سورة المؤمنون · Al-Muminunالسورة 23 · الصفحة 1 · 118 مقطعاً
الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
الآية 1
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 2
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 3
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 4
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 5
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 6
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 7
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 8
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 9
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 10
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 11
فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون } ""روى البيهقي من حديث أنس"" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون). و""روى النسائي عن عبدالله بن السائب"" قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : (اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا - ثم قال - أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى - من أقامهن - من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف{قد أفلح المؤمنون} بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول - البقرة - من الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. الثانية: قوله تعالى {خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية{الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في- البقرة - عند قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة-144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة-45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى يعبث بلحيته في الصلاة فقال : (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى ). ""رواه الترمذي"". وقال الشاعر : ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ** لأن بها الآراب لله تخضع وأول فرض من شريعة ديننا ** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمة ** وكان كعبد باب مولاه يقرع وصار لرب العرش حين صلاته ** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع و""روى أبو عمر أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل نعم. قالت : اقرؤوا؛ فقرئ عليها{قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون }. و""روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما"" قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس؛ قاله عبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال : هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى : ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث، كتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في - البقرة - معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن : إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال : هو الشرك؛ وقول من قال هو الغناء؛ كما ""روى مالك بن أنس"" عن محمد بن المنكدر، على ما يأتي في- لقمان - بيانه. ومعنى-فاعلون - أي مؤدون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أمية ابن أبي الصلت : المطعمون الطعام في السنة الأز ** مة والفاعلون للزكوات الرابعة: قوله {والذين هم لفروجهم حافظون}قال ابن العربي من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا قول {والذين هم لفروجهم حافظون}فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات،{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا وغير ذلك من الأدلة. قلت : وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر : ولا يقل هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنا هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن الحكم : سمعت حرملة بن عبدالعزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون} - إلى قوله - { العادون}. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة؛ وفيه يقول الشاعر : إذا حللت بواد لا أنيس به ** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله القصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة؛ قلنا : نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل أو بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله {إلا على أزواجهم} قال الفراء : أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض معطوفة على {أزواجهم} و { ما} مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستنماء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي : إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. قلت : وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد، قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة الفتح؛ ثم حرمها بعد؛ قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في -النساء- القول فيها مستوفى. السابعة: قوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} فسمى من نكح ما لا يحل عاديا وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء-166] وكما تقدم في -الأعراف-؛ فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه. قلت : فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان الإجماع منعقدا على أن قوله {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} خص به الرجال دون النساء؛ فقد ""روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها؛ فذكر ذلك لعمر فسألها : ما حملك على ذلك؟ قالت : كنت أراه يحل لي ملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر : لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأم العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر ابن عبدالعزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء فقالت : إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فإنه عني بني عمي؛ فقال عمر : أتزوجت قبله؟ قالت نعم؛ قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة؛ ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و{وراء} بمعنى سوى، وهو مفعول بـ {ابتغى} أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و{وراء} ظرف. و{ذلك} يشار به إلى كل مذكور مؤنثا كان أو مذكرا. {فأولئك هم العادون} أي المجاوزون الحد؛ من عدا أي جاوز الحد وجازه. قرأ الجمهور {لأماناتهم} بالجمع. وابن كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. التاسعة: قرأ الجمهور {صلواتهم} وحمزة والكسائي {صلاتهم} بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجميع. والمحافظة على الصلاة إقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في -البقرة- مستوفى. ثم قال {أولئك هم الوارثون} أي من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار). ""خرجه ابن ماجة بمعناه"". عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله {أولئك هم الوارثون}). إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين. والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بن النضر أم حارثة، وقال : حديث حسن صحيح. ""وفي حديث مسلم"" (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة). قال أبو حاتم محمد بن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم (فإنه أوسط الجنة) يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة، يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة : إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد : رومية عربت. وقيل : هي فارسية عربت. وقيل : حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك : هو عربي وهو الكرم؛ والعرب تقول للكرم فراديس. {هم فيها خالدون} فأنث على معنى الجنة.
الآية 12
فيه خمس مسائل: الأولى: قوله {ولقد خلقنا الإنسان} الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة وغيره، لأنه استل من الطين. ويجيء الضمير في قوله {ثم جعلناه} عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك {حتى توارت بالحجاب } [ص- 32] . وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعني المني. والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء؛ يقال : سللت الشعر من العجين، والسيف من الغمد فانسل؛ ومنه قوله : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة؛ عنى به الماء يسل من الظهر سلا. قال الشاعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ** سلالة فرج كان غير حصين وقال آخر : وما هند إلا مهرة عربية ** سليلة أفراس تجللها بغل وقوله {من طين} أي أن الأصل آدم وهو من طين. قلت : أي من طين خالص؛ فأما ولده فهو من طين ومني، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السلالة. الثانية: قوله تعالى:{نطفة} قد مضى القول فيالنطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الاحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك. الثالثة:قوله تعالى:{ثم أنشأناه خلقا آخر} اختلف الناس في الخلق الآخر؛ فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا. وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره. الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر. مجاهد : كمال شبابه؛ وروي عن ابن عمر : والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. الرابعة: قوله {فتبارك الله أحسن الخالقين} يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله {خلقا آخر} قال فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هكذا أنزلت)."" وفي مسند الطيالسي"" : ونزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية؛ فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت {تبارك الله أحسن الخالقين}. ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل. وروي أن قائل ذلك عبدالله بن أبي سرح، وبهذا السبب ارتد وقال : أتي بمثل ما يأتي محمد؛ وفيه نزل {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } [الانعام- 93]على ما تقدم بيانه في -الأنعام-. وقوله {فتبارك} تفاعل من البركة. {أحسن الخالقين} أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئا خلقه؛ ومنه قول الشاعر : ولأنت تقري ما خلقت وبعـ ** ـض القوم يخلق ثم لا يفري وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جريج : إنما قال {أحسن الخالقين} لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق؛ واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم. مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم؛ فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس -خلق ابن آدم من سبع- بهذه الآية، وبقوله -وجعل رزقه في سبع- قوله {فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا} [عبس 27 : 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأب للأنعام. والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء؛ هذا قول. وقيل : القضب البقول لأنها تقضب؛ فهي رزق ابن آدم. وقيل : القضب والأب للأنعام، والست الباقية لابن آدم، والسابعة هي للأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.
الآية 13
فيه خمس مسائل: الأولى: قوله {ولقد خلقنا الإنسان} الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة وغيره، لأنه استل من الطين. ويجيء الضمير في قوله {ثم جعلناه} عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك {حتى توارت بالحجاب } [ص- 32] . وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعني المني. والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء؛ يقال : سللت الشعر من العجين، والسيف من الغمد فانسل؛ ومنه قوله : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة؛ عنى به الماء يسل من الظهر سلا. قال الشاعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ** سلالة فرج كان غير حصين وقال آخر : وما هند إلا مهرة عربية ** سليلة أفراس تجللها بغل وقوله {من طين} أي أن الأصل آدم وهو من طين. قلت : أي من طين خالص؛ فأما ولده فهو من طين ومني، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السلالة. الثانية: قوله تعالى:{نطفة} قد مضى القول فيالنطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الاحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك. الثالثة:قوله تعالى:{ثم أنشأناه خلقا آخر} اختلف الناس في الخلق الآخر؛ فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا. وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره. الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر. مجاهد : كمال شبابه؛ وروي عن ابن عمر : والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. الرابعة: قوله {فتبارك الله أحسن الخالقين} يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله {خلقا آخر} قال فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هكذا أنزلت)."" وفي مسند الطيالسي"" : ونزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية؛ فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت {تبارك الله أحسن الخالقين}. ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل. وروي أن قائل ذلك عبدالله بن أبي سرح، وبهذا السبب ارتد وقال : أتي بمثل ما يأتي محمد؛ وفيه نزل {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } [الانعام- 93]على ما تقدم بيانه في -الأنعام-. وقوله {فتبارك} تفاعل من البركة. {أحسن الخالقين} أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئا خلقه؛ ومنه قول الشاعر : ولأنت تقري ما خلقت وبعـ ** ـض القوم يخلق ثم لا يفري وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جريج : إنما قال {أحسن الخالقين} لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق؛ واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم. مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم؛ فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس -خلق ابن آدم من سبع- بهذه الآية، وبقوله -وجعل رزقه في سبع- قوله {فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا} [عبس 27 : 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأب للأنعام. والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء؛ هذا قول. وقيل : القضب البقول لأنها تقضب؛ فهي رزق ابن آدم. وقيل : القضب والأب للأنعام، والست الباقية لابن آدم، والسابعة هي للأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.
الآية 14
فيه خمس مسائل: الأولى: قوله {ولقد خلقنا الإنسان} الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة وغيره، لأنه استل من الطين. ويجيء الضمير في قوله {ثم جعلناه} عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك {حتى توارت بالحجاب } [ص- 32] . وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعني المني. والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء؛ يقال : سللت الشعر من العجين، والسيف من الغمد فانسل؛ ومنه قوله : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة؛ عنى به الماء يسل من الظهر سلا. قال الشاعر : فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ** سلالة فرج كان غير حصين وقال آخر : وما هند إلا مهرة عربية ** سليلة أفراس تجللها بغل وقوله {من طين} أي أن الأصل آدم وهو من طين. قلت : أي من طين خالص؛ فأما ولده فهو من طين ومني، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السلالة. الثانية: قوله تعالى:{نطفة} قد مضى القول فيالنطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الاحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك. الثالثة:قوله تعالى:{ثم أنشأناه خلقا آخر} اختلف الناس في الخلق الآخر؛ فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا. وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره. الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر. مجاهد : كمال شبابه؛ وروي عن ابن عمر : والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. الرابعة: قوله {فتبارك الله أحسن الخالقين} يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله {خلقا آخر} قال فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هكذا أنزلت)."" وفي مسند الطيالسي"" : ونزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية؛ فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت {تبارك الله أحسن الخالقين}. ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل. وروي أن قائل ذلك عبدالله بن أبي سرح، وبهذا السبب ارتد وقال : أتي بمثل ما يأتي محمد؛ وفيه نزل {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } [الانعام- 93]على ما تقدم بيانه في -الأنعام-. وقوله {فتبارك} تفاعل من البركة. {أحسن الخالقين} أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئا خلقه؛ ومنه قول الشاعر : ولأنت تقري ما خلقت وبعـ ** ـض القوم يخلق ثم لا يفري وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جريج : إنما قال {أحسن الخالقين} لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق؛ واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم. مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم؛ فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس -خلق ابن آدم من سبع- بهذه الآية، وبقوله -وجعل رزقه في سبع- قوله {فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا} [عبس 27 : 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأب للأنعام. والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء؛ هذا قول. وقيل : القضب البقول لأنها تقضب؛ فهي رزق ابن آدم. وقيل : القضب والأب للأنعام، والست الباقية لابن آدم، والسابعة هي للأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.
الآية 15
قوله تعالى {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} أي بعد الخلق والحياة. والنحاس : ويقال في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.
الآية 16
قوله تعالى {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} أي بعد الخلق والحياة. والنحاس : ويقال في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}.
الآية 17
قوله {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} قال أبو عبيدة : أي سبع سموات. وحكى عنه أنه يقال : طارقت الشيء، أي جعل بعضه فوق بعض؛ فقيل للسموات طرائق لأن بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وقيل : لأنها طرائق الملائكة. {وما كنا عن الخلق غافلين} قال بعض العلماء : عن خلق السماء. وقال أكثر المفسرين : أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم. قلت : ويحتمل أن يكون المعنى {وما كنا عن الخلق غافلين} أي في القيام بمصالحه وحفظه؛ وهو معنى الحي القيوم؛ على ما تقدم.
الآية 18
فيه أربع مسائل: الأولى : هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما آمتن به عليهم؛ ومن أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان. والماء المنزل من السماء على قسمين : هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه فالأرض، وجعله فيها مختزنا لسقي الناس يجدونه عند الحاجة إليه؛ وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الآبار. وروي عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة : سيحان وجيحان ونيل مصر والفرات. وقال مجاهد : ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيد قوله بالماء العذب، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء. وقد قيل : إن قوله {وأنزلنا من السماء ماء} إشارة إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد؛ ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به، ولو كان الأمر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته. الثانية: قوله {بقدر} أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك؛ ومنه قوله {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما تنزله إلا بقدر معلوم } [الحجر- 21] . {وإنا على ذهاب به لقادرون} يعني الماء المختزن. وهذا تهديد ووعيد؛ أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم؛ وهذا كقوله {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} أي غائرا {فمن يأتيكم بماء معين }[الملك- 30]. الثالثة: ذكر النحاس : قرئ على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة قال : حدثنا سعيد بن سابق قال حدثنا مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله {وإنا على ذهاب به لقادرون} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا). الرابعة: كل ما نزل من السماء مختزنا كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر يغتسل به ويتوضأ منه؛ على ما يأتي في -الفرقان- بيانه.
الآية 19
فيه مسألتان: الأولى: قوله {فأنشأنا} أي جعلنا ذلك سبب النبات، وأوجدناه به وخلقناه. وذكر تعالى النخيل والأعناب لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما؛ قاله الطبري. ولأنها أيضا أشرف الثمار، فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها. {لكم فيها} أي في الجنات. {فواكه} من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع؛ والأول أعم لسائر الثمرات. الثانية: من حلف ألا يأكل فاكهة؛ في الرواية عندنا يحنث بالباقلاء الخضراء وما أشبهها. وقال أبو حنيفة : لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر، لأنها من القبول لا من الفاكهة. وكذلك الجوز واللوز والفستق؛ لأن هذه الأشياء لا تعد من الفاكهة وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث. وكذلك البطيخ؛ لأن هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام وبعده؛ فكانت فاكهة. وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس لأن ذلك لا يؤكل إلا في بعض البلدان. ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من الفواكه. وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث. وخالفه صاحباه فقالا يحنث؛ لأن هذه الأشياء من أعز الفواكه، وتؤكل على وجه التنعم. والإفراد لها بالذكر في كتاب الله عز جل لكمال معانيها؛ كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة. واحتج أبو حنيفة بأن قال : عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال {فيهما فاكهة ونخل ورمان } [الرحمن- 68] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال {وفاكهة وأبا}[عبس-31] والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة. والعنب والرمان يكتفى بهما في بعض البلدان فلا يكون فاكهة؛ ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه، ويابس هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها.
الآية 20
فيه ست مسائل: الأولى: قوله {وشجرة} شجرة عطف على جنات. وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثم شجرة؛ ويريد بها شجرة الزيتون. وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار. {تخرج} في موضع الصفة. {من طور سيناء} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه. وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ قال ابن عباس وغيره، وقد تقدم في البقرة والأعراف. والطور الجبل في كلام العرب. وقيل : هو مما عرب من كلام العجم. وقال ابن زيد : هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. واختلف في سيناء؛ فقال قتادة : معناه الحسن؛ ويلزم على هذا التأويل أن ينون الطور على النعت. وقال مجاهد : معناه مبارك. وقال معمر عن فرقة : معناه شجر؛ ويلزمهم أن ينونوا الطور. وقال الجمهور : هو اسم الجبل؛ كما تقول جبل أحد. وعن مجاهد أيضا : سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقال مقاتل : كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء؛ أي حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فعلاء؛ وفعلاء في كلام العرب كثير؛ يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة؛ لأن في آخرها ألف التأنيث، وألف التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فعلاء، ولكن من قرأ سيناء بكسر السين جعل فعلالا؛ فالهمزة فيه كهمزة حرباء، ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة 0 وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي. الثانية: قوله {تنبت بالدهن} قرأ الجمهور {تنبت} بفتح التاء وضم الباء، والتقدير : تنبت ومعها الدهن؛ كما تقول : خرج زيد بسلاحه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على هذه القراءة؛ فقال أبو علي الفارسي : التقدير تنبت جناها ومعه الدهن؛ فالمفعول محذوف. وقيل : الباء زائدة؛ مثل {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}[البقرة- 195] وهذا مذهب أبي عبيدة. وقال الشاعر : نضرب بالسيف ونرجو بالفرج وقال آخر : هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور ونحو هذا قال أبو علي أيضا؛ وقد تقدم. وقيل : نبت وأنبت بمعنى؛ فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبي إسحاق، ومنه قول زهير : حتى إذا أنبت البقل والأصمعي ينكر أنبت، ويتهم قصيدة زهير التي فيها : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ** قطينا بها حتى إذا أنبت البقل أي نبت. وقرأ الزهري والحسن والأعرج {تنبت بالدهن} برفع التاء ونصب الباء. قال ابن جني والزجاج : هي باء الحال؛ أي تنبت ومعها دهنها. وفي قراءة ابن مسعود {تخرج بالدهن} وهي باء الحال. ابن درستويه : الدهن الماء اللين؛ تنبت من الإنبات. وقرأ زر بن حبيش {تنبت } - بضم التاء وكسر الباء - {الدهن} بحذف الباء ونصبه. وقرأ سليمان بن عبدالملك والأشهب {بالدهان}. والمراد من الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها. ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار. الثالثة: قوله {وصبغ للآكلين} قراءة الجمهور. وقرأت فرقة {وأصباغ} بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس {ومتاعا}؛ ويراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل؛ يقال : صبغ وصباغ؛ مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ؛ حكاه الهروي وغيره. وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه. وقال مقاتل : الأدم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أدما ودهنا؛ فالصبغ على هذا الزيتون. الرابعة: لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخل فقال : (نعم الإدام الخل) رواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال وامرأتان. وممن ""رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيدالله وابن عباس وأبو هريرة وسمرة بن جندب وأنس وأم هانئ"". الخامسة: واختلف فيما كان جامدا كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من الجوامد؛ فالجمهور أن ذلك كله إدام؛ فمن حلف ألا يأكل إداما فأكل لححا أو جبنا حنث. وقال أبو حنيفة : لا يحنث؛ وخالفه صاحباه. وقد روي عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة. والبقل ليس بإدام في قولهم جميعا. وعن الشافعي في التمر وجهان؛ والمشهور أنه ليس بإدام لقوله في التنبيه. وقيل يحنث؛ والصحيح أن هذا كله إدام. وقد ""روى أبو داود عن يوسف بن عبدالله بن سلام"" قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال : (هذا إدام هذه). وقال صلى الله عليه وسلم : (سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم). ذكره أبو عمر."" وترجم البخاري (باب الإدام) وساق حديث عائشة""؛ ولأن الإدام مأخوذ من المؤادمة وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداما. وفي الحديث عنه عليه السلام : (ائتدموا ولو بالماء). ولأبي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل؛ كالخل والزيت ونحوهما، وأما اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوزه كالبطيخ والتمر والعنب. والحاصل : أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إداما، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداما، والله أعلم. السادسة: ""روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه"" قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة). هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبدالرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر فيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما رواه على الشك فقال : أحسبه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما قال : عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل : خص الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت منها. وقيل : إن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. والله أعلم.
الآية 21
قوله {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون }- تقدم القول فيهما في النحل.{ وعليها }أي وعلى الأنعام في البر. {وعلى الفلك} في البحر. {تحملون} وإنما يحمل في البر على البر فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت : إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. {ما لكم من إله غيره} قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في - الأعراف - . قوله {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي لو شاء الله ألا يعبد شيء سواه لجعل رسول ملكا. {ما سمعنا بهذا} أي بمثل دعوته. وقيل : ما سمعنا بمثله بشرا؛ أي برسالة ربه. {في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في {بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا{إن هو}- يعنون نوحا {إلا رجل به جنة} أي جنون لا يدري ما يقول. {فتربصوا به حتى حين} أي انتظروا موته. وقيل : حتى يستبين جنونه. وقال الفراء : ليس يراد بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقول : دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على كفرهم {رب انصرني بما كذبون} أي انتقم ممن لم يطعن ولم يسمع رسالتي. {فأوحينا إليه} أي أرسلنا إليه رسلا من السماء {أن اصنع الفلك} على ما تقدم بيانه. قوله {فاسلك فيها} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ** شلا كما تطرد الجمالة الشردا {من كلٍّ زوجين اثنين} قرأ حفص {من كل} بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله.
الآية 22
قوله {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون }- تقدم القول فيهما في النحل.{ وعليها }أي وعلى الأنعام في البر. {وعلى الفلك} في البحر. {تحملون} وإنما يحمل في البر على البر فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت : إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. {ما لكم من إله غيره} قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في - الأعراف - . قوله {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي لو شاء الله ألا يعبد شيء سواه لجعل رسول ملكا. {ما سمعنا بهذا} أي بمثل دعوته. وقيل : ما سمعنا بمثله بشرا؛ أي برسالة ربه. {في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في {بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا{إن هو}- يعنون نوحا {إلا رجل به جنة} أي جنون لا يدري ما يقول. {فتربصوا به حتى حين} أي انتظروا موته. وقيل : حتى يستبين جنونه. وقال الفراء : ليس يراد بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقول : دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على كفرهم {رب انصرني بما كذبون} أي انتقم ممن لم يطعن ولم يسمع رسالتي. {فأوحينا إليه} أي أرسلنا إليه رسلا من السماء {أن اصنع الفلك} على ما تقدم بيانه. قوله {فاسلك فيها} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ** شلا كما تطرد الجمالة الشردا {من كلٍّ زوجين اثنين} قرأ حفص {من كل} بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله.
الآية 23
قوله {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون }- تقدم القول فيهما في النحل.{ وعليها }أي وعلى الأنعام في البر. {وعلى الفلك} في البحر. {تحملون} وإنما يحمل في البر على البر فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت : إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. {ما لكم من إله غيره} قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في - الأعراف - . قوله {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي لو شاء الله ألا يعبد شيء سواه لجعل رسول ملكا. {ما سمعنا بهذا} أي بمثل دعوته. وقيل : ما سمعنا بمثله بشرا؛ أي برسالة ربه. {في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في {بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا{إن هو}- يعنون نوحا {إلا رجل به جنة} أي جنون لا يدري ما يقول. {فتربصوا به حتى حين} أي انتظروا موته. وقيل : حتى يستبين جنونه. وقال الفراء : ليس يراد بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقول : دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على كفرهم {رب انصرني بما كذبون} أي انتقم ممن لم يطعن ولم يسمع رسالتي. {فأوحينا إليه} أي أرسلنا إليه رسلا من السماء {أن اصنع الفلك} على ما تقدم بيانه. قوله {فاسلك فيها} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ** شلا كما تطرد الجمالة الشردا {من كلٍّ زوجين اثنين} قرأ حفص {من كل} بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله.
الآية 24
قوله {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون }- تقدم القول فيهما في النحل.{ وعليها }أي وعلى الأنعام في البر. {وعلى الفلك} في البحر. {تحملون} وإنما يحمل في البر على البر فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت : إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. {ما لكم من إله غيره} قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في - الأعراف - . قوله {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي لو شاء الله ألا يعبد شيء سواه لجعل رسول ملكا. {ما سمعنا بهذا} أي بمثل دعوته. وقيل : ما سمعنا بمثله بشرا؛ أي برسالة ربه. {في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في {بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا{إن هو}- يعنون نوحا {إلا رجل به جنة} أي جنون لا يدري ما يقول. {فتربصوا به حتى حين} أي انتظروا موته. وقيل : حتى يستبين جنونه. وقال الفراء : ليس يراد بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقول : دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على كفرهم {رب انصرني بما كذبون} أي انتقم ممن لم يطعن ولم يسمع رسالتي. {فأوحينا إليه} أي أرسلنا إليه رسلا من السماء {أن اصنع الفلك} على ما تقدم بيانه. قوله {فاسلك فيها} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال : سلكته في كذا وأسلكته فيه في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ** شلا كما تطرد الجمالة الشردا {من كلٍّ زوجين اثنين} قرأ حفص {من كل} بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله.
الطبعة والمصدر
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

