تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير الطبري

تفسير الطبري — سورة النمل

الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.

۞ قراءة النص
سورة النمل · An-Namlالسورة 27 · الصفحة 2 · 93 مقطعاً

الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.

الآية 25

hamada

الآية 26

hamada

الآية 27

hamada

الآية 28

hamada

الآية 29

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ} في الكلام حذف؛ والمعنى : فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول {يا أيها الملأ} ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام؛ وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه؛ وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لأنه بدأ فيه بـ{بسم الله الرحمن الرحيم} وقد قال صلى الله عليه وسلم : (كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم). وقيل : لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه. من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين؛ إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بني قد أقروا لك بذلك. وقيل : توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا. وقيل {كريم} حسن؛ كقول {ومقام كريم} الشعراء 58 أي مجلس حسن. وقيل : وصفته بذلك؛ لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل 125 وقوله لموسى وهرون {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه 44. وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة عبدالله {وإنه من سليمان} بزيادة واو. الثانية: الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى قوله {إنه لقرآن كريم} الواقعة77 وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور؛ فإن كان لملك قالوا : العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله {وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} فصلت 41 : 42 فهذه عزته وليست لأحد إلا له، فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي؛ توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي. الثالثة: كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال : ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم : وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه) قال أبو الليث في كتاب "البستان" له : ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل؛ فالأحسـن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب إليه وتكبرا عليه؛ إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة: وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام. والله أعلم. الخامسة: اتفقوا على كتب {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال : أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف. وفي الحديث : (كرم الكتاب ختمه). وقال بعض الأدباء؛ هو ابن المقفع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم ختم. وقال أنس : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم فقيل له : إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم؛ فاصطنع خاتما ونقش على فصه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكأني أنظر إلى وبيصه وبياضه في كفه. السادسة: قوله {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} {وإنه} بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام {بسم الله الرحمن الرحيم}. وأجاز الفراء {أنه من سليمان وأنه} بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب؛ بمعنى ألقي إلي أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض؛ أي لأنه من سليمان ولأنه؛ كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع}ألا تغلوا}بالغين المعجمة، وروي عن وهب بن منبه؛ من غلا يغلو إذا تجاوز وتكبر. وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة. {وأتوني مسلمين} أي منقادين طائعين مؤمنين.

الآية 30

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ} في الكلام حذف؛ والمعنى : فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول {يا أيها الملأ} ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام؛ وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه؛ وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لأنه بدأ فيه بـ{بسم الله الرحمن الرحيم} وقد قال صلى الله عليه وسلم : (كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم). وقيل : لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه. من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين؛ إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بني قد أقروا لك بذلك. وقيل : توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا. وقيل {كريم} حسن؛ كقول {ومقام كريم} الشعراء 58 أي مجلس حسن. وقيل : وصفته بذلك؛ لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل 125 وقوله لموسى وهرون {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه 44. وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة عبدالله {وإنه من سليمان} بزيادة واو. الثانية: الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى قوله {إنه لقرآن كريم} الواقعة77 وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور؛ فإن كان لملك قالوا : العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله {وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} فصلت 41 : 42 فهذه عزته وليست لأحد إلا له، فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي؛ توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي. الثالثة: كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال : ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم : وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه) قال أبو الليث في كتاب "البستان" له : ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل؛ فالأحسـن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب إليه وتكبرا عليه؛ إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة: وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام. والله أعلم. الخامسة: اتفقوا على كتب {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال : أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف. وفي الحديث : (كرم الكتاب ختمه). وقال بعض الأدباء؛ هو ابن المقفع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم ختم. وقال أنس : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم فقيل له : إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم؛ فاصطنع خاتما ونقش على فصه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكأني أنظر إلى وبيصه وبياضه في كفه. السادسة: قوله {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} {وإنه} بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام {بسم الله الرحمن الرحيم}. وأجاز الفراء {أنه من سليمان وأنه} بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب؛ بمعنى ألقي إلي أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض؛ أي لأنه من سليمان ولأنه؛ كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع}ألا تغلوا}بالغين المعجمة، وروي عن وهب بن منبه؛ من غلا يغلو إذا تجاوز وتكبر. وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة. {وأتوني مسلمين} أي منقادين طائعين مؤمنين.

الآية 31

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ} في الكلام حذف؛ والمعنى : فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول {يا أيها الملأ} ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام؛ وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه؛ وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : لأنه بدأ فيه بـ{بسم الله الرحمن الرحيم} وقد قال صلى الله عليه وسلم : (كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم). وقيل : لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه. من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين؛ إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بني قد أقروا لك بذلك. وقيل : توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا. وقيل {كريم} حسن؛ كقول {ومقام كريم} الشعراء 58 أي مجلس حسن. وقيل : وصفته بذلك؛ لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق؛ على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل 125 وقوله لموسى وهرون {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه 44. وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة عبدالله {وإنه من سليمان} بزيادة واو. الثانية: الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى قوله {إنه لقرآن كريم} الواقعة77 وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور؛ فإن كان لملك قالوا : العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله {وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} فصلت 41 : 42 فهذه عزته وليست لأحد إلا له، فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي؛ توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي. الثالثة: كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال : ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم : وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه) قال أبو الليث في كتاب "البستان" له : ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل؛ فالأحسـن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب إليه وتكبرا عليه؛ إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة: وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام. والله أعلم. الخامسة: اتفقوا على كتب {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال : أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف. وفي الحديث : (كرم الكتاب ختمه). وقال بعض الأدباء؛ هو ابن المقفع : من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم ختم. وقال أنس : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم فقيل له : إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم؛ فاصطنع خاتما ونقش على فصه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكأني أنظر إلى وبيصه وبياضه في كفه. السادسة: قوله {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} {وإنه} بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام {بسم الله الرحمن الرحيم}. وأجاز الفراء {أنه من سليمان وأنه} بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب؛ بمعنى ألقي إلي أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض؛ أي لأنه من سليمان ولأنه؛ كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع}ألا تغلوا}بالغين المعجمة، وروي عن وهب بن منبه؛ من غلا يغلو إذا تجاوز وتكبر. وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة. {وأتوني مسلمين} أي منقادين طائعين مؤمنين.

الآية 32

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة "البقرة" القول فيه. قال ابن عباس : كان معها ألف قيل. وقيل : اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض، {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملا بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية: في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} آل عمران 159 في "آل عمران" إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله {وأمرهم شورى بينهم} الشورى 38 والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب؛ فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم في جوابهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} قال ابن عباس : كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته. الثالثة: قوله تعالى: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} سلموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة؛ فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. {وكذلك يفعلون} قيل : هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس : هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب : لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت : ما هذا؟! فقال بعض القوم : ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده؛ فسكتوه. وقال الآخر : أراهم ثلاثة من العفاريت؛ فسكتوه؛ فقال شاب قد علم : يا سيدة الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته؛ فعندها قالت {أفتوني في أمري} فقالوا {نحن أولو قوة} في القتال {وأولو بأس شديد} قوة في الحرب واللقاء {والأمر إليك} ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة {فانظري ماذا تأمرين} فـ {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها. {وكذلك يفعلون} قال ابن الأنباري{وجعلوا أعزة أهلها أذلة} هذا وقف تام؛ فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها {وكذلك يفعلون}وشبيه به في سورة "الأعراف" {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم} الأعراف 109 : 110 تم الكلام، فقال فرعون {فماذا تأمرون}الأعراف 110 . وقال ابن شجرة. هو قول بلقيس، فالوقف {وكذلك يفعلون} أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.

الآية 33

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة "البقرة" القول فيه. قال ابن عباس : كان معها ألف قيل. وقيل : اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض، {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملا بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية: في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} آل عمران 159 في "آل عمران" إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله {وأمرهم شورى بينهم} الشورى 38 والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب؛ فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم في جوابهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} قال ابن عباس : كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته. الثالثة: قوله تعالى: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} سلموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة؛ فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. {وكذلك يفعلون} قيل : هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس : هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب : لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت : ما هذا؟! فقال بعض القوم : ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده؛ فسكتوه. وقال الآخر : أراهم ثلاثة من العفاريت؛ فسكتوه؛ فقال شاب قد علم : يا سيدة الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته؛ فعندها قالت {أفتوني في أمري} فقالوا {نحن أولو قوة} في القتال {وأولو بأس شديد} قوة في الحرب واللقاء {والأمر إليك} ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة {فانظري ماذا تأمرين} فـ {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها. {وكذلك يفعلون} قال ابن الأنباري{وجعلوا أعزة أهلها أذلة} هذا وقف تام؛ فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها {وكذلك يفعلون}وشبيه به في سورة "الأعراف" {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم} الأعراف 109 : 110 تم الكلام، فقال فرعون {فماذا تأمرون}الأعراف 110 . وقال ابن شجرة. هو قول بلقيس، فالوقف {وكذلك يفعلون} أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.

الآية 34

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة "البقرة" القول فيه. قال ابن عباس : كان معها ألف قيل. وقيل : اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض، {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملا بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية: في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} آل عمران 159 في "آل عمران" إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله {وأمرهم شورى بينهم} الشورى 38 والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب؛ فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم في جوابهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} قال ابن عباس : كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته. الثالثة: قوله تعالى: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} سلموا الأمر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة؛ فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. {وكذلك يفعلون} قيل : هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس : هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب : لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت : ما هذا؟! فقال بعض القوم : ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده؛ فسكتوه. وقال الآخر : أراهم ثلاثة من العفاريت؛ فسكتوه؛ فقال شاب قد علم : يا سيدة الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته؛ فعندها قالت {أفتوني في أمري} فقالوا {نحن أولو قوة} في القتال {وأولو بأس شديد} قوة في الحرب واللقاء {والأمر إليك} ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها من البركة {فانظري ماذا تأمرين} فـ {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة}أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها. {وكذلك يفعلون} قال ابن الأنباري{وجعلوا أعزة أهلها أذلة} هذا وقف تام؛ فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها {وكذلك يفعلون}وشبيه به في سورة "الأعراف" {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم} الأعراف 109 : 110 تم الكلام، فقال فرعون {فماذا تأمرون}الأعراف 110 . وقال ابن شجرة. هو قول بلقيس، فالوقف {وكذلك يفعلون} أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.

الآية 35

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية} هذا من حسن نظرها وتدبيرها؛ أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وأغرب عليه بأمور المملكة : فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أرسلت إليه بلبنة من ذهب، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاؤوا به. وقال مجاهد : أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية. وروي عن ابن عباس : باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم زي الغلمان، واثني عشر غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة، والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا، وبقدح لا شيء فيه، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها. وقيل : كان الرسول واحدا ولكن كان في صحبته أتباع وخدم. وقيل : أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا ذوي رأي وعقل، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة، وقد خولف بينهم في اللباس، وقالت للغلمان : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء، وقالت للجواري : كلمنه بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال؛ فيقال : إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك كله. وقيل : إن الله أخبر سليمان بذلك، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة، ثم قال : أي الدواب رأيتم أحسن في البر والبحر؟ قالوا : يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب منقطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي؛ فأمر بها فجاءت فشدت على يمين الميدان وعلى يساره، وعلى لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفاتها؛ ثم قال : للجن علي بأولادكم؛ فأقامهم - أحسن ما يكون من الشباب - عن يمين الميدان ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه، ووضع له أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره، وأجلس عليها الأنبياء والعلماء، وأمر الشياطين والجن والإنس أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا ما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات : إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا فظيعا ففزعوا وخافوا، فقالت لهم الشياطين : جوزوا لا بأس عليكم؛ فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق، وكانت قالت لرسولها : إن نظر إليك نظر مغضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشا لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله ورد الجواب، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدم. وكانت عمدت إلى حقه من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة معوجة الثقب، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه : إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة، وعرفني رأس العصا من أسفلها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل خيط الخرزة، واملأ القدح ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء؛ فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال : أين الحقة؟ فأتى بها فحركها؛ فأخبره جبريل بما فيها، ثم أخبرهم سليمان. فقال له الرسول : صدقت؛ فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة؛ فسأل سليمان الجن والإنس عن ثقبها فعجزوا؛ فقال للشياطين : ما الرأي فيها؟ فقالوا : ترسل إلى الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر؛ فقال لها سليمان : ما حاجتك؟ قالت : تصير رزقي في الشجرة؛ فقال لها : لك ذلك. ثم قال سليمان : من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء : أنا لها يا نبي الله؛ فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر؛ فقال لها سليمان : ما حاجتك؟ قالت تجعل رزقي في الفواكه؛ قال : ذلك لك. ثم ميز بين الغلمان والجواري. قال السدي : أمرهم بالوضوء، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميز بينهم بهذا. وقيل : كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم تحمله على الأخرى، ثم تضرب به على الوجه؛ والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه، والجارية تصب على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، والجارية تصب الماء صبا، والغلام يحدر على يديه؛ فميز بينهم بهذا. وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال : أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف، وقالت : إن كان نبيا فسيعلم الذكور من الإناث، فأمرهم فتوضؤوا؛ فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفه قال هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور؛ ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال : أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها، ثم رد سليمان الهدية؛ فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد؛ قالت لقومها : هذا أمر من السماء. الثانية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثبت عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في نفسها؛ على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا؛ لأنه قال لها في كتابه {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} النمل 31 وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا يؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل، وهي الرشوة التي لا تحل. وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال، وهذا ما لم يكن من مشرك. الثالثة: فإن كانت من مشرك ففي الحديث (نهيت عن زبد المشركين) يعني رفدهم وعطاياهم. وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدبلي وغيره، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، وقال آخرون : ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيها : أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه؛ وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا؛ فإنه جمع بين الأحاديث. وقيل غير هذا. الرابعة: الهدية مندوب إليها، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة؛ ""روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني"" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء). وروى معاوية بن الحكم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر). ""وقال الدارقطني"" : تفرد به ابن بجير عن أبيه عن مالك، ولم يكن بالرضي، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري. وعن ابن شهاب قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة) قال ابن وهب : سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال : الغل. وهذا الحديث وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف. وعلى الجملة : فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة. ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدي والمهدى إليه رنة في اللقاء والجلوس. ولقد أحسن من قال : هدايا الناس بعضهم لبعض ** تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى وودا ** وتكسبهم إذا حضروا جمالا آخر : إن الهدايا لها حظ إذا وردت ** أحظى من الابن عند الوالد الحدب الخامسة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (جلساؤكم شركاؤكم في الهدية) واختلف في معناه؛ فقيل : هو محمول على ظاهره. وقيل : يشاركهم على وجه الكرم والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه. وقال أبو يوسف : ذلك في الفواكه ونحوها. وقال بعضهم : هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة والخوانق والرباطات؛ أما إذا كان فقيها من الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. السادسة: قوله {فناظرة} أي منتظرة {بم يرجع المرسلون} قال قتادة : يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها؛ قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وسقطت الألف في {بم} للفرق بين {ما} الخبرية. وقد يجوز إثباتها؛ قال : على ما قام يشتمني لئيم ** كخنزير تمرغ في رماد

الآية 36

قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال {أتمدونني بمال}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ {أتمدونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم؛ وأصله : أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ {تشاقون فيهم} النحل 27 ، {أتحآجوني في الله } الأنعام 80 . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى ** والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أتمدونني} أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و{آتانِ} وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتانيَ الله} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بل أنتم بهديتكم تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ارجع إليهم} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد؛ ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم عليها. {ولنخرجنهم منها} أي من أرضهم وقيل {منها} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} النمل 34 . {أذلة وهم صاغرون} {أذلة} قد سلبوا ملكهم وعزهم. {وهم صاغرون} أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله. فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال {أيكم يأتيني بعرشها} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال {أيكم يأتيني بعرشها}. قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب؛ وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة؛ فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلمين} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله {ولها عرش عظيم} قاله الطبري. وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء؛ لقوله {قبل أن يأتوني مسلمين}. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتي به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي{عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث : (إن الله يبغض العفرية النفرية). النفرية إتباع لعفرية. قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عَفار؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال : طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية. وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل : ذكوان؛ ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية ** مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ** ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته...) وذكر الحديث."" وفي البخاري"" (تفلت على البارحة) مكان (جعل يفتك)."" وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد"" أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بلى) فقال : (أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وإني عليه لقوي أمين} أي قوي على حمله. {أمين} على ما فيه. ابن عباس : أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم) قيل : وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثل بين يديه. وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل : هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان {هذا من فضل ربي}. قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد؛ وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال : هات. قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري : ورواه وهب عن مالك. وقد قيل : بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} أي ثابتا عنده. {قال هذا من فضل ربي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {ليبلوني} قال الأخفش : المعنى لينظر {أأشكر أم أكفر}وقال غيره : معنى {ليبلوني} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {ومن كفر} أي عن الشكر {فإن ربي غني كريم} في التفضل.

الآية 37

قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال {أتمدونني بمال}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ {أتمدونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم؛ وأصله : أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ {تشاقون فيهم} النحل 27 ، {أتحآجوني في الله } الأنعام 80 . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى ** والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أتمدونني} أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و{آتانِ} وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتانيَ الله} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بل أنتم بهديتكم تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ارجع إليهم} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد؛ ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم عليها. {ولنخرجنهم منها} أي من أرضهم وقيل {منها} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} النمل 34 . {أذلة وهم صاغرون} {أذلة} قد سلبوا ملكهم وعزهم. {وهم صاغرون} أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله. فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال {أيكم يأتيني بعرشها} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال {أيكم يأتيني بعرشها}. قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب؛ وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة؛ فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلمين} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله {ولها عرش عظيم} قاله الطبري. وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء؛ لقوله {قبل أن يأتوني مسلمين}. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتي به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي{عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث : (إن الله يبغض العفرية النفرية). النفرية إتباع لعفرية. قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عَفار؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال : طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية. وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل : ذكوان؛ ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية ** مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ** ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته...) وذكر الحديث."" وفي البخاري"" (تفلت على البارحة) مكان (جعل يفتك)."" وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد"" أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بلى) فقال : (أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وإني عليه لقوي أمين} أي قوي على حمله. {أمين} على ما فيه. ابن عباس : أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم) قيل : وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثل بين يديه. وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل : هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان {هذا من فضل ربي}. قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد؛ وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال : هات. قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري : ورواه وهب عن مالك. وقد قيل : بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} أي ثابتا عنده. {قال هذا من فضل ربي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {ليبلوني} قال الأخفش : المعنى لينظر {أأشكر أم أكفر}وقال غيره : معنى {ليبلوني} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {ومن كفر} أي عن الشكر {فإن ربي غني كريم} في التفضل.

الآية 38

قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال {أتمدونني بمال}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ {أتمدونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم؛ وأصله : أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ {تشاقون فيهم} النحل 27 ، {أتحآجوني في الله } الأنعام 80 . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى ** والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أتمدونني} أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و{آتانِ} وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتانيَ الله} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بل أنتم بهديتكم تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ارجع إليهم} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد؛ ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم عليها. {ولنخرجنهم منها} أي من أرضهم وقيل {منها} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} النمل 34 . {أذلة وهم صاغرون} {أذلة} قد سلبوا ملكهم وعزهم. {وهم صاغرون} أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله. فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال {أيكم يأتيني بعرشها} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال {أيكم يأتيني بعرشها}. قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب؛ وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة؛ فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلمين} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله {ولها عرش عظيم} قاله الطبري. وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء؛ لقوله {قبل أن يأتوني مسلمين}. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتي به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي{عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث : (إن الله يبغض العفرية النفرية). النفرية إتباع لعفرية. قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عَفار؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال : طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية. وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل : ذكوان؛ ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية ** مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ** ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته...) وذكر الحديث."" وفي البخاري"" (تفلت على البارحة) مكان (جعل يفتك)."" وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد"" أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بلى) فقال : (أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وإني عليه لقوي أمين} أي قوي على حمله. {أمين} على ما فيه. ابن عباس : أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم) قيل : وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثل بين يديه. وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل : هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان {هذا من فضل ربي}. قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد؛ وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال : هات. قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري : ورواه وهب عن مالك. وقد قيل : بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} أي ثابتا عنده. {قال هذا من فضل ربي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {ليبلوني} قال الأخفش : المعنى لينظر {أأشكر أم أكفر}وقال غيره : معنى {ليبلوني} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {ومن كفر} أي عن الشكر {فإن ربي غني كريم} في التفضل.

الآية 39

قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال {أتمدونني بمال}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ {أتمدونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم؛ وأصله : أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ {تشاقون فيهم} النحل 27 ، {أتحآجوني في الله } الأنعام 80 . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى ** والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أتمدونني} أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و{آتانِ} وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتانيَ الله} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بل أنتم بهديتكم تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ارجع إليهم} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد؛ ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم عليها. {ولنخرجنهم منها} أي من أرضهم وقيل {منها} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} النمل 34 . {أذلة وهم صاغرون} {أذلة} قد سلبوا ملكهم وعزهم. {وهم صاغرون} أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله. فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال {أيكم يأتيني بعرشها} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال {أيكم يأتيني بعرشها}. قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب؛ وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة؛ فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلمين} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله {ولها عرش عظيم} قاله الطبري. وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء؛ لقوله {قبل أن يأتوني مسلمين}. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتي به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي{عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث : (إن الله يبغض العفرية النفرية). النفرية إتباع لعفرية. قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عَفار؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال : طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية. وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل : ذكوان؛ ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية ** مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ** ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته...) وذكر الحديث."" وفي البخاري"" (تفلت على البارحة) مكان (جعل يفتك)."" وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد"" أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بلى) فقال : (أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وإني عليه لقوي أمين} أي قوي على حمله. {أمين} على ما فيه. ابن عباس : أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم) قيل : وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثل بين يديه. وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل : هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان {هذا من فضل ربي}. قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد؛ وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال : هات. قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري : ورواه وهب عن مالك. وقد قيل : بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} أي ثابتا عنده. {قال هذا من فضل ربي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {ليبلوني} قال الأخفش : المعنى لينظر {أأشكر أم أكفر}وقال غيره : معنى {ليبلوني} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {ومن كفر} أي عن الشكر {فإن ربي غني كريم} في التفضل.

الآية 40

قوله تعالى: {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال {أتمدونني بمال}. قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ {أتمدونِ} بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم؛ وأصله : أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ {تشاقون فيهم} النحل 27 ، {أتحآجوني في الله } الأنعام 80 . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر : ترهبين والجيد منك لليلى ** والحشا والبغام والعينان والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى {أتمدونني} أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و{آتانِ} وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتانيَ الله} بياء مفتوحة؛ فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. {بل أنتم بهديتكم تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: {ارجع إليهم} أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد؛ ارجع إليهم بهديتهم. {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس : وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول : هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير؛ لام توكيد؛ ولام أمر، ولام خفض؛ وهذا قول الحذاق من النحويين؛ لأنهم يردون الشيء إلى أصله : وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى {لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم عليها. {ولنخرجنهم منها} أي من أرضهم وقيل {منها} أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} النمل 34 . {أذلة وهم صاغرون} {أذلة} قد سلبوا ملكهم وعزهم. {وهم صاغرون} أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا؛ فرجع إليها رسولها فأخبرها؛ فقالت : قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض؛ في آخر قصر من سبعة قصور؛ وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس : وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه؛ فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال : ما هذا؟ فقالوا : بلقيس يا نبي الله. فقال سليمان لجنوده - وقال وهب وغيره : للجن - {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وقال عبد الله بن شداد : كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال {أيكم يأتيني بعرشها} وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل : إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال {أيكم يأتيني بعرشها}. قال ابن عباس : كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية : وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب؛ وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائدة استدعاء عرشها؛ فقال قتادة : ذكر له بعظم وجودة؛ فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم؛ والإسلام على هذا الدين؛ وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد : استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب؛ و{مسلمين} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين؛ وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في عقلها خلل؛ فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في قوله {ولها عرش عظيم} قاله الطبري. وعن قتادة : أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء؛ لقوله {قبل أن يأتوني مسلمين}. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتي به إلا بإذنها. روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: {قال عفريت من الجن} كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي{عِفْرِيَةٌ} ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث : (إن الله يبغض العفرية النفرية). النفرية إتباع لعفرية. قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل {عفريت} أي رئيس. وقرأت فرقة {قال عِفْرٌ} بكسر العين؛ حكاه ابن عطية؛ قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه؛ إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عَفار؛ لأن التاء زائدة؛ كما يقال : طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية. وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن؛ ذكره النحاس. وقيل : ذكوان؛ ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم قول ذي الرمة : كأنه كوكب في إثر عفرية ** مصوب في سواد الليل منقضب وأنشد الكسائي : إذ قال شيطانهم العفريت ** ليس لكم ملك ولا تثبيت وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته...) وذكر الحديث."" وفي البخاري"" (تفلت على البارحة) مكان (جعل يفتك)."" وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد"" أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بلى) فقال : (أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) قوله تعالى: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. {وإني عليه لقوي أمين} أي قوي على حمله. {أمين} على ما فيه. ابن عباس : أمين على فرج المرأة؛ ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك؛ فـ {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم) قيل : وهو بلسانهم، أهيا شراهيا؛ وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم؛ يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها؛ فمثل بين يديه. وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى. وقيل : هو سليمان نفسه؛ ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان {هذا من فضل ربي}. قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد؛ وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل؛ فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؛ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري. وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل؛ ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام؛ أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك؛ إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال : هات. قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا؛ روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين؛ وهذا أشبه؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري : ورواه وهب عن مالك. وقد قيل : بل جيء به في الهواء؛ قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان؛ قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض؛ فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} أي ثابتا عنده. {قال هذا من فضل ربي} أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي. {ليبلوني} قال الأخفش : المعنى لينظر {أأشكر أم أكفر}وقال غيره : معنى {ليبلوني} ليتعبدني؛ وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {ومن كفر} أي عن الشكر {فإن ربي غني كريم} في التفضل.

الآية 41

قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها} أي غيروه. قيل : جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقيل : غيّر بزيادة أو نقصان. قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار؛ فقال {نكروا لها عرشها} لنعرف عقلها. وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها؟ فقال : أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها؛ فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه. قوله تعالى: {فلما جاءت} يريد بلقيس، {قيل} لها {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} شبهته به لأنها خلفته تحت الأغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها. قال عكرمة : كانت حكيمة فقالت {كأنه هو}. وقال مقاتل : عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم هو؛ وقاله الحسن بن الفضل أيضا. وقيل : أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الأمر في باب الغلمان والجواري. {وأوتينا العلم من قبلها} قيل: هو من قول بلقيس؛ أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش {وكنا مسلمين} منقادين لأمره. وقيل : هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة. وقيل {وأوتينا العلم} بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وقيل : هو من كلام قوم سليمان. والله أعلم. قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} الوقف على {من دون الله} حسن؛ والمعنى : منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر فـ {ما} في موضع رفع. النحاس : المعنى؛ أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم. ويجوز أن يكون {ما} في موضع نصب، ويكون التقدير : وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله؛ أي حال بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى : وصدها الله؛ أي منعها الله عن عبادتها غيره فحذفت {عن} وتعدى الفعل. نظيره {واختار موسى قومه} الأعراف 155 أي من قومه. وأنشد سيبويه : ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ** كراما مواليها لئيما صميمها وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله. {إنها كانت من قوم كافرين} قرأ سعيد بن جبير{أنها} بفتح الهمزة، وهي في موضع نصب بمعنى، لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من {ما}فيكون في موضع رفع إن كانت {ما} فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف.

الآية 42

قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها} أي غيروه. قيل : جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقيل : غيّر بزيادة أو نقصان. قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار؛ فقال {نكروا لها عرشها} لنعرف عقلها. وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها؟ فقال : أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها؛ فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه. قوله تعالى: {فلما جاءت} يريد بلقيس، {قيل} لها {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} شبهته به لأنها خلفته تحت الأغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها. قال عكرمة : كانت حكيمة فقالت {كأنه هو}. وقال مقاتل : عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم هو؛ وقاله الحسن بن الفضل أيضا. وقيل : أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الأمر في باب الغلمان والجواري. {وأوتينا العلم من قبلها} قيل: هو من قول بلقيس؛ أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش {وكنا مسلمين} منقادين لأمره. وقيل : هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة. وقيل {وأوتينا العلم} بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وقيل : هو من كلام قوم سليمان. والله أعلم. قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} الوقف على {من دون الله} حسن؛ والمعنى : منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر فـ {ما} في موضع رفع. النحاس : المعنى؛ أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم. ويجوز أن يكون {ما} في موضع نصب، ويكون التقدير : وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله؛ أي حال بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى : وصدها الله؛ أي منعها الله عن عبادتها غيره فحذفت {عن} وتعدى الفعل. نظيره {واختار موسى قومه} الأعراف 155 أي من قومه. وأنشد سيبويه : ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ** كراما مواليها لئيما صميمها وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله. {إنها كانت من قوم كافرين} قرأ سعيد بن جبير{أنها} بفتح الهمزة، وهي في موضع نصب بمعنى، لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من {ما}فيكون في موضع رفع إن كانت {ما} فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف.

الآية 43

قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها} أي غيروه. قيل : جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقيل : غيّر بزيادة أو نقصان. قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها. وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار؛ فقال {نكروا لها عرشها} لنعرف عقلها. وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها؟ فقال : أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها؛ فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه. قوله تعالى: {فلما جاءت} يريد بلقيس، {قيل} لها {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} شبهته به لأنها خلفته تحت الأغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها. قال عكرمة : كانت حكيمة فقالت {كأنه هو}. وقال مقاتل : عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ ولو قيل لها : أهذا عرشك لقالت نعم هو؛ وقاله الحسن بن الفضل أيضا. وقيل : أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الأمر في باب الغلمان والجواري. {وأوتينا العلم من قبلها} قيل: هو من قول بلقيس؛ أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش {وكنا مسلمين} منقادين لأمره. وقيل : هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة. وقيل {وأوتينا العلم} بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وقيل : هو من كلام قوم سليمان. والله أعلم. قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} الوقف على {من دون الله} حسن؛ والمعنى : منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر فـ {ما} في موضع رفع. النحاس : المعنى؛ أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم. ويجوز أن يكون {ما} في موضع نصب، ويكون التقدير : وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله؛ أي حال بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى : وصدها الله؛ أي منعها الله عن عبادتها غيره فحذفت {عن} وتعدى الفعل. نظيره {واختار موسى قومه} الأعراف 155 أي من قومه. وأنشد سيبويه : ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ** كراما مواليها لئيما صميمها وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله. {إنها كانت من قوم كافرين} قرأ سعيد بن جبير{أنها} بفتح الهمزة، وهي في موضع نصب بمعنى، لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من {ما}فيكون في موضع رفع إن كانت {ما} فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف.

الآية 44

قوله تعالى: {قيل لها ادخلي الصرح} التقدير عند سيبويه : ادخلي إلى الصرح فحذف إلى وعدي الفعل. وأبو العباس يغلطه في هذا؛ قال : لأن دخل يدل على مدخول. وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان، عمله ليريها ملكا أعظم من ملكها؛ قاله مجاهد. وقال قتادة : كان من قوارير خلفه ماء {حسبته لجة} أي ماء. وقيل : الصرح القصر؛ عن أبي عبيدة. كما قال : تحسب أعلامهن الصروحا وقيل : الصرح الصحن؛ كما يقال : هذه صرحة الدار وقاعتها؛ بمعنى. وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال مرتفع من الأرض، وأن الممرد الطويل. النحاس : أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا صرح؛ من قولهم : لبن صريح إذا لم يشبه ماء؛ ومن قولهم : صرح بالأمر، ومنه : عربي صريح. وقيل : عمله ليختبر قول الجن فيها إن أمها من الجن، ورجلها رجل حمار؛ قاله وهب بن منبه. فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق : وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بد من امتثال الأمر. {وكشفت عن ساقيها} فإذا هي أحسن الناس ساقا؛ سليمة مما قالت الجن، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها {إنه صرح ممرد من قوارير} والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد. وتمرد الرجل إذ أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه؛ قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها. ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت. والممرد أيضا المطول، ومنه قيل للحصن مارد. أبو صالح : طويل على هيئة النخلة. ابن شجرة : واسع في طوله وعرضه. قال : غدوت صباحا باكرا فوجدتهم ** قبيل الضحا في السابري الممرد أي الدروع الواسعة. وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم؛ على ما يأتي. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين : كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله على عمل النورة، فكانت النورة والحمامات من يومئذ. في روى أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام؛ قاله الضحاك. وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش : تزوجها وردها إلى ملكها : باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة؛ فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة) فقالت عائشة : هي أحسن ساقين مني؟ فقال عليه السلام : (أنت أحسن ساقين منها في الجنة) ذكره القشيري. وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه حرها قال أواه من عذاب الله). ثم أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا : سلحون وبينون وعمدان، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام. وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها قبرا معقودا فيه امرأة حلل منسوجة بالذهب، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب : يا أيها الأقوام عوجوا معا ** وأربعوا في مقبري العيسا لتعلموا أني تلك التي ** قد كنت أدعى الدهر بلقيسا شيدت قصر الملك في حمير** قومي وقدما كان مأنوسا وكنت في ملكي وتدبيره ** أرغم في الله المعاطيسا بعلي سليمان النبي الذي ** قد كان للتوراة دريسا وسخر الريح له مركبا ** تهب أحيانا رواميسا مع ابن داود النبي الذي ** قدسه الرحمن تقديسا وقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه : لم يتزوجها سليمان، وإنما قال لها : اختاري زوجا؛ فقالت : مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان. فقال : لا بد في الإسلام من ذلك. فاختارت ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها وردها إلى اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان. وقال قوم : لم يرد فيه خبر صحيح لا في أنه تزوجها ولا في أنه زوجها. وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد بن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وكان جدها الهداهد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك، وكان ملك أرض اليمن كلها، وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف : ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كان أحد أبوي بلقيس جنيا) فمات أبوها، واختلف عليها قومها فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا فساءت سيرته، حتى فجر بنساء رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها فتزوجها، فسقته الخمر حتى حزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. وقال أبو بكرة : ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) ويقال : إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج، فصحب مرة في الطريق رجلا لا يعرفه، فقال هل لك من زوجة؟ فقال : لا أتزوج أبدا، فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن، فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا. قال : بل يغتصبها. قال : إنا قوم من الجن لا يقدر علينا؛ فتزوج ابنته فولدت له بلقيس؛ ثم ماتت الأم وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء، فتحدث أبوها بحديثها غلطا، فنمى للملك خبرها فقال له : يا فلان تكون عندك هذه البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حبي للنساء ثم أمر بحبسه، فأرسلت بلقيس إليه إني بين يديك؛ فتجهز للمسير إلى قصرها، فلما هم بالدخول بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس، وقلن له ألا تستحي ؟ تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك فأذن لهم بالانصراف ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال، وقطعت رأسه ورمت به إلى عسكره، فأمروها عليهم، فلم تزل كذلك إلى أن بلغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام. وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها، فأبصر الدنيا يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد، وكان اسم ذلك الهدهد عفير، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت ؟ وأين تريد ؟ قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال : ومن سليمان ؟ قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض. فمن أين أنت؟ قال : من هذه البلاد؛ ملكها امرأة يقال لها بلقيس، تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري؛ فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر، وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده، وكانوا على غير ماء. قال ابن عباس في رواية : وقعت عليه نفحة من الشمس. فقال لوزير الطير : هذا موضع من؟ قال : يا نبي الله هذا موضع الهدهد قال : وأين ذهب؟ قال : لا أدري أصلح الله الملك. فغضب سليمان وقال {لأعذبنه عذابا شديدا} النمل 21 الآية. ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأسا فقال : ما تريد يا نبي الله؟ فقال : علي بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون، السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحن اليمن، فانقض نحوه وأنشب فيه مخلبه. فقال له الهدهد : أسألك بالله الذي أقدرك وقواك علي إلا رحمتني. فقال له : الويل لك؛ وثكلتك أمك! إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فاستقبلته النسور وسائر عساكر الطير. وقالوا الويل لك؛ لقد توعدك نبي الله. فقال : وما قدري وما أنا! أما استثنى؟ قالوا : بلى إنه قال {أو ليأتيني بسلطان مبين} النمل 21 ثم دخل على سليمان فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه السلام. فقال له سليمان : أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك. فقال له الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه. وقال عكرمة : إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارا بوالديه؛ ينقل الطعام إليهما فيزقهما. ثم قال له سليمان : ما الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدم بيانه. قال الماوردي : والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، وتفارق الحسين؛ لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف. قلت : قد مضى القول في هذا، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدم بيانه، ولا بعد في ذلك؛ والله أعلم. وفي التنزيل {وشاركهم في الأموال والأولاد} الإسراء 64 وقد تقدم. وقال {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} الرحمن 56 . على ما يأتي في الرحمن قوله تعالى: {قالت رب إني ظلمت نفسي} أي بالشرك الذي كانت عليه؛ قاله ابن شجرة. وقال سفيان : أي بالظن الذي توهمته في سليمان؛ لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة، وأن سليمان يريد تغريقها فيه. فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وكسرت {إن} لأنها مبتدأة بعد القول. ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول. {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} إذا سكنت {مع}فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين. وإذا فتحتها ففيها قولان : أحدهما : أنه بمعنى الظرف اسم. والآخر : أنه حرف خافض مبني على الفتح؛ قال النحاس :

الآية 45

قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله} تقدم معناه. {فإذا هم فريقان يختصمون} قال مجاهد : أي مؤمن وكافر؛ قال : والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} الأعراف 75 إلى قوله {كافرون}. وقيل : تخاصمهم أن كل فرقة قالت : نحن على الحق دونكم. قوله تعالى: {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} قال مجاهد : بالعذاب قبل الرحمة؛ المعنى : لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب؛ فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار : ايتنا بالعذاب. وقيل : أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب؛ لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. {لولا تستغفرون الله} أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. {لعلكم ترحمون} لكي ترحموا؛ وقد تقدم. قوله تعالى: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقال الشاعر : طيرة الدهر لا ترد قضاء ** فاعذر الدهر لا تشبه بلوم أي يوم يخصه بسعود ** والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلا وفيه سعود ** ونحوس تجري لقوم فقوم وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : (أقِروا الطير على وكناتها) على ما تقدم بيانه في "المائدة" {قال طائركم عند الله} أي مصائبكم. {بل أنتم قوم تفتنون} أي تمتحنون. وقيل : تعذبون بذنوبكم.

الآية 46

قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله} تقدم معناه. {فإذا هم فريقان يختصمون} قال مجاهد : أي مؤمن وكافر؛ قال : والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} الأعراف 75 إلى قوله {كافرون}. وقيل : تخاصمهم أن كل فرقة قالت : نحن على الحق دونكم. قوله تعالى: {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} قال مجاهد : بالعذاب قبل الرحمة؛ المعنى : لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب؛ فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار : ايتنا بالعذاب. وقيل : أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب؛ لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. {لولا تستغفرون الله} أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. {لعلكم ترحمون} لكي ترحموا؛ وقد تقدم. قوله تعالى: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقال الشاعر : طيرة الدهر لا ترد قضاء ** فاعذر الدهر لا تشبه بلوم أي يوم يخصه بسعود ** والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلا وفيه سعود ** ونحوس تجري لقوم فقوم وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : (أقِروا الطير على وكناتها) على ما تقدم بيانه في "المائدة" {قال طائركم عند الله} أي مصائبكم. {بل أنتم قوم تفتنون} أي تمتحنون. وقيل : تعذبون بذنوبكم.

الآية 47

قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله} تقدم معناه. {فإذا هم فريقان يختصمون} قال مجاهد : أي مؤمن وكافر؛ قال : والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} الأعراف 75 إلى قوله {كافرون}. وقيل : تخاصمهم أن كل فرقة قالت : نحن على الحق دونكم. قوله تعالى: {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} قال مجاهد : بالعذاب قبل الرحمة؛ المعنى : لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب؛ فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار : ايتنا بالعذاب. وقيل : أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب؛ لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. {لولا تستغفرون الله} أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. {لعلكم ترحمون} لكي ترحموا؛ وقد تقدم. قوله تعالى: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقال الشاعر : طيرة الدهر لا ترد قضاء ** فاعذر الدهر لا تشبه بلوم أي يوم يخصه بسعود ** والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلا وفيه سعود ** ونحوس تجري لقوم فقوم وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : (أقِروا الطير على وكناتها) على ما تقدم بيانه في "المائدة" {قال طائركم عند الله} أي مصائبكم. {بل أنتم قوم تفتنون} أي تمتحنون. وقيل : تعذبون بذنوبكم.

الآية 48

قوله تعالى: {وكان في المدينة} أي في مدينة صالح وهي الحجر {تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم. قال الضحاك. كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد، فجلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح : بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم، وذلك من الفساد في الأرض؛ وقاله سعيد بن المسيب. وقيل : فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم. وقيل : غير هذا. واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهل كفر ومعاص جمة؛ وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرهط اسم للجماعة؛ فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والجمع أرهط وأراهط. قال : يا بؤس للحرب التي ** وضعت أراهط فاستراحوا وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قُدَار عاقر الناقة؛ ذكره ابن عطية. قلت : واختلف في أسمائهم؛ فقال الغزنوي: وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق : رأسهم قدار بن سالف ومصدع بن مهرع، فاتبعهم سبعة؛ هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تعرف أسماؤهم. وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه : الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قدار بن سالف؛ وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. السهيلي : ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية؛ غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم : مصدع بن دهر. ويقال دهم، وقدار بن سالف، وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ودعين بن عمير. قلت : وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال : هم دعما ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار، وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام. قوله تعالى: {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} يجوز أن يكون {تقاسموا} فعلا مستقبلا وهو أمر؛ أي قال بعضهم لبعض احلفوا. ويجوز أن يكون ماضيا في معنى الحال كأنه قال : قالوا متقاسمين بالله؛ ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله {يفسدون في الأرض ولا يصلحون. تقاسموا بالله} وليس فيها {قالوا}. {لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه} قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو حاتم. وقرأ حمزة والكسائي : بالتاء فيهما، وضم التاء واللام على الخطاب أي أنهم تخاطبوا بذلك؛ واختاره أبو عبيد. وقرأ مجاهد وحميد بالياء فيهما، وضم الياء واللام على الخبر. والبيات مباغتة العدو ليلا. ومعنى {لوليه} أي لرهط صالح الذي له ولاية الدم. {ما شهدنا مهلك أهله} أي ما حضرنا، ولا ندري من قتله وقتل أهله. والمهلك بمعنى الإهلاك؛ ويجوز أن يكون الموضع. وقرأ عاصم والسلمي : بفتح الميم واللام أي الهلاك؛ يقال : ضرب يضرب مضربا أي ضربا. وقرأ المفضل وأبو بكر : بفتح الميم وجر اللام فيكون اسم المكان كالمجلس لموضع الجلوس؛ ويجوز أن يكون مصدرا؛ كقوله {إليه مرجعكم} هود 4 أي رجوعكم.
الطبعة والمصدر

المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

شارك هذه الصفحة