نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابسفر إدريس عليه السلام
هو سفر العز والرفعة مكانا ومكانة
قال اللّه تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا )
ويقال إنه أول من كتب بالقلم من بني آدم فأول امداد القلم الأعلى له عليه السلام كان قد اسرى به إلى أن بلغ السماء السابعة فصارت السماوات كلها في حورته .
واعلموا ان السماوات كلها قد جعلها اللّه محلا لعلوم الغيبية المتعلقة بم يحدث اللّه في العالم من الكائنات جوهرها وعرضها صغيرها وكبيرها وأحواله وانتقالاتها وما من سماء الاوفيه علم مودع بيد امينها وأودع اللّه نزول ذلك الامر إلى الأرض في حركات أفلاكها وحلول كواكبها في منازل الفلك الثامن
وجعل لكواكب هذه السماوات السبع اجتماعات وافتراقات وصعودا وهبوطا وجعل آثارها مختلفة وجعل منها ما يكون بينه وبين كواكب اخر مناسبة وجعل منها ما يكون بينه وبين كواكب اخر منافرة كلية
وذلك أنه إذا أودع عند الواحد ضد ما أودعه عند الآخر كانت المنافرة ل انهم أعداء وانما ذلك لحقائق خلقهم اللّه تعالى عليها يقضى بذلك ويشغلهم بطاعة ربهم وتسبيحه لا يعصون اللّه ما امرهم كما جاء في خلقه مالك خازن النار انه ما ضحك قط بخلاف رضوان الذي خلق من سرور وفرح وكلاهما عبدان صالحان مطيعان
ليس بينهما عداوة ولا شحناء غير أن الآثار هنا في العالم الأسفل تنبعث عن تلك الحقائق وعندنا اغراضنا قائمة فتقع بيننا التحاسد والعداوة والأصل من ذلك وام عدم المنافرة بين المتناسبين منها فهو ان أوجد الواحد
على خلاف ما أوجد الآخر لا على ضده فكل ضد خلاف وما كل خلاف ضد فان وكيل السماء السابعة يضاد وكيل السماء السادسة حتى أن ما يعلمه صاحب السماء السادسة إذ صار وقت الحكم فيه للملك الموكل فيه في السماء السابعة افسد ما اصلحه صاحب السماء السادسة كما يفعل أيضا صاحب السادسة إذا اصلح ما يفسده صاحب السابعة وكل ملك م عنده انه يفسد
وانما يقول في فعله انه اصلح من حيث إنه امتثل فيه امر ربه وادى ما امن عليه وهو الامر الذي ذكر اللّه تعالى انه أوحى في السماوات
فقال عز من قائل ( وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَه )فإذا انست بهذ القدر وعلمت أنه لا يطعن في العقد والا فأية فائدة كانت في قول اللّه تعالى ( وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ )*
فبما ذا سخرها يا اخى في هذا واشباهه أليس اللّه قد سخر العالم بعضه لبعض
فقال ( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّ )
وقال ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ )
فذكر ان في السماء أمورا مسخرة لنا مثل الأرض فلا يقدح في عقيدة مسلم كونه يعلم ما أوحى في السماء من امرها وفيما ذا سخرها عالمه
ولو كان ذلك لأطرد في الأرض وفي السماء ونحن في كل زمان نهرب إلى الأسباب التي نصبها اللّه لنا وعرفنا بها على جهة انها مسخرة لاعلى انها فاعلة نعوذ باللّه لا اشرك به أحدا وانما كفر الشارع من اعتقد أن الفعل للكواكب لاللّه
وان اللّه يفعل الأشياء بها هذا هو الكفر والشرك واما من يراها مسخرة
وان اللّه اجراها حكمه فلا بل من جهة ما أودع اللّه فيها وما أوحى اللّه فيها من الأمور ورتب فيها من الحكم فقد فاته خير كثير وعلم كبير وماذا بعد الحق ال الضلال .
واعلم أن إدريس عليه السلام لما علم أن اللّه تعالى بالعلم الذي أوحاه اليه قد ربط العالم بعضه ببعضه وسخر بعضه لبعضه ورأى أن عالم الأركان مخصوص بالمولدات رأى اجتماعات الكواكب وافتراقها في المنازل
واختلاف الكائنات واختلاف الحركات الفلكية ورأى السريعة والبطيئة وعرف انه مهما جعل سيره وسفره مع البطى ان السريع يدخل تحت حكمه
فان الحركة دورية لا خطية فلابد أن يرجع عليه دور الصغير السريع فيعلم من مجاورة الهبط فائدة المسرع
فلم ير ذلك الا في السماء السابعة فأقام عندها ثلاثين سنة يدور معها في نطع فلك البروج في مركز تدوير وكيله
وفي الفلك الحامل لفلك التدوير والفلك الحامل لافلاك التداوير هو الذي يدور به فلك البروج فلما عاين ما أوحى اللّه في السماء وعاين ان الكواكب قريبة الاجتماع من برج السرطان
فعلم أنه لابدان يكون اللّه ينزل ماء عظيما وطوفانا عاما لما تحققه من العلم ومشى في دقائق الفلك فعلم الحمل والتفصيل .
ثم نزل فاختص من أبناء دينه وشرعه ممن عرف ان فيه ذكاء وفطنة فعلمهم م شاهد وما أودع اللّه من الاسرار في هذا العلم العلوي
وانه من جملة ما أوحى اللّه في هذه السماوات أنه يكون طوفان عظيم ويهلك الناس وينسى العلم وأراد بقاء هذا العلم على من يأتي بعدهم فأمر بنقشها في الصخور والأحجار ثم رفعه اللّه المكان العلى فنزل بفلك الشمس وهو الفلك الرابع وسط الأفلاك السماوية وهو القلب لان فوقه خمس كور وتحته مثل ذلك
فأعطاه اللّه في هذا السفر الذي رفعه به اليه مقام القطبية والثبات وجعل الامر يدور عليه وعنده يجتمع الصاعد والنازل ونتج له هذا السفر علم الزمان والدهر وما يكون فيه وعلم الزمان من أسنى المعارف الموهوبة نتج له روحانية الليل والنهار وما سكن فيهما فمن سافر إلى عالم قلبه
كما سافر إدريس عاين الملكوت الأفخم وتجلى له الجبروت الأعظم وعاين سر الحياة الذي هو روحها والساري بها في جميع الحيوانات وفرق بين الروح الكثير والروح القليل واعطى كل ذي حق حقه
وعرف من كتب نقوشه السفلية ومراتب ارواحه العلوية وانبعاث الفروع من الأصول وانعطاف الفروع على الوصول وصورة الكون وحكمه الدور وما أشبه هذه المعارف ويكفى هذا القدر من سفر إدريس عليه السلام .
رابط دائم لهذا المقطع: /books/asfaar.php?id=5
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

