نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابفي الوجود والعدم
واعلموا وفّقكم اللّه لطاعته وجعلكم من الفائزين بمعرفته برحمته أنّه لمّا كان الغرض في هذا الكتاب أين مرتبة الإنسان في الوجود ومنزلته في حضرة الجود وبروزه من غيبه بعينه وهل كان متّصفا بحال قبل كونه احتجنا أن نتكلّم على العدم والوجود ولم ذا يرجعان وهل بين ذلك الوجود والعدم ما لا يتّصف بهما أمّ لا .
فجعلت هذا الفصل لهذا الأمر ومعرفته ثمّ بعد ذلك إن شاء اللّه ننشئ الدوائر والجداول ونمدّ الرقائق والحبائل ونبرز الأصول والفروع ونفرق بين المفروق والمجموع وما يتعلّق بهما من الأسماء.
وأين الأرض من الإنسان والسماء وكيفيّات التجليّات وترتيبها على المقامات كلّ ذلك وأشباهه في أبواب مبوّبة في هذا المجموع وأشكال منصوبة بصناعة عمليّة ليقرب على الطالب مأخذ الفوائد والمعاني منها ويتصوّر المعني في نفسه صورة ما نجسّده تسهل عليه العبارة عنها لقوّة حصولها في الخيال.
ويحرص الناظر على استيفاء النظر حتّى يقف على كلّيّته معانيها إن المعني إذ أدخل في قالب الصورة والشكل تعشّق به الحسّ وصار له فرجة يتفرّج عليها ويتنزّه فيه فيؤدّيه ذلك إلى تحقيق ما نصب له ذلك الشكل وجسّدت له تلك الصورة.
فلهذا ما أدخلناه في التصوير والتشكيل فاعلم أنّ الوجود والعدم ليسا بشيء زائد على الموجود والمعدوم لكن هو نفس الموجود والمعدوم لكنّ الوهم يتخيّل أنّ الوجود والعدم صفتان راجعتان إلى الموجود والمعدوم ويتخيّلهما كالبيت والموجود والمعدوم قد دخلا فيه.
ولهذا تقول قد دخل هذا الشيء في الوجود بعد أن لم يكن وإنّما المراد بذلك عند المتحذلقين أنّما معناه أنّ هذا الشيء وجد في عينه.
فالوجود والعدم عبارتان عن إثبات عين الشيء أو نفيه ثمّ إذا ثبت عين الشيء أو انتفى فقد يجوز عليه الاتّصاف بالعدم والوجود معا وذلك بالنسبة والإضافة فيكون زيد الموجود في عينه موجودا في السّوق معدوما في الدار.
فلو كان العدم والوجود من الأوصاف الّتي ترجع إلى الموجود كالسواد والبياض لاستحال وصفه بهما معا بل كان إذا كان معدوما لم يكن موجودا.
كما أنّه إذا كان أسود لا يكون أبيض وقد صحّ وصفه بالعدم والوجود معا في زمان واحد هذا هو الوجود الإضافيّ والعدم مع ثبوت العين.
فإذا صحّ أنّه ليس بصفة قائمة بموصوف محسوس ولا بموصوف معقول وحده دون إضافة فيثبت أنّه من باب الإضافات والنسب مطلقا مثل المشرق والمغرب واليمين والشمال والأمام والوراء فلا يخصّ بهذا الوصف وجود دون وجود.
فإن قيل كيف يصحّ أن يكون الشيء معدوما في عينه يتّصف بالوجود في عالم ما أو بنسبة ما فيكون موجودا في عينه معدوما بنسبة ما فنقول نعم لكلّ شيء في الوجود أربع مراتب إلّا اللّه تعالى .
فإنّ له في الوجود المضاف ثلث مراتب المرتبة الأولى وجود الشيء في عينه وهي المرتبة الثانية بالنظر إلى علم الحقّ بالمحدث.
والمرتبة الثانية وجوده في العلم وهي المرتبة الأولى بالنظر إلى علم اللّه تعالى بنا .
والمرتبة الثالثة وجوده في الألفاظ.
والمرتبة الرابعة وجوده في الرقوم ووجود اللّه الحقّ تعالى بالنظر إلى علمنا على هذه المراتب ما عدا مرتبة العلم.
هذا هو الإدراك الّذي حصل بأيدينا اليوم ولا أدرى إذا وقعت المعاينة البصريّة المقدّرة في الشرع هل يحصل في نفوسنا علم إثبات أو مزيد وضوح في جنس العلم الّذي بأيدينا اليوم منه في علمنا به سبحانه.
فإن كان كذلك فليس له إلّا ثلث مراتب وإن كان يوجب النظر إثباتا في الدار الآخرة أو حيث وقعت المعاينة لمن وقعت فقد نصفه بالمرتبة الرابعة فتحقّق هذه الإشارة في علمنا باللّه سبحانه ، فإنّها نافعة في الباب ثمّ هذه المراتب بالإضافة إلينا كم قدّمنا بتقدّم وجود العين أو وجود ما يماثل العين أو وجود أجزاء العين مبدّدة غير مجموع بعضها إلى بعض بالإضافة إلى شكل ما يخترعه العاقل.
كلّ هذا لا بدّ من تقديمه أعني واحدا منها ثمّ بعد هذا ينضبط في العلم ويتصوّر في الذهن هذا بالإضافة إلينا وبالإضافة إلى اللّه تعالى .
إنّما العلم متقدّم من غير زمان بالشيء قبل عينه فوجود الشيء المحدث في علم اللّه تعالى قبل وجود الشيء في عينه ومتقدّم عليه.
غير أنّ ثمّ سرّا سنؤمى إليه في هذا الفصل إن شاء اللّه تعالى ونبيّن لك أنّ وجود العين يتقدّم على وجود العلم بالمرتبة ويساويه في الوجود أزلا لا من جهة كونه محدثة وهذا في حقّ الحقّ وأمّا في حقّ الخلق فسنبيّن لك أنّ إدراك الحقّ للموجود في عينه تفصيلا أنّه قد كانت له حالة ما بالنظر إلى أمر ما لا يتّصف فيها بالوجود ول بالعدم مع عدمه في عينه.
ثمّ نرجع ونقول فامّا تبيين تلك المراتب الأربع المتقدّمة فهي أن نقول زيد باللسان فنعقل معناه أو نرقمه في الكاغد زيد فنعقل معناه أو يظهر في عينه فنعقل معناه أو نتخيّله في أنفسنا وهو غير حاضر فنعقل معناه.
وهذا هو الوجود في العلم فكلّ واحدة من هذه المراتب متّحدة المعني لم يزد باختلافها معني في زيد فكلّ شيء قديم أو محدث لا يخلو من أن يكون في بعض هذه المراتب أو في كلّها.
فإذا تقرّر هذا وثبت أنّه الحقّ فنقول أنّ الإنسان قديم محدث موجود معدوم أمّ قولنا قديم فلأنّه موجود في العلم .
القديم متصوّر فيه أزلا وهي من بعض مراتب الوجود المذكورة وأمّا قولنا محدث فإنّ شكله وعينه لم يكن ثمّ كان فيخرج من هذا أنّ زيدا موجود في العلم موجود في الكلام معدوم في العين أزلا مثلا فقد تصوّر اتّصافه بالوجود والعدم أزلا.
فصحّ من هذا أنّ الوجود ليس بصفة للموجود وإذ قد تقرّر هذا فبقي لنا أن ننظر بم ذا يتعلّق العلم هل بالموجود أو بالمعدوم ولا نعلم ذلك ما لم نعلم ما هو العلم وإلى ما ذا تنقسم المعدومات.
فنقول أوّلا أنّ العلم عبارة عن حقيقة في النفس تتعلّق بالمعدوم والموجود على حقيقته الّتي هو عليها أو يكون إذا وجد فهذه الحقيقة هي العلم.
رابط دائم لهذا المقطع: /books/dawaer.php?id=2
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

