تجاوز إلى المحتوى
✦ تفسير فاتحة الكتاب والبسملة

فصل في آمين — تفسير فاتحة الكتاب والبسملة

نص منسوب في فهرس الموقع؛ راجع التوثيق والتحقيق العلمي.

۞ قراءة النص

نص منسوب في فهرس الموقع؛ راجع التوثيق والتحقيق العلمي.

☷ الفهرس
رقم السجل 14

فصل في آمين

والتأمين: نسبة بعد ولا الضالين كان في الصلاة أو في خارج الصلاة.

روى وائل بن حجر  ١ (رضي اللّه عنه) قال: (سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين مد بها صوته) حديث حسن.

وقال أبو هريرة (رضي اللّه تعالى عنه) مثله.

قلت فيه إشارات:

منها: أن العبد يكتب كتابه يعلم فضله فكل حركة تصدر منه فهي حرف، وكل عمل يكتب في كتاب طاعته أو معصيته فكم من كتاب قد كتب من طاعة أو معصية وصعد به ملك اليمين أو الشمال فلما بلغ الحضرة فلم يجد فيها حرفا.

أما السيئات فقد محاها الحسنات كما قال تعالى: إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ (هود/ ١١۴ ) .

وأما الطاعات فقد أحبطها الدعاء والشرك قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (الزمر/ ۶۵ ) فاللّه تعالى من عناية كرمه مع عباده جعل آمين خاتم كتاب صلاة العباد حتى لا يمحوها شيء من الأشياء فيبقى لها مختوما ثابتا إلى يوم الجزاء فإنه يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ ( ٣٩ ) (الرعد/ ٣٩ ) وهنا قال (عليه السلام) : (آمين، كالختم على الكتاب).

ومنها: أن اللّه تعالى قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل) .

فالإشارة فيه أن العبد من الحمد والثناء والدعاء فبقي نصفي من الإجابة والهداية والرحمة والعفو والمغفرة والرضوان والنجاة من النيران ورفعة الدرجات في الجنان وكرامة لقاء الرحمن فختمت على ما سأل بخاتم آمين ليوم يقوم الناس لرب العالمين فقال في قبول القول ختم عليه.

ومنها: محجوب عن اللّه تعالى بحجاب أنانيته ووجدان وجوده. ووجوده مركّب من الروحاني العلوي والجسماني السفلي فالشرع إنما جاء ليخرجه من ظلمات حجابه الجسماني السفلي إلى النور الروحاني العلوي لأنه من بقي فيها فهو سفلي من النار لقوله تعالى: وكُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّٰارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهٰا (آل عمران/ ١٠٣ ) .

فمن نجا من ظلمات سفل وجوده وصل إلى نور جنة علو وجوده فهو بعد محجوب بحجاب النور العلوي لقوله (عليه السلام) : (إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة).

فالروحاني بالنسبة إلى الجسماني نوراني ولكن بالنسبة إلى النور القديم ظلماني.

كما قال (عليه السلام) : (إن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره).

فالنور الحقيقي هو اللّه تعالى، وما سواه مخلوق ظلماني.

وكما قال: العبد في العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور لاهوته وفقدان وجوده في وجود الحق والحكمة في بعثة الأنبياء والقرآن والكتب بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب في الإمداد والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة على هذا المعنى ولهذا ذكر اللّه تعالى في مواضع من القرآن ليخرجكم من الظلمات إلى النور أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ (إبراهيم/ ۵ ) فاللّه تعالى بجوده وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزّلة في سور القرآن وأودع حقائق ما في سور القران في سورة الفاتحة، ولما ذكرنا محصور في المراتب الأربعة إلى قولنا الهداية من الأزل إلى الأبد لأن العبد كان محتاجا إلى هدايته في الأزل بأن يهديه إلى الوجود. فلو لم تكن هدايته إلى الوجود لكان ضالا في تيه العدم، وهذا أحد معاني قوله: ووَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ ( ٧ ) (الضحى/ ٧ ) فلما هدى العبد بهداية كن فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود الروحاني فكان ضالا في عالم الأرواح كما قيل ضل الماء في اللبن فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية وللحرمة من الضلالة الروحانية إلى هدى عالم الجسماني إلى أن يبلغ كمال مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل فيضل في تيه إنسانية الوجود فيحتاج إلى هدى اللّه بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود حتى رجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله:

(اهدنا) طلب أسباب الرجوع وهو في صورة النبي في الشرع وفي الحقيقة جذبة الحق لهديه بهذا إلى العدم وفناء الوجود كما هداه بالنعمة إلى الوجود ليهدي إلى واجب الوجود وهذا معنى آخر من معاني ووَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ ( ٧ ) (الضحى/ ٧ ) . فكما أنه لا نهاية لواجب الوجود فكذلك لا نهاية لهدى اللّه إلى معرفته إلى الأبد فاللّه تعالى جعل صلاة العبد معراجا ليعرج بها إلى عدم أنانية وفقدان الوجود وليس هذا العروج إلى العدم من شأن الإنسان إلا بالذي أوجده وانزله إلى أسفل الوجود كما قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ ( ۵ ) (التين/ ۵ ) ليعرج بها إلى أعلى عليين العدم فعلى اللّه تعالى التعريج وعلى العبد التسليم. وتسليم العبد بالإيمان والعمل الصالح لقوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ (العصر/ ٣ ) وخير الأعمال الصلاة. ولهذا قال اللّه تعالى: (قسمت الصلاة. .) الحديث.

فالعبد يتقرب إلى اللّه تعالى بصدق النية، وبحمده وشكره على ما أولاه من نعمه ويستهديه إليه. فالحق تعالى يأخذه منه إليه، ويفنيه عنه، ويبقيه به، بلا هو، ويدفع رسوم أنانيته بسطوة تجلي هويته، فيفقد الموهوم فقدانا لا تجده أبدا، وتجد المقصود وجدانا لا تفقده أبدا. لأنه صار ملكه لقوله تعالى: (و لعبدي ما سأل). ذكره فختم اللّه تعالى فقد وقته بخاتم آمين.

فهذا هو الإشارة إلى مقام عباده المخلصين بأن ليس لأحد من العالمين أن يتصرف فيهم ونقل عنهم خاتم رب العالمين. أيس إبليس عن التصرف فيهم، وقال: إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ ( ۴٠ ) (الحجر/ ۴٠ ) .

الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة