سورة الجاثية · Al-Jathiya السورة 45 · الصفحة 1 · 37 مقطعاً
الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
الآية 1
قوله تعالى {حم} مبتدأ و{تنزيل} خبره. وقال بعضهم {حم} اسم السورة. و{تنزيل الكتاب}مبتدأ. وخبره {من الله}. والكتاب القرآن. {العزيز} المنيع. {الحكيم} في فعله. وقد تقدم جميع هذا.
الآية 2
قوله تعالى {حم} مبتدأ و{تنزيل} خبره. وقال بعضهم {حم} اسم السورة. و{تنزيل الكتاب}مبتدأ. وخبره {من الله}. والكتاب القرآن. {العزيز} المنيع. {الحكيم} في فعله. وقد تقدم جميع هذا.
الآية 3
قوله تعالى: {إن في السماوات والأرض} أي في خلقهما {لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني المطر. {فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون}تقدم جميعه. وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات {وتصريف الرياح آيات} بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم {إن} وخبرها {في السموات}. ووجه الكسر في {آيات} الثاني العطف على ما عملت فيه؛ التقدير : إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. فأما الثالث فقيل : إن وجه النصب فيه تكرير {آيات} لما طال الكلام؛ كما تقول : ضرب زيدا زيدا. وقيل : إنه على الحمل على ما عملت فيه {إن} على تقدير حذف {في}؛ التقدير : وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت {في} لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف : أكلَّ امرئ تحسِبِين امرأ ** ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا فحذف {كل} المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل : هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه سيبوبه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين؛ فعطف {واختلاف}على قوله : (وفي خلقكم) ثم قال : (وتصريف الرياح آيات) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع {إن} مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين؛ لأنه عطف {واختلاف} على {وفي خلقكم}، وعطف {آيات} على موضع {آيات} الأول، ولكنه يقدر على تكرير {في}. ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع {واختلاف} و{آيات} جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات.
الآية 4
قوله تعالى: {إن في السماوات والأرض} أي في خلقهما {لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني المطر. {فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون}تقدم جميعه. وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات {وتصريف الرياح آيات} بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم {إن} وخبرها {في السموات}. ووجه الكسر في {آيات} الثاني العطف على ما عملت فيه؛ التقدير : إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. فأما الثالث فقيل : إن وجه النصب فيه تكرير {آيات} لما طال الكلام؛ كما تقول : ضرب زيدا زيدا. وقيل : إنه على الحمل على ما عملت فيه {إن} على تقدير حذف {في}؛ التقدير : وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت {في} لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف : أكلَّ امرئ تحسِبِين امرأ ** ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا فحذف {كل} المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل : هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه سيبوبه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين؛ فعطف {واختلاف}على قوله : (وفي خلقكم) ثم قال : (وتصريف الرياح آيات) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع {إن} مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين؛ لأنه عطف {واختلاف} على {وفي خلقكم}، وعطف {آيات} على موضع {آيات} الأول، ولكنه يقدر على تكرير {في}. ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع {واختلاف} و{آيات} جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات.
الآية 5
قوله تعالى: {إن في السماوات والأرض} أي في خلقهما {لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني المطر. {فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون}تقدم جميعه. وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات {وتصريف الرياح آيات} بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم {إن} وخبرها {في السموات}. ووجه الكسر في {آيات} الثاني العطف على ما عملت فيه؛ التقدير : إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. فأما الثالث فقيل : إن وجه النصب فيه تكرير {آيات} لما طال الكلام؛ كما تقول : ضرب زيدا زيدا. وقيل : إنه على الحمل على ما عملت فيه {إن} على تقدير حذف {في}؛ التقدير : وفي اختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت {في} لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف : أكلَّ امرئ تحسِبِين امرأ ** ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا فحذف {كل} المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل : هو من باب العطف على عاملين. ولم يجزه سيبوبه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين؛ فعطف {واختلاف}على قوله : (وفي خلقكم) ثم قال : (وتصريف الرياح آيات) فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع {إن} مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين؛ لأنه عطف {واختلاف} على {وفي خلقكم}، وعطف {آيات} على موضع {آيات} الأول، ولكنه يقدر على تكرير {في}. ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع {واختلاف} و{آيات} جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات.
الآية 6
قوله تعالى: {تلك آيات الله} أي هذه آيات الله أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته. {نتلوها عليك بالحق} أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرئ {يتلوها}بالياء. {فبأي حديث بعد الله} أي بعد حديث الله وقيل بعد قرآنه {وآياته يؤمنون} وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرأ ابن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي {تؤمنون} بالتاء على الخطاب.
الآية 7
قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم} {ويل} واد في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك : الكذاب. والإفك الكذب. أثيم أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي : النضر بن الحارث وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه. {يسمع آيات الله تتلى عليه} يعني آيات القرآن. {ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها} أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل : أصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه. و{أن} من {كان} مخففة من الثقيلة؛ كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن؛ كما في قوله : كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول {لقمان} القول في هذه الآية. وتقدم معنى {فبشره بعذاب أليم} في {البقرة}.
الآية 8
قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم} {ويل} واد في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك : الكذاب. والإفك الكذب. أثيم أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي : النضر بن الحارث وعن ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه. {يسمع آيات الله تتلى عليه} يعني آيات القرآن. {ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها} أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل : أصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه. و{أن} من {كان} مخففة من الثقيلة؛ كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن؛ كما في قوله : كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول {لقمان} القول في هذه الآية. وتقدم معنى {فبشره بعذاب أليم} في {البقرة}.
الآية 9
قوله تعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا} نحو قوله في الزقوم : إنه الزبد والتمر وقوله في خزنة جهنم : إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. {أولئك لهم عذاب مهين} مذل مخز. {من ورائهم جهنم} أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم. وقال ابن عباس {من ورائهم جهنم} أي أمامهم، نظيره {من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم : 16] أي من أمامه. قال : أليس ورائي إن تراخت منيتي ** أدب مع الولدان أزحف كالنسر {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا} أي من المال والولد؛ نظيره {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} [آل عمران : 10] أي من المال والولد. {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} يعني الأصنام. {ولهم عذاب عظيم} أي دائم مؤلم.
الآية 10
قوله تعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا} نحو قوله في الزقوم : إنه الزبد والتمر وقوله في خزنة جهنم : إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. {أولئك لهم عذاب مهين} مذل مخز. {من ورائهم جهنم} أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم. وقال ابن عباس {من ورائهم جهنم} أي أمامهم، نظيره {من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم : 16] أي من أمامه. قال : أليس ورائي إن تراخت منيتي ** أدب مع الولدان أزحف كالنسر {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا} أي من المال والولد؛ نظيره {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} [آل عمران : 10] أي من المال والولد. {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} يعني الأصنام. {ولهم عذاب عظيم} أي دائم مؤلم.
الآية 11
قوله تعالى: {هذا هدى} ابتداء وخبر؛ يعني القرآن. وقال ابن عباس : يعني كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. {والذين كفروا بآيات ربهم} أي جحدوا دلائله. {لهم عذاب من رجز أليم} الرجز العذاب؛ أي لهم عذاب من عذاب أليم دليله قوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة : 59] أي عذابا. وقيل : الرجز القذر مثل الرجس؛ وهو كقوله تعالى: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم : 16] أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر. وضم الراء من الرجز ابن محيصن حيث وقع. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحفص {أليم} بالرفع؛ على معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز.
الآية 12
قوله تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم. {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما {جميعا منه} بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو : وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها {منه} أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا {جميعا منه} على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.
الآية 13
قوله تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم. {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما {جميعا منه} بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو : وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها {منه} أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا {جميعا منه} على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.
الآية 14
قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا} جزم على جواب {قل} تشبيها بالشرط والجزاء كقولك : قم تصب خيرا. وقيل : هو على حذف اللام. وقيل : على معنى قل لهم اغفروا يغفروا؛ فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه؛ قال علي بن عيسى واختاره ابن العربي. ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به. قال ابن العربي : وهذا لم يصح. وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبدالله بن أبي في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها {المريسيع} فأرسل عبدالله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه فقال : ما حبسك؟ قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبدالله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك. فبلغ عمر رضي الله عنه قول، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله؛ فأنزل الله هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. وروى عنه ميمون بن مهران قال : لما نزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [بقرة : 245] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص : احتاج رب محمد! قال : فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه؛ فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله). وأعلم أن عمر قد اشتمل عل سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، فلما جاء قال : (يا عمر، ضع سيفك) قال : يا رسول الله، صدقت. أشهد أنك أرسلت بالحق. قال : (فإن ربك يقول : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) قال : لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي. قلت : وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول القرظي والسدي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة. ومعنى {يغفروا} يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى {لا يرجون أيام الله} أي لا يرجون ثوابه. وقيل : أي لا يخافون بأس الله ونقمه. وقيل : الرجاء بمعنى الخوف؛ كقوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح : 13] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى : لا تخشون مثل عذاب الأمم الخالية. والأيام يعبر بها عن الوقائع. وقيل : لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل : المعنى لا يخافون البعث.{ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} قراءة العامة {ليجزي} بالياء على معنى ليجزي الله. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر {لنجزي} بالنون على التعظيم. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة {ليجزى} بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول، {قوما} بالنصب. قال أبو عمرو : وهذا لحن ظاهر. وقال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما، نظيره {وكذلك نجي المؤمنين} على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة [الأنبياء]. قال الشاعر : ولو وَلَدت قُفيرة جَرْوَ كَلْب ** لَسُبَّ بذلك الجروِ الكلابا أي لَسُبَّ السَّبَ.
الآية 15
تقدم.
الآية 16
قوله تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة. {والحكم والنبوة} الحكم : الفهم في الكتاب. وقيل : الحكم على الناس والقضاء. و {النبوة} يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. {ورزقناهم من الطيبات} أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل : يعني المن والسلوى في التيه. {وفضلناهم على العالمين} أي على عالمي زمانهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} قال ابن عباس : يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل : بينات الأم شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} يريد يوشع بن نون؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش. وقيل {إلا من بعد ما جاءهم العلم} نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. {بغيا بينهم} أي حسدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال معناه الضحاك. قيل : معنى {بغيا} أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. {إن ربك يقضي بينهم} أي يحكم ويفصل. {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} في الدنيا.
الآية 17
قوله تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة. {والحكم والنبوة} الحكم : الفهم في الكتاب. وقيل : الحكم على الناس والقضاء. و {النبوة} يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. {ورزقناهم من الطيبات} أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل : يعني المن والسلوى في التيه. {وفضلناهم على العالمين} أي على عالمي زمانهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} قال ابن عباس : يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل : بينات الأم شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} يريد يوشع بن نون؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش. وقيل {إلا من بعد ما جاءهم العلم} نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. {بغيا بينهم} أي حسدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال معناه الضحاك. قيل : معنى {بغيا} أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. {إن ربك يقضي بينهم} أي يحكم ويفصل. {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} في الدنيا.
الآية 18
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى {ثم جعلناك على شريعة من الأمر} الشريعة في اللغة : المذهب والملة. ويقال لمشرعة الماء - وهي مورد الشاربة - : شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالشريعة : ما شرع الله لعباده من الدين؛ والجمع الشرائع. والشرائع في الدين : المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى {جعلناك على شريعة من الأمر} أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. وقال ابن عباس {على شريعة} أي على هدى من الأمر. قتادة : الشريعة الأم والنهي والحدود والفرائض. مقاتل : البينة؛ لأنها طريق إلى الحق. الكلبي : السنة؛ لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. ابن زيد : الدين؛ لأنه طريق النجاة. قال ابن العربي : والأمر يرد في اللغة بمعنيين : أحدهما : بمعنى الشأن كقوله: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} [هود : 97]. والثاني : أحد أقسام الكلام الذي يقابله الذي يقابله النهي. وكلاهما يصح أن يكون مرادا هاهنا؛ وتقديره : ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام؛ كما قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل : 123]. ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه. الثانية: قال ابن العربي : ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا؛ لأن الله تعالى أفرد النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا. {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} يعني المشركين. وقال ابن عباس : قريظة والنضير. وعنه : نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه.
الآية 19
قوله تعالى: {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} أي إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} أي أصدقاء وأنصار وأحباب. قال ابن عباس : يريد أن المنافقين أولياء اليهود. {والله ولي المتقين} أي ناصرهم ومعينهم. والمتقون هنا : الذين اتقوا الشرك والمعاصي.
الآية 20
قوله تعالى: {هذا بصائر للناس} ابتداء وخبر؛ أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرئ {هذه بصائر} أي هذه الآيات. {وهدى} أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به. {ورحمة} في الآخرة {لقوم يوقنون}.
الآية 21
قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي اكتسبوها. والاجتراح : الاكتساب؛ ومنه الجوارح، وقد تقدم. {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال الكلبي {الذين اجترحوا} عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. و {الذين آمنوا} علي وحمزة وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل : نزلت في قوم من المشركين قالوا : إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن؛ كما أخبر الرب عنهم في قوله {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [فصلت : 50]. وقوله {أم حسب} استفهام معطوف معناه الإنكار. وأهل العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب. وقوم يقولون : فيه إضمار؛ أي والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم. وقيل : هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة العامة {سواء} بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم، أي محياهم ومماتهم سواء. والضمير في {محياهم ومماتهم} يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش بالنصب، واختاره أبو عبيد قال : معناه نجعلهم سواء. وقرأ الأعمش أيضا وعيسى بن عمر {ومماتهم} بالنصب؛ على معنى سواء في محياهم ومماتهم؛ فلما أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون بد لا من الهاء والميم في نجعلهم؛ المعنى : أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في {محياهم ومماتهم} للكفار والمؤمنين جميعا. قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال : قال رجل من أهل مكة : هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية كلها. وقال بشير : بتُّ عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وقال إبراهيم بن الأشعث : كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول : ليت، شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة.
الآية 22
قوله تعالى: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} أي بالأمر الحق. {ولتجزى} أي ولكي تجزى. {كل نفس بما كسبت} أي في الآخرة. {وهم لا يظلمون}.
الآية 23
قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال ابن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه؛ فلا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال عكرمة : أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه؛ فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر؛ فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة : إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة. وقيل : المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل : في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه : أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى: {واتبع هواه فمثله كمثل الكلب}[الأعراف : 176]. وقال تعالى: {واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف : 28]. وقال تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله} [الروم : 29]. وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص : 50]. وقال تعالى:{ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص : 26]. وقال عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم {لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به}. وقال أبو أمامة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى}. وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله). وقال عليه السلام: (إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة). وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب). وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه؛ فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول : إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ** فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال : هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال : نون الهوان من الهوى مسروقة ** فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال آخر : إن الهوى لهو الهوان بعينه ** فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ** فاخضع لحبك كائنا من كانا ولعبدالله بن المبارك : ومن البلايا للبلاء علامـــة ** ألا يرى لك عن هواك نــزوع العبد عبد النفس في شهواتها ** والحر يـــشبع تارة ويـجوع ولابن دريد : إذا طالبتك النفس يوما بشهوة ** وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما ** هواك عدو والخلاف صديق ولأبي عبيد الطوسي : والنفس إن أعطيتها مناها ** فاغرة نحو هواها فاها وقال أحمد بن أبي الحوارى : مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له : أنت عليل. قال نعم. قلت : مذ كم؟ قال : مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال : قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال : مخالفة الهوى. وقال سهل بن عبدالله التري : هواك داؤك. فان خالفته فدواؤك. وقال وهب : إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه؛ وحسبك بقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى} [النازعات : 41]. قوله تعالى: {وأضله الله على علم} أي على علم قد علمه منه. وقيل : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس : أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل : على علم منه أنه ضال؛ والمعنى متقارب. وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: {على علم} يجوز أن يكون حالا من الفاعل؛ المعنى : أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ويجوز أن يكون حالا من المفعول؛ فيكون المعنى : أضله في حال علم الكافر بأنه ضال. {وختم على سمعه وقلبه} أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. {وجعل على بصره غشاوة} أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزه والكسائي: {غشوة} بفتح الغين من غير ألف وقال الشاعر : أمـــا والذي أنا عبد له ** يمينا ومالك أبدى اليمينا لئن كنت ألبستني غشوة ** لقد كنت أصفيتك الود حينا {فمن يهديه من بعد الله} أي من بعد أن أضله. {أفلا تتذكرون} تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية وسلك سبيلهم في الاعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل: {وختم على سمعه وقلبه} إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. وقيل : إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم؛ كما تقدم في أول [البقرة]. وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة. وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل : والله إني لأعلم إنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك!؟ قال : يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين؛ فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم إنه لصادق! قال : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت {وختم على سمعه وقلبه}.
الآية 24
قوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ومعنى {نموت ونحيا} أي نموت نحن وتحيا أولادنا؛ قال الكلبي. وقرئ {ونحيا} بضم النون. وقيل : يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل : فيه تقديم وتأخير؛ أي نحيا ونموت؛ وهي قراءة ابن مسعود. {وما يهلكنا إلا الدهر} قال مجاهد : يعني السنين والأيام. وقال قتادة : إلا العمر، والمعنى واحد. وقرئ {إلا دهر يمر}. وقال ابن عيينة : كان أهل الجاهلية يقولون : الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا؛ فنزلت هذه الآية. وقال قطرب : وما يهلكنا إلا الموت؛ وأنشد قول أبي ذؤيب : أمن المنون وريبها تتوجع ** والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال عكرمة : أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار). قلت : قوله {قال الله} إلى آخره نص البخاري ولفظه. وخرجه مسلم أيضا وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر). وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن الدهر من أسماء الله. وقال : من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها؛ فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية؛ فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر؛ أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه؛ فنهوا عن ذلك. ودل على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم...) الحديث. ولقد أحسن من قال، وهو أبو علي الثقفي : يا عاتب الدهر إذا نابه ** لا تلـم الدهر على غدره الدهر مأمور، لـه آمر ** وينتهي الدهر إلى أمـره كم كافر أمواله جمة ** تــزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم ** يزداد إيمانا على فــقره وروي أن سالم بن عبدالله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال : إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد : فما الدهر بالجاني لشيء لحَيْنة ** ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثا ** على معشر يجعل مياسيرهم عسرا وقال أبو عبيد : ناظرت بعض الملحدة فقال : ألا تراه يقول: (فإن الله هو الدهر)؟ فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى : إن محلا وإن مرتحـــلا ** وإن في السفر إذ مضوا مهلا استأثر الله بالوفاء وبالعد ** ل وولى الملامــــة الرجلا قال أبو عبيد : ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب؛ حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه. قال عمرو بن قميئة : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ** فكيف بمن يُرمى وليس برام فلو أنها نــــــبل إذاً لاتقيتها ** ولكنني أرمى بغير سهــام على الراحتين مرة وعلى العــصا ** أنوء ثلاثا بعدهن قيـــامي ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه. {وما لهم بذلك من علم} أي علم. و {من} زائدة؛ أي قالوا ما قالوا شاكين. {إن هم إلا يظنون} أي ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافا، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين؛ فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم؛ فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار؛ لأن هؤلاء يلبسون على الحق، ويغتر بتلبيسهم الظاهر. والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم. وقيل : نموت وتحيا آثارنا؛ فهذه حياة الذكر. وقيل : أشاروا إلى التناسخ؛ أي يموت الرجل فتجعل روحه. في موات فتحيا به.
الطبعة والمصدر
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

