة الدنيا‏}‏ أنها منسوخة بقوله ‏{‏من كان يريد العاجلة‏}‏‏‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 18‏]‏‏.‏ والصحيح ما ذكرناه؛ وأنه من باب الإطلاق والتقييد؛ ومثله قوله ‏{‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان‏} [‏البقرة‏:‏ 186‏]‏ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك؛ لقوله تعالى‏ {‏فيكشف ما تدعون إليه إن شاء‏} [‏الأنعام‏:‏ 41‏]‏ والنسخ في الأخبار لا يجوز؛ لاستحالة تبدل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى فأما الإخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو مذكور في الأصول؛ ويأتي في ‏{‏النحل‏}‏ بيانه إن شاء الله تعالى‏.

الآية 16

قوله تعالى ‏{‏أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار‏}‏ إشارة إلى التخليد، والمؤمن لا يخلد؛ لقوله تعالى ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك‏} [‏النساء‏:‏ 48‏]‏ الآية‏.‏ فهو محمول على ما لو كانت‏.‏ موافاة هذا المرئي على الكفر‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة‏.‏ والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان؛ وفي الحديث الماضي يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك على ما تقدم بيانه في {‏النساء‏}‏ ويأتي في آخر (‏الكهف‏)‏‏.‏ {‏وباطل ما كانوا يعملون} ابتداء وخبر، قال أبو حاتم‏:‏ وحذف الهاء؛ قال النحاس‏:‏ هذا لا يحتاج إلى حذف؛ لأنه بمعنى المصدر؛ أي وباطل عمله‏.‏ وفي حرف أبي وعبد الله {‏وباطلا ما كانوا يعملون‏}‏ وتكون ‏{ما‏}‏ زائدة؛ أي وكانوا يعملون باطلا‏.‏

الآية 17

قوله تعالى‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏}‏ ابتداء والخبر محذوف؛ أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه من الفضل ما يتبين به، كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها‏؟‏‏!‏ عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن‏.‏ وكذلك قال ابن زيد إن الذي على بينة هو من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ من الله، وهو النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل المراد بقوله ‏{‏أفمن كان على بينة من ربه‏}‏ النبي صلى الله عليه وسلم والكلام راجع إلى قوله ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ [هود‏:‏ 12‏] أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل - على ما يأتي - وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يسلمه‏.‏ والهاء في ‏{‏ربه‏}‏ تعود عليه، وقوله ‏{‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ وروى عكرمة عن ابن عباس ‏(‏أنه جبريل‏)‏؛ وهو قول مجاهد والنخعي‏.‏ والهاء في ‏{‏منه‏}‏ لله عز وجل؛ أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عز وجل‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الشاهد ملك من الله عز وجل يحفظه ويسدده‏.‏ وقال الحسن البصري وقتادة‏:‏ الشاهد لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال محمد بن علي بن الحنفية‏:‏ قلت لأبي أنت الشاهد‏؟‏ فقال‏:‏ وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ هو علي بن أبي طالب؛ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ‏(‏هو علي بن أبي طالب‏)‏؛ وروي عن علي أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان؛ فقال له رجل‏:‏ أي شيء نزل فيك‏؟‏ فقال علي‏{‏ويتلوه شاهد منه‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ الشاهد صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله؛ لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالهاء على هذا ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، على قول ابن زيد وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد؛ قال الحسين بن الفضل، فالهاء في ‏{منه‏}‏ للقرآن‏.‏ وقال الفراء قال بعضهم ‏{‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق؛ والهاء في ‏{منه‏}‏ لله عز وجل‏.‏ وقيل‏:‏ البينة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره‏.‏ ‏{‏ومن قبله‏}‏ أي من قبل الإنجيل‏ {‏كتاب موسى‏}‏ رفع بالابتداء، قال أبو إسحاق الزجاج والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف في كتاب موسى ‏{‏يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل‏}‏ [الأعراف‏:‏ 157‏]‏ وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ ‏{‏ومن قبله كتاب موسى‏}‏ بالنصب؛ وحكاها المهدوي عن الكلبي؛ يكون معطوفا على الهاء في ‏{‏يتلوه‏}‏ والمعنى‏:‏ ويتلو كتاب موسى جبريل عليه السلام؛ وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ المعنى من قبله ‏(‏تلا جبريل كتاب موسى على موسى‏)‏‏.‏ ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضا من هذا القول أن يرفع ‏{‏كتاب‏}‏ على أن يكون المعنى‏:‏ ومن قبله كتاب موسى كذلك؛ أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد‏.‏ {‏إماما‏}‏ نصب على الحال‏.‏ ‏{‏ورحمة‏}‏ معطوف‏.‏ ‏{أولئك يؤمنون به‏}‏ إشارة إلى بني إسرائيل، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك؛ وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار؛ حكاه القشيري‏.‏ والهاء في ‏{به‏}‏ يجوز أن تكون للقرآن، ويجوز أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏ومن يكفر به‏}‏ أي بالقرآن أو بالنبي عليه السلام‏.‏ ‏{من الأحزاب‏}‏ يعني من الملل كلها؛ عن قتادة؛ وكذا قال سعيد بن جبير‏{‏الأحزاب‏}‏ أهل الأديان كلها؛ لأنهم يتحازبون‏.‏ وقيل‏:‏ قريش وحلفاؤهم‏.‏ {‏فالنار موعده‏}‏ أي هو من أهل النار؛ وأنشد حسان‏:‏ أوردتموها حياض الموت ضاحية ** فالنار موعدها والموت لاقيها وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار‏)‏‏.‏ {‏فلا تكن في مرية‏}‏ أي في شك‏.‏‏ قوله تعالى ‏{‏منه‏}‏ أي من القرآن‏.‏ ‏{إنه الحق من ربك‏}‏ أي القرآن من الله؛ قاله مقاتل‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار‏.‏ ‏{‏إنه الحق‏}‏ أي القول الحق الكائن؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد جميع المكلفين‏.

الآية 18

قوله تعالى ‏{‏ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا‏}‏ أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا؛ فأضافوا كلامه إلى غيره؛ وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏.‏ {‏أولئك يعرضون على ربهم‏}‏ أي يحاسبهم على أعمالهم ‏{ويقول الأشهاد‏}‏ يعني الملائكة الحفظة؛ عن مجاهد وغيره؛ وقال سفيان‏:‏ سألت الأعمش عن ‏(‏الأشهاد‏)‏ فقال‏:‏ الملائكة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا‏}‏ [النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا الرسالات‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عن الخلائق أجمع‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن محرز عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال‏:‏ ‏(‏وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله‏)‏‏.‏ ‏{‏ألا لعنة الله على الظالمين‏}‏ أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها‏.‏‏ قوله تعالى‏{‏الذين يصدون عن سبيل الله‏}‏ يجوز أن تكون {‏الذين‏}‏ في موضع خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي هم الذين‏.‏ وقيل‏:‏ هو ابتداء خطاب من الله تعالى؛ أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة‏.‏ {‏ويبغونها عوجا‏}‏ أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك‏.‏ {‏وهم بالآخرة هم كافرون‏}‏ أعاد لفظ ‏{‏هم‏}‏ تأكيدا‏.‏

الآية 19

قوله تعالى ‏{‏ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا‏}‏ أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا؛ فأضافوا كلامه إلى غيره؛ وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏.‏ {‏أولئك يعرضون على ربهم‏}‏ أي يحاسبهم على أعمالهم ‏{ويقول الأشهاد‏}‏ يعني الملائكة الحفظة؛ عن مجاهد وغيره؛ وقال سفيان‏:‏ سألت الأعمش عن ‏(‏الأشهاد‏)‏ فقال‏:‏ الملائكة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله‏ {‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا‏}‏ [النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا الرسالات‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عن الخلائق أجمع‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن محرز عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال‏:‏ ‏(‏وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله‏)‏‏.‏ ‏{‏ألا لعنة الله على الظالمين‏}‏ أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها‏.‏‏ قوله تعالى‏{‏الذين يصدون عن سبيل الله‏}‏ يجوز أن تكون {‏الذين‏}‏ في موضع خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي هم الذين‏.‏ وقيل‏:‏ هو ابتداء خطاب من الله تعالى؛ أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة‏.‏ {‏ويبغونها عوجا‏}‏ أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك‏.‏ {‏وهم بالآخرة هم كافرون‏}‏ أعاد لفظ ‏{‏هم‏}‏ تأكيدا‏.‏

الآية 20

قوله تعالى ‏{‏أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض‏}‏ أي فائتين من عذاب الله‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم‏.‏ {‏وما كان لهم من دون الله من أولياء‏}‏ يعني أنصارا، و‏{‏من‏}‏ زائدة‏.‏ وقيل‏ {‏ما‏}‏ بمعنى الذي تقديره‏:‏ أولئك لم يكونوا معجزين، لا هم ولا الذين كانوا لهم أولياء من دون الله؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ ‏{‏يضاعف لهم العذاب‏}‏ أي على قدر كفرهم ومعاصيهم‏.‏ ‏{ما كانوا يستطيعون السمع‏}،‏ ‏{‏ما‏}‏ في موضع نصب على أن يكون المعنى‏:‏ بما كانوا يستطيعون السمع‏.‏ ‏{‏وما كانوا يبصرون‏}‏ ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره‏.‏ والعرب تقول‏:‏ جزيته ما فعل وبما فعل؛ فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى؛ وأنشد سيبويه‏:‏ أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ** فقد تركتك ذا مال وذا نشب ويجوز أن تكون ‏{‏ما‏}‏ ظرفا، والمعنى‏:‏ يضاعف لهم أبدا، أي وقت استطاعتهم السمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبدا‏.‏ ويجوز أن تكون ‏{‏ما‏}‏ نافية لا موضع لها؛ إذ الكلام قد تم قبلها، والوقف على العذاب كاف؛ والمعنى‏:‏ ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به، ولا أن يبصروا إبصار مهتد‏.‏ قال الفراء‏:‏ ما كانوا يستطيعون السمع؛ لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا عنه‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا معروف في كلام العرب؛ يقال‏:‏ فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه‏.‏

الآية 21

قوله تعالى ‏{‏أولئك الذين خسروا أنفسهم‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ {‏وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏ أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف‏.‏ ‏{لا جرم‏}‏ للعلماء فيها أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه ‏{‏لا جرم‏}‏ بمعنى حق، فـ ‏{‏لا‏}‏ و‏ {‏جرم‏}‏ عندهما كلمة واحدة، و‏{‏أن‏}‏ عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد؛ حكاه النحاس‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وعن الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا؛ ذكره الثعلبي‏.‏ وقال الزجاج‏ {‏لا‏}‏ ها هنا نفي وهو رد لقولهم‏:‏ إن الأصنام تنفعهم؛ كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كسب؛ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و‏{‏أن‏}‏ منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك؛ وقال الشاعر‏:‏ نصبنا رأسه في جذع نخل ** بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ معنى ‏{جرم‏}‏ لا صد ولا منع عن أنهم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله؛ والجرم القطع؛ وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، وقوم جرَّم وجرام وهذا زمن الجَرَام والجِرَام، وجرمت صوف الشاة أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه؛ مثل جلمت الشيء جلما أي قطعت، وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجلمته - ساكنة اللام - إذا أخذته أجمع، وهذه جلمة الجزور - بالتحريك - أي لحمها أجمع؛ قاله الجوهري‏.‏ قال النحاس‏:‏ وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات‏:‏ لا جرم، ولا عن ذا جرم؛ ولا أن ذا جرم، قال‏:‏ وناس من فزارة يقولون‏:‏ لا جر أنهم بغير ميم‏.‏ وحكى الفراء فيه لغتين أخريين قال‏:‏ بنو عامر يقولون لا ذا جرم، قال‏:‏ وناس من العرب‏.‏ يقولون‏:‏ لا جرم بضم الجيم‏.

الآية 22

قوله تعالى ‏{‏أولئك الذين خسروا أنفسهم‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ {‏وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏ أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف‏.‏ ‏{لا جرم‏}‏ للعلماء فيها أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه ‏{‏لا جرم‏}‏ بمعنى حق، فـ ‏{‏لا‏}‏ و‏ {‏جرم‏}‏ عندهما كلمة واحدة، و‏{‏أن‏}‏ عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد؛ حكاه النحاس‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وعن الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا؛ ذكره الثعلبي‏.‏ وقال الزجاج‏ {‏لا‏}‏ ها هنا نفي وهو رد لقولهم‏:‏ إن الأصنام تنفعهم؛ كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كسب؛ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و‏{‏أن‏}‏ منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك؛ وقال الشاعر‏:‏ نصبنا رأسه في جذع نخل ** بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ معنى ‏{جرم‏}‏ لا صد ولا منع عن أنهم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله؛ والجرم القطع؛ وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، وقوم جرَّم وجرام وهذا زمن الجَرَام والجِرَام، وجرمت صوف الشاة أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه؛ مثل جلمت الشيء جلما أي قطعت، وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجلمته - ساكنة اللام - إذا أخذته أجمع، وهذه جلمة الجزور - بالتحريك - أي لحمها أجمع؛ قاله الجوهري‏.‏ قال النحاس‏:‏ وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات‏:‏ لا جرم، ولا عن ذا جرم؛ ولا أن ذا جرم، قال‏:‏ وناس من فزارة يقولون‏:‏ لا جر أنهم بغير ميم‏.‏ وحكى الفراء فيه لغتين أخريين قال‏:‏ بنو عامر يقولون لا ذا جرم، قال‏:‏ وناس من العرب‏.‏ يقولون‏:‏ لا جرم بضم الجيم‏.

الآية 23

قوله تعالى‏ {‏إن الذين آمنوا‏}‏ {‏الذين‏}‏ اسم ‏{‏إن‏}‏ و‏{‏آمنوا‏}‏ صلة، أي صدقوا‏.‏ {‏وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم‏}‏ عطف على الصلة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏أخبتوا أنابوا‏)‏‏.‏ مجاهد‏:‏ أطاعوا‏.‏ قتادة‏:‏ خشعوا وخضعوا‏.‏ مقاتل‏:‏ أخلصوا‏.‏ الحسن‏:‏ الإخبات الخشوع للمخافة الثابتة في القلب، وأصل الإخبات الاستواء، من الخبت وهو الأرض المستوية الواسعة‏:‏ فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة إلى الله عز وجل المستمرة ذلك على استواء‏.‏ ‏{‏إلى ربهم‏}‏ قال الفراء‏:‏ إلى ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى‏:‏ وجهوا إخباتهم إلى ربهم‏.‏ ‏{‏أولئك‏}‏ خبر ‏{‏إن‏}‏‏.

الآية 24

قوله تعالى‏ {‏مثل الفريقين‏}‏ ابتداء، والخبر {‏كالأعمى‏}‏ وما بعده‏.‏ قال الأخفش‏:‏ أي كمثل الأعمى‏.‏ النحاس‏:‏ التقدير: مثل فريق الكافر كالأعمى والأصم، ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير؛ ولهذا قال ‏{‏هل يستويان‏}‏ فرد إلى الفريقين وهما اثنان روي معناه عن قتادة وغيره‏.‏ قال الضحاك‏:‏ الأعمى والأصم مثل للكافر، والسميع والبصير مثل للمؤمن‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى هل يستوي الأعمى والبصير، وهل يستوي الأصم والسميع‏.‏ ‏{‏مثلا‏}‏ منصوب على التمييز‏.‏ ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ في الوصفين وتنظرون‏.
الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة