سورة الفتح · Al-Fat-h السورة 48 · الصفحة 1 · 29 مقطعاً
الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
الآية 1
اختلف في هذا الفتح ما هو؟ ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال : الحديبية. وقال جابر : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية. وقال الفراء : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا نعد مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر. وقال الضحاك {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} بغير قتال. وكان الصلح من الفتح. وقال مجاهد : هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه. وقال : كان فتح الحديبية آية عظيمة، نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقال موسى بن عقبة : قال رجل عند منصرفهم من الحديبية : ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا). وقال الشعبي في قوله تعالى{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال : هو فتح الحديبية، لقد أصاب بها ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري : لقد كان الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف. وقال مجاهد أيضا والعوفي : هو فتح خبير. والأول أكثر، وخيبر إنما كانت وعدا وعِدُوه، على ما يأتي بيانه في قوله تعالى{سيقول المخلفون إذا انطلقتم} [الفتح : 10] وقوله {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} [الفتح : 20]. وقال مجمع بن جارية - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - : شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض : ما بال الناس؟ قالوا : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال : فخرجنا نوجف فوجدنا نبي الله صلى الله عليه وسلم عند كراع الغميم، فلما اجتمع الناس قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}فقال عمر بن الخطاب : أو فتح هو يا رسول الله؟ قال : (نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح). فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل أحد إلا من شهد الحديبية. وقيل : إن قوله تعالى { فتحا } يدل على أن مكة فتحت عنوة، لأن اسم الفتح لا يقع مطلقا إلا على ما فتح عنوة. هذا هو حقيقة الاسم. وقد يقال : فتح البلد صلحا، فلا يفهم الصلح إلا بأن يقرن بالفتح، فصار الفتح في الصلح مجازا. والأخبار دالة على أنها فتحت عنوة، وقد مضى القول فيها، ويأتي.
الآية 2
قال ابن الأنباري {فتحا مبينا} غير تام، لأن قوله{ليغفر لك الله ما تقدم} متعلق بالفتح. كأنه قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة، فيجمع الله لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة. وقال أبو حاتم السجستاني : هي لام القسم. وهذا خطأ، لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها، ولو جاز هذا لجاز : ليقوم زيد، بتأويل ليقومن زيد. الزمخشري : فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي : المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب. وفي الترمذي عن أنس قال : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض). ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقالوا : هنيئا مريئا يا وسول الله، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزا عظيما} قال حديث حسن صحيح. وفيه عن مجمع بن جارية. واختلف أهل التأويل في معنى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فقيل {ما تقدم من ذنبك} قبل الرسالة. {وما تأخر}بعدها، قال مجاهد. ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري، قال الطبري : هو راجع إلى قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى قوله {توابا} [النصر: 1 ، 3]. {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} قبل الرسالة {وما تأخر} إلى وقت نزول هذه الآية. وقال سفيان الثوري{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} {ذنبك} ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك. {وما تأخر} كل شيء لم تعمله، وقاله الواحدي. وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة [البقرة]، فهذا قول. وقيل {ما تقدم} قبل الفتح. {وما تأخر}بعد الفتح. وقيل{ما تقدم} قبل نزول هذه الآية. {وما تأخر} بعدها. وقال عطاء الخرساني{ما تقدم من ذنبك} يعني من ذنب أبويك آدم وحواء. {وما تأخر} من ذنوب أمتك. وقيل : من ذنب أبيك إبراهيم. {وما تأخر} من ذنوب النبيين. وقيل{ما تقدم} من ذنب يوم بدر. {وما تأخر} من ذنب يوم حنين. وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر، أنه جعل يدعو ويقول(اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا) وجعل يردد هذا القول دفعات، فأوحى الله إليه : من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا، فكان هذا الذنب المتقدم. وأما الذنب المتأخر فيوم حنين، لما انهزم الناس قال لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان : (ناولاني كفا من حصباء الوادي) فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال : (شاهت الوجوه. حم. لا ينصرون) فانهزم القوم عن آخرهم، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم : (لو لم أرمهم لم ينهزموا) فأنزل الله عز وجل {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال :17] فكان هذا هو الذنب المتأخر. وقال أبو علي الروذباري : يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. قوله تعالى {ويتم نعمته عليك} قال ابن عباس : في الجنة. وقيل : بالنبوة والحكمة. وقيل : بفتح مكة والطائف وخيبر. وقيل : بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر. {ويهديك صراطا مستقيما} أي يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه. {وينصرك الله نصرا عزيزا} أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل.
الآية 3
قال ابن الأنباري {فتحا مبينا} غير تام، لأن قوله{ليغفر لك الله ما تقدم} متعلق بالفتح. كأنه قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة، فيجمع الله لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة. وقال أبو حاتم السجستاني : هي لام القسم. وهذا خطأ، لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها، ولو جاز هذا لجاز : ليقوم زيد، بتأويل ليقومن زيد. الزمخشري : فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي : المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب. وفي الترمذي عن أنس قال : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض). ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقالوا : هنيئا مريئا يا وسول الله، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزا عظيما} قال حديث حسن صحيح. وفيه عن مجمع بن جارية. واختلف أهل التأويل في معنى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فقيل {ما تقدم من ذنبك} قبل الرسالة. {وما تأخر}بعدها، قال مجاهد. ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري، قال الطبري : هو راجع إلى قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى قوله {توابا} [النصر: 1 ، 3]. {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} قبل الرسالة {وما تأخر} إلى وقت نزول هذه الآية. وقال سفيان الثوري{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} {ذنبك} ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك. {وما تأخر} كل شيء لم تعمله، وقاله الواحدي. وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة [البقرة]، فهذا قول. وقيل {ما تقدم} قبل الفتح. {وما تأخر}بعد الفتح. وقيل{ما تقدم} قبل نزول هذه الآية. {وما تأخر} بعدها. وقال عطاء الخرساني{ما تقدم من ذنبك} يعني من ذنب أبويك آدم وحواء. {وما تأخر} من ذنوب أمتك. وقيل : من ذنب أبيك إبراهيم. {وما تأخر} من ذنوب النبيين. وقيل{ما تقدم} من ذنب يوم بدر. {وما تأخر} من ذنب يوم حنين. وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر، أنه جعل يدعو ويقول(اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا) وجعل يردد هذا القول دفعات، فأوحى الله إليه : من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا، فكان هذا الذنب المتقدم. وأما الذنب المتأخر فيوم حنين، لما انهزم الناس قال لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان : (ناولاني كفا من حصباء الوادي) فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال : (شاهت الوجوه. حم. لا ينصرون) فانهزم القوم عن آخرهم، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم : (لو لم أرمهم لم ينهزموا) فأنزل الله عز وجل {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال :17] فكان هذا هو الذنب المتأخر. وقال أبو علي الروذباري : يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. قوله تعالى {ويتم نعمته عليك} قال ابن عباس : في الجنة. وقيل : بالنبوة والحكمة. وقيل : بفتح مكة والطائف وخيبر. وقيل : بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر. {ويهديك صراطا مستقيما} أي يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه. {وينصرك الله نصرا عزيزا} أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل.
الآية 4
قوله تعالى{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} {السكينة} : السكون والطمأنينة. قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في [البقرة]. {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} قال ابن عباس : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله{ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} أي تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الربيع بن أنس : خشية مع خشيتهم. وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم. {ولله جنود السماوات والأرض} قال ابن عباس : يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس {وكان الله عليما} بأحوال خلقه {حكيما} فيما يريده.
الآية 5
أي أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا. ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة. وقيل : اللام في {ليدخل} يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله {ليغفر لك الله} {وكان ذلك}أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران الذنوب. {عند الله فوزا عظيما} أي نجاة من كل غم، وظفرا بكل مطلوب. وقيل : لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قالوا : هنيئا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزل {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} ولما قرأ {ويتم نعمته عليك} قالوا : هنيئا لك، فنزلت {وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة : 3] فلما قرأ {ويهديك صراطا مستقيما} نزل في حق الأمة{ويهديك صراطا مستقيما} [الفتح : 2]. ولما قال{وينصرك الله نصرا عزيزا} [الفتح : 3] نزل{وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم : 47]. وهو كقوله تعالى{إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب : 56]. ثم قال {هو الذي يصلي عليكم} [الأحزاب : 43] ذكره القشيري.
الآية 6
قوله تعالى {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا وأسرا واسترقاقا. {الظانين بالله ظن السوء} يعني ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا }[الفتح : 12]. وقال الخليل وسيبويه{السوء} هنا الفساد. {عليهم دائرة السوء} في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، وفي الآخرة جهنم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دائرة السوء}بالضم. وفتح الباقون. قال الجوهري : ساءه يسوءه سوءا بالفتح ومساءة ومساية، نقيض سره، والاسم السوء بالضم وقرئ {عليهم دائرة السوء} يعني الهزيمة والشر. ومن فتح فهو من المساءة. {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا. ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } تقدم في غير موضع جميعه. والحمد لله. وقيل : لما جرى صلح الحديبية قال ابن أُبي : أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو، فأين فارس والروم فبين الله عز وجل أن جنود السموات والأرض أكثر من فارس والروم. وقيل : يدخل فيه جميع المخلوقات. وقال ابن عباس{ولله جنود السموات} الملائكة. وجنود الأرض المؤمنون. وأعاد لأن الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش، وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين. والمراد في الموضعين التخويف والتهديد. فلو أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.
الآية 7
قوله تعالى {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا وأسرا واسترقاقا. {الظانين بالله ظن السوء} يعني ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا }[الفتح : 12]. وقال الخليل وسيبويه{السوء} هنا الفساد. {عليهم دائرة السوء} في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، وفي الآخرة جهنم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دائرة السوء}بالضم. وفتح الباقون. قال الجوهري : ساءه يسوءه سوءا بالفتح ومساءة ومساية، نقيض سره، والاسم السوء بالضم وقرئ {عليهم دائرة السوء} يعني الهزيمة والشر. ومن فتح فهو من المساءة. {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا. ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } تقدم في غير موضع جميعه. والحمد لله. وقيل : لما جرى صلح الحديبية قال ابن أُبي : أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو، فأين فارس والروم فبين الله عز وجل أن جنود السموات والأرض أكثر من فارس والروم. وقيل : يدخل فيه جميع المخلوقات. وقال ابن عباس{ولله جنود السموات} الملائكة. وجنود الأرض المؤمنون. وأعاد لأن الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش، وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين. والمراد في الموضعين التخويف والتهديد. فلو أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.
الآية 8
قوله تعالى {إنا أرسلناك شاهدا} قال قتادة : على أمتك بالبلاغ. وقيل : شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية. وقيل : مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم. وقيل : شاهدا عليهم يوم القيامة. فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في [النساء] عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا. {ومبشرا} لمن أطاعه بالجنة. {ونذيرا}من النار لمن عصى، قاله قتادة وغيره. وقد مضى في [البقرة] اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما. وانتصب {شاهدا ومبشرا ونذيرا} على الحال المقدرة. حكى سيبويه : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، فالمعنى : إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. وعلى هذا تقول : رأيت عمرا قائما غدا. قوله تعالى {لتؤمنوا بالله ورسوله} قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو {ليؤمنوا}بالياء، وكذلك {يعزروه ويوقروه ويسبحوه} كله بالياء على الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده، فأما قبله فقوله {ليدخل} وأما بعده فقوله{إن الذين يبايعونك}[الفتح : 10] الباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. {وتعزروه} أي تعظموه وتفخموه، قاله الحسن والكلبي، والتعزيز : التعظيم والتوقير. وقال قتادة : تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحد. لأنه مانع. قال القطامي : ألا بكرت مي بغير سفاهة ** تعاتب والمودود ينفعه العزر وقال ابن عباس وعكرمة : تقاتلون معه بالسيف. وقال بعض أهل اللغة : تطيعوه. {وتوقروه}أي تسودوه، قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير : التعظيم والتّرْزِين أيضا. والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم. وهنا وقف تام، ثم تبتدئ {وتسبحوه}أي تسبحوا الله {بكرة وأصيلا}أي عشيا. وقيل : الضمائر كلها لله تعالى، فعلى هذا يكون تأويل {تعزروه وتوقروه} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. واختار هذا القول القشيري. والأول قول الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو {وتسبحوه}من غير خلاف. وبعضه راجعا إلى رسول صلى الله عليه وسلم وهو {وتعزروه وتوقروه} أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية. وفي {تسبحوه} وجهان : تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح. والثاني : هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. {بكرة وأصيلا} أي غدوة وعشيا. وقد مضى القول فيه. وقال الشاعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله ** وأجلس في أفيائه بالأصائل
الآية 9
قوله تعالى {إنا أرسلناك شاهدا} قال قتادة : على أمتك بالبلاغ. وقيل : شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية. وقيل : مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم. وقيل : شاهدا عليهم يوم القيامة. فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في [النساء] عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا. {ومبشرا} لمن أطاعه بالجنة. {ونذيرا}من النار لمن عصى، قاله قتادة وغيره. وقد مضى في [البقرة] اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما. وانتصب {شاهدا ومبشرا ونذيرا} على الحال المقدرة. حكى سيبويه : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، فالمعنى : إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. وعلى هذا تقول : رأيت عمرا قائما غدا. قوله تعالى {لتؤمنوا بالله ورسوله} قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو {ليؤمنوا}بالياء، وكذلك {يعزروه ويوقروه ويسبحوه} كله بالياء على الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده، فأما قبله فقوله {ليدخل} وأما بعده فقوله{إن الذين يبايعونك}[الفتح : 10] الباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. {وتعزروه} أي تعظموه وتفخموه، قاله الحسن والكلبي، والتعزيز : التعظيم والتوقير. وقال قتادة : تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحد. لأنه مانع. قال القطامي : ألا بكرت مي بغير سفاهة ** تعاتب والمودود ينفعه العزر وقال ابن عباس وعكرمة : تقاتلون معه بالسيف. وقال بعض أهل اللغة : تطيعوه. {وتوقروه}أي تسودوه، قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير : التعظيم والتّرْزِين أيضا. والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم. وهنا وقف تام، ثم تبتدئ {وتسبحوه}أي تسبحوا الله {بكرة وأصيلا}أي عشيا. وقيل : الضمائر كلها لله تعالى، فعلى هذا يكون تأويل {تعزروه وتوقروه} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. واختار هذا القول القشيري. والأول قول الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو {وتسبحوه}من غير خلاف. وبعضه راجعا إلى رسول صلى الله عليه وسلم وهو {وتعزروه وتوقروه} أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية. وفي {تسبحوه} وجهان : تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح. والثاني : هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. {بكرة وأصيلا} أي غدوة وعشيا. وقد مضى القول فيه. وقال الشاعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله ** وأجلس في أفيائه بالأصائل
الآية 10
قوله تعالى {إن الذين يبايعونك} بالحديبية يا محمد. {إنما يبايعون الله} بين أن بيعتهم لنبيه إنما هي بيعة الله، كما قال تعالى{من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء : 80]. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان، على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى. {يد الله فوق أيديهم} قيل : يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة. وقال الكلبي : معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة. وقال ابن كيسان : قوه الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. {فمن نكث} بعد البيعة. {فإنما ينكث على نفسه} أي يرجع ضرر النكث عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب. {ومن أوفى بما عاهد عليه الله} قيل في البيعة. وقيل في إيمانه. وقرأ حفص والزهري {عليه} بضم الهاء. وجرها الباقون. {فسيؤتيه أجرا عظيما}يعني في الجنة. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر {فسنؤتيه} بالنون. واختاره الفراء وأبو معاذ. وقرأ الباقون بالياء. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقرب اسم الله منه.
الآية 11
قوله تعالى{سيقول لك المخلفون من الأعراب} قال مجاهد وابن عباس : يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل، فنزلت. وإنما قال {المخلفون}لأن الله خلفهم عن صحبة نبيه. والمخلف المتروك. وقد مضى في [التوبة]. {شغلتنا أموالنا وأهلونا} أي ليس لنا من يقوم بهما. {فاستغفر لنا} جاؤوا يطلبون الاستغفار واعتقادهم بخلاف ظاهرهم، ففضحهم الله تعالى بقوله { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وهذا هو النفاق المحض. قوله تعالى{قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا }قرأ حمزة والكسائي {ضرا}بضم الضاد هنا فقط، أي أمرا يضركم. وقال ابن عباس : الهزيمة. الباقون بالفتح، وهو مصدر ضررته ضرا. وبالضم اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والمصدر يؤدي عن المرة وأكثر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا : لأنه قابله بالنفع وهو ضد الضر. وقيل : هما لغتان بمعنى، كالفقر والفقر والضعف والضعف. {أو أراد بكم نفعا}أي نصرا وغنيمة. وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع.
الآية 12
قوله تعالى{بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} وذلك أنهم قالوا : إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون. {وزين ذلك} أي النفاق. {في قلوبكم}وهذا التزيين من الشيطان، أو يخلق الله ذلك في قلوبهم. {وظننتم ظن السوء} أن الله لا ينصر رسوله. {وكنتم قوما بورا} أي هلكى، قاله مجاهد. وقال قتادة : فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير. قال الجوهري : البور : الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قال عبدالله بن الزبعرى السهمي : يا رسول المليك إن لساني ** راتق ما فتقت إذ أنا بور وامرأة بور أيضا، حكاه أبو عبيد. وقوم بور هلكى. قال تعالى {وكنتم قوما بورا} وهو جمع بائر، مثل حائل وحول. وقد بار فلان أي هلك. وأباره الله أي أهلكه. وقيل{بورا}أشرارا، قاله ابن بحر. وقال حسان بن ثابت : لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد ** يهدي الإله سبيل المعشر البور أي الهالك.
الآية 13
وعيد لهم، وبيان أنهم كفروا بالنفاق.
الآية 14
أي هو غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى.
الآية 15
قوله تعالى {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} يعني مغانم خيبر، لأن الله عز وجل وعد أهل الحديبية فتح خيبر، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر. ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبدالله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضر. قال ابن إسحاق : وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار، كانا حاسبين قاسمين. {ذرونا نتبعكم } أي دعونا. تقول : ذره، أي دعه. وهو يذره، أي يدعه. وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه. وقد أُمِيت صدره، لا يقال : وذره ولا واذر، ولكن تركه وهو تارك. قال مجاهد : تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قوما ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم. {يريدون أن يبدلوا كلام الله} أي يغيروا. قال ابن زيد : هو قوله تعالى {فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } [التوبة : 83] الآية. وأنكر هذا القول الطبري وغيره، بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة. وقيل : المعنى يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد لأهل الحديبية، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح، قاله مجاهد وقتادة، واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل. وقرأ حمزة والكسائي {كلم} بإسقاط الألف وكسر اللام جمع كلمة، نحو سلمة وسلم. الباقون {كلام} على المصدر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اعتبارا بقوله {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144]. والكلام : ما استقل بنفسه من الجمل. قال الجوهري : الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير. والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة، مثل نبقة ونبق. ولهذا قال سيبويه : هذا باب علم ما الكلم من العربية ولم يقل ما الكلام، لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء : الاسم والفعل والحرف، فجاء بما لا يكون إلا جمعا، وترك ما يمكن أن يقع على الواحد والجماعة. وتميم تقول : هي كلمة، بكسر الكاف، وقد مضى في [التوبة] القول فيها. قوله تعالى{كذلكم قال الله من قبل} أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. {فسيقولون بل تحسدوننا} أن نصيب معكم من الغنائم. وقيل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم). فقالوا : هذا حسد. فقال المسلمون : قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى{فسيقولون بل تحسدوننا} فقال الله تعالى {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل : لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا، وهو ترك القتال.
الآية 16
فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى {قل للمخلفين من الأعراب} أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية. {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني : هم فارس. وقال كعب والحسن وعبدالرحمن بن أبي ليلى : الروم. وعن الحسن أيضا : فارس والروم. وقال ابن جبير : هوازن وثقيف. وقال عكرمة : هوازن. وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وقال رافع بن خديج : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد. وظاهر الآية يرده. الثانية: في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه السلام، لأنه قال {لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. الزمخشري : فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين. أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى {تقاتلونهم أو يسلمون} هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية، وهو معطوف على {تقاتلونهم} أي يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة وإما الإسلام، لا ثالث لهما. وفي حرف أُبي {أو يسلموا}بمعنى حتى يسلموا، كما تقول : كل أو تشبع، أي حتى تشبع. قال : فقلت له لا تبك عينك إنما ** نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال الزجاج : قال {أو يسلمون} لأن المعنى أو هم يسلمون من غير قتال. وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب. الرابعة : قوله تعالى:{فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا }الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. {وإن تتولوا كما توليتم من قبل} عام الحديبية. {يعذبكم عذابا أليما }وهو عذاب النار.
الآية 17
قال ابن عباس : لما نزلت {وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم. وقد مضى في [التوبة] وغيرها الكلام فيه مبينا. والعرج : آفة تعرض لرجل واحدة، وإذا كان ذلك مؤثرا فخلل الرجلين أولى أن يؤثر. وقال مقاتل : هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم. أي من شاء أن يسير منهم معكم إلى خيبر فليفعل. {ومن يطع الله ورسوله} فيما أمره. {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} قرأ نافع وابن عامر {ندخله} بالنون على التعظيم. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدم اسم الله أولا. {ومن يتول يعذبه عذابا أليما}.
الآية 18
قوله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} هذه بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وهذا خبر الحديبية على اختصار : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام منصرفه من غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة معتمرا، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة. وقيل : ألف وخمسمائة. وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه الهدي، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى (كراع الغميم) فورد الخبر بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (بعسفان) وكان المخبر له بشر بن سفيان الكعبي، فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، وكان دليله فيهم رجل من أسلم، فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس : خلأت خلأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها). ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك، فقيل : يا رسول الله، ليس بهذا الوادي ماء فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش. وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ. وقيل : نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب، ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف عليه الصلاة والسلام عامه ذلك، فإذا كان من قابِلٍ أتى معتمِرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح، حاشا السيوف في قِربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين، فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا، فقال لأصحابه (اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه) فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم، وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله، وقالوا له : لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم. فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح : (امح يا علي، واكتب باسمك اللهم) فأبى علي أن يمحو بيده محمد رسول الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اعرضه علي) فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأمره أن يكتب (من محمد بن عبدالله). وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يَرْسُف في قيوده، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، فعظم ذلك على المسلمين، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا جندل (أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولا، فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة، فروي أنه بايعهم على الموت. وروي أنه بايعهم على ألا يفروا. وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها. وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال : بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل : كم كانوا يوم الحديبية؟ قال : كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. وعن سالم بن أبي الجعد قال : سألت جابر بن عبدالله عن أصحاب الشجرة. فقال : لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة. وفي رواية : كنا خمس عشرة مائة. وعن عبدالله بن أبي أوفى قال : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين. وعن يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال : على الموت. وعن البراء بن عازب قال : كتب علي رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب : هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : (امحه). فقال : ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وكان فيما اشترطوا : أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح. قلت لأبي إسحاق وما جلبان السلاح؟ قال : القراب وما فيه. وعن أنس : أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل بن عمرو : أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم. فقال : (اكتب من محمد رسول الله) قالوا : لو علمنا أنك رسوله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اكتب من محمد بن عبدالله) فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم : أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا : يا رسول الله، أنكتب هذا قال : (نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا). وعن أبي وائل قال : قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان ببن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين. فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال (بلى) قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال (بلى) قال ففيم نعطي الدّنِيّة في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا) قال : فانطلق عمر، فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال بلى. قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال : يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال : فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال : يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال (نعم). فطابت نفسه ورجع. قوله تعالى{فعلم ما في قلوبهم} من الصدق والوفاء، قاله الفراء. وقال ابن جريج وقتادة : من الرضا بأمر البيعة على ألا يفروا. وقال مقاتل : من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت {فأنزل السكينة عليهم} حتى بايعوا. وقيل {فعلم ما في قلوبهم}من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، إذا رأى أنه يدخل الكعبة، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما ذلك رؤيا منام). وقال الصديق : لم يكن فيها الدخول في هذا العام. والسكينة : الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد. وقيل الصبر. {وأثابهم فتحا قريبا } قال قتادة وابن أبي ليلى : فتح خيبر. وقيل فتح مكة. وقرئ {وآتاهم} {ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني أموال خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة. فـ {مغانم} على هذا بدل من {فتحا قريبا } والواو مقحمة. وقيل {ومغانم } فارس والروم.
الآية 19
قوله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} هذه بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وهذا خبر الحديبية على اختصار : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام منصرفه من غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة معتمرا، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة. وقيل : ألف وخمسمائة. وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه الهدي، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى (كراع الغميم) فورد الخبر بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (بعسفان) وكان المخبر له بشر بن سفيان الكعبي، فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، وكان دليله فيهم رجل من أسلم، فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس : خلأت خلأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها). ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك، فقيل : يا رسول الله، ليس بهذا الوادي ماء فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش. وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ. وقيل : نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب، ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف عليه الصلاة والسلام عامه ذلك، فإذا كان من قابِلٍ أتى معتمِرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح، حاشا السيوف في قِربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين، فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا، فقال لأصحابه (اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه) فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم، وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله، وقالوا له : لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم. فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح : (امح يا علي، واكتب باسمك اللهم) فأبى علي أن يمحو بيده محمد رسول الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اعرضه علي) فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأمره أن يكتب (من محمد بن عبدالله). وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يَرْسُف في قيوده، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، فعظم ذلك على المسلمين، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا جندل (أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولا، فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة، فروي أنه بايعهم على الموت. وروي أنه بايعهم على ألا يفروا. وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها. وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال : بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل : كم كانوا يوم الحديبية؟ قال : كنا أربع عشرة مائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. وعن سالم بن أبي الجعد قال : سألت جابر بن عبدالله عن أصحاب الشجرة. فقال : لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة. وفي رواية : كنا خمس عشرة مائة. وعن عبدالله بن أبي أوفى قال : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين. وعن يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال : على الموت. وعن البراء بن عازب قال : كتب علي رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب : هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : (امحه). فقال : ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وكان فيما اشترطوا : أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح. قلت لأبي إسحاق وما جلبان السلاح؟ قال : القراب وما فيه. وعن أنس : أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل بن عمرو : أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم. فقال : (اكتب من محمد رسول الله) قالوا : لو علمنا أنك رسوله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اكتب من محمد بن عبدالله) فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم : أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا : يا رسول الله، أنكتب هذا قال : (نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا). وعن أبي وائل قال : قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان ببن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين. فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال (بلى) قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال (بلى) قال ففيم نعطي الدّنِيّة في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا) قال : فانطلق عمر، فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال بلى. قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال : يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال : فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال : يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال (نعم). فطابت نفسه ورجع. قوله تعالى{فعلم ما في قلوبهم} من الصدق والوفاء، قاله الفراء. وقال ابن جريج وقتادة : من الرضا بأمر البيعة على ألا يفروا. وقال مقاتل : من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت {فأنزل السكينة عليهم} حتى بايعوا. وقيل {فعلم ما في قلوبهم}من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، إذا رأى أنه يدخل الكعبة، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما ذلك رؤيا منام). وقال الصديق : لم يكن فيها الدخول في هذا العام. والسكينة : الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد. وقيل الصبر. {وأثابهم فتحا قريبا } قال قتادة وابن أبي ليلى : فتح خيبر. وقيل فتح مكة. وقرئ {وآتاهم} {ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني أموال خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة. فـ {مغانم} على هذا بدل من {فتحا قريبا } والواو مقحمة. وقيل {ومغانم } فارس والروم.
الآية 20
قوله تعالى {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} قال ابن عباس ومجاهد. إنها المغانم التي تكون إلى يوم القيامة. وقال ابن زيد : هي مغانم خيبر. {فعجل لكم هذه} أي خيبر، قاله مجاهد. وقال ابن عباس : عجل لكم صلح الحديبية. {وكف أيدي الناس عنكم} يعني أهل مكة، كفهم عنكم بالصلح. وقال قتادة : كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر. وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله {وهو الذي كف أيديهم عنكم} [الفتح : 24]. وقال ابن عباس : في {كف أيدي الناس عنكم} يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن مالك النضري ومن كان معهما، إذ جاؤوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى الله عليه وسلم محاصر لهم، فألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وكفهم عن المسلمين {ولتكون آية للمؤمنين } أي ولتكون هزيمتهم وسلامتكم آية للمؤمنين، فيعلموا أن الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم. وقيل : أي لتكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين. وقيل : أي ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها. والواو في {ولتكون} مقحمة عند الكوفيين. وقال البصريون : عاطفة على مضمر، أي وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين. {ويهديكم صراطا مستقيما} أي يزيدكم هدى، أو يثبتكم على الهداية.
الآية 21
قوله تعالى {وأخرى} {أخرى}معطوفة على {هذه}، أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى. {لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} قال ابن عباس : هي الفتوح التي فتحت على المسلمين، كأرض فارس والروم، وجميع ما فتحه المسلمون. وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى. وعن ابن عباس أيضا والضحاك وابن زيد وابن إسحاق : هي خيبر، وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وعن الحسن أيضا وقتادة : هو فتح مكة. وقال عكرمة : حنين، لأنه قال {لم تقدروا عليها}. وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة، قال القشيري. وقال مجاهد : هي ما يكون إلى يوم القيامة. ومعنى {قد أحاط الله بها} : أي أعدها لكم. فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل { أحاط الله بها}علم أنها ستكون لكم، كسا قال {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } [الطلاق : 12]. وقيل : حفظها الله عليكم. ليكون فتحها لكم. {وكان الله على كل شيء قديرا}.
الآية 22
قوله تعالى{ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} قال قتادة : يعني كفار قريش في الحديبية. وقيل {ولو قاتلكم} غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر، لكانت الدائرة عليهم. {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل} يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر أوليائه على أعدائه. وانتصب {سنة} على المصدر. وقيل{سنة الله} أي كسنة الله. والسنة الطريقة والسيرة. قال : فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ** فأول راض سنة من يسيرها والسنة أيضا : ضرب من تمر المدينة. {ولن تجد لسنة الله تبديلا}.
الآية 23
قوله تعالى{ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} قال قتادة : يعني كفار قريش في الحديبية. وقيل {ولو قاتلكم} غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر، لكانت الدائرة عليهم. {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل} يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر أوليائه على أعدائه. وانتصب {سنة} على المصدر. وقيل{سنة الله} أي كسنة الله. والسنة الطريقة والسيرة. قال : فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ** فأول راض سنة من يسيرها والسنة أيضا : ضرب من تمر المدينة. {ولن تجد لسنة الله تبديلا}.
الآية 24
قوله تعالى{وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة}وهي الحديبية. {من بعد أن أظفركم عليهم} روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذناهم سلما فاستحييناهم، فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}. وقال عبدالله بن مغفل المزني : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا). قالوا : اللهم لا، فخلى سبيلهم. فأنزل الله تعالى{وهو الذي كف أيدهم عنكم }الآية. وذكر ابن هشام عن وكيع : وكانت قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجلا أو ثمانين رجلا للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم، ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يسمون العتقاء، ومنهم معاوية وأبوه. وقال مجاهد : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا، إذ أخذ أصحابه ناسا من الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك الإظفار ببطن مكة. وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم، اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا باثني عشر فارسا من الكفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (هل لكم علي ذمة) قالوا لا؟ فأرسلهم فنزلت. وقال ابن أبزى والكلبي : هم أهل الحديبية، كف الله أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح، وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين، وكف أيدي المسلمين عنهم. وقد تقدم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين. قال القشيري : فهذه رواية، والصحيح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. وقد قال سلمة بن الأكوع : كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح، قال : فجئت بستة من المشركين أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فأتيت بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان عمر قال في الطريق : يا رسول الله، نأتي قوما حربا وليس معنا سلاح ولا كراع؟ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح وكراع كان فيها، وأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جهل خرج إليك في خمسمائة فارس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد : (هذا ابن عمك أتاك في خمسمائة). فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي بسيف الله، فخرج ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة. وهذه الرواية أصح، وكان بينهم قتال بالحجارة، وقيل بالنبل والظفر. وقيل : أراد بكف اليد أنه شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم، فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردهم الرسول عليه السلام إلى المشركين لحقوا بالساحل، ومنهم أبو بصير، وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم، حتى جاء كبار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : اضممهم إليك حتى نأمن، ففعل. وقيل : همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر، لأنهم كانوا حلفاءهم فمنعهم الله عن ذلك، فهو كف اليد. {ببطن مكة} فيه قولان : أحدهما : يريد به مكة. الثاني : الحديبية، لأن بعضها مضاف إلى الحرم. قال الماوردي : وفي قوله {من بعد أن أظفركم عليهم} بفتح مكة. تكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحا، لقوله عز وجل {كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم}. قلت : الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين. و روى الترمذي قال : حدثنا عبد بن حميد قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أن ثمانين هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه، فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} الآية. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم. وأما فتح مكة فالذي تدل عليه الأخبار أنها إنما فتحت عنوة، وقد مضى القول في ذلك في [الحج] وغيرها. {وكان الله بما تعملون بصيرا}.
الطبعة والمصدر
المصدر الإلكتروني كما في جدول الموقع الأصلي. قد تختلف الصياغة والطبعة عن الطبعات المحققة.

