سورة الشعراء · Ash-Shu'araaالسورة 26 · الصفحة 5 · 227 مقطعاً
الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
الآية 97
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 98
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 99
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 100
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 101
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 102
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 103
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 104
قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها. {وبرزت} أي أظهرت {الجحيم} يعني جهنم. {للغاوين} أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخولها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} من الأصنام والأنداد {هل ينصرونكم} من عذاب الله {أو ينتصرون} لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. {فكبكبوا فيها} أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل : جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة؛ قاله الهروي. وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد : دهوروا. وقال مقاتل : قذفوا. والمعنى واحد. تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال : في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله {فكبكبوا فيها} والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدي : الضمير في {كبكبوا} لمشركي العرب {هم والغاوون} الآلهة. {وجنود إبليس} من كان من ذريته. وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل {الغاوون} هم الشياطين. وقيل : إنما تلقي الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون} يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. {تالله} حلفوا بالله {إن كنا لفي ضلال مبين} أي في خسارة وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد؛ وهذا معنى قوله {إذ نسويكم برب العالمين} أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون} يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة {المجرمون} إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي صديق مشفق؛ وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة؛ ألا تسمع إلى قول أهل النار {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقتله؛ ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته؛ رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة؛ وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق؛ وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص؛ ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار؛ ومنه الحمام والحمى؛ فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه؛ يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال : حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى؛ لأنها تقرب من الأجل. وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمي لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز {ولا صديق حميم} بالرفع على موضع {من شافعين}؛ لأن {من شافعين} في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس : وهذا بعيد؛ لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة؛ قال الشاعر : نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح؛ كقول حباب بن المنذر : (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب) ذكر الجوهري. النحاس : وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. {فلو أن لنا كرة} {أن} في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : (ما لنا من شافعين ولا صديق حميم). وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم.
الآية 105
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 106
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 107
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 108
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 109
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 110
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 111
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 112
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 113
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 114
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 115
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 116
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 117
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 118
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 119
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الآية 120
قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} قال {كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال {المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا {ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. {إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل {أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. {فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. {وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. {وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. {إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي {إلا على رب العالمين}. {فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: {قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: {قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. {واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. {الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، {وأتباعك الأرذلون}. النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع {أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و{الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله {أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله {لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: {قال وما علمي بما كانوا يعملون} {كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. {إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم {إلا على ربي لو تشعرون} وجواب {لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة {تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع {لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}. {وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. {إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا {لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم {لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل {من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. {قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}
الطبعة والمصدر
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

