تجاوز إلى المحتوى
✦ محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

من محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 112

من محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

قليلا؟ غرّتهم بصحّتهم فاغترّوا بنشاطهم، فركبوا المعاصي، وغفلوا العاصي. إنهم كانوا و الله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع إليه، محسودين على جمعه مع كثرة التعب عليه. فانظر ما صنع التراب بأبدانهم، والرمل بأجسامهم، والديدان بعظامهم و أوصالهم.

كانوا في الدنيا على أسرّة ممهّدة، وفرش منضّدة، بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون، وجيران يعضدون. فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا، ومرّ بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم، وسل غنيّهم ما لقي من غناه، وسل فقيرهم ما لقي من فقره، وسل عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، و الوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنعت بها الديدان: محت الألوان، وأكلت اللحوم، وعفرت الوجوه، وقبّحت المحاسن، وكسّرت الفقار، وأبانت الأعضاء، و مزّقت الأشلاء. وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم، وجمعهم وكنوزهم؟ و الله ما زوّدهم فراشا، ولا وضعوا هناك متكأ، ولا غرسوا لهم شجرا، ولا أنزلوهم من اللحد قرارا، أليسوا في منازل الخلوات والغلوات؟ أليس النهار والليل عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين الأحباء.

فكم من ناعم وناعمة أصبحوا ووجوههم بالية، وأجسامهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم متمزّقة، وقد سالت الحدقات على الوجنات، وامتلأت الأفواه ماء وصديدا، ودبّت دوابّ الأرض في أجسادهم وفرّقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما. قد فارقوا الحدائق، وساروا بعد السعة إلى المضايق، قد تزوجت نساؤهم، و ترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت الورثة ديارهم وتراثهم. فمنهم والله الموسّع له في قبره الغضّ الناظر فيه المتنعم فيه بلذّته.

يا ساكن القبر غدا، ما الذي غرّك من الدنيا؟ هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطّرد؟ وأين ثمرتك الحاضرة ينعها؟ وأين رفيق ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا، وهو يرشح عرقا، ويتلمظ عطشا، يتقلب في سكرات الموت وغمراته. جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، وجاء من الأمر الأجل ما لا يمنع منه. هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، و يا مخلّيه في القبر وراجعا عنه. ليت شعري كيف أنت على خشونة الثرى؟ يا ليت شعري بأي خدّيك بدا البلا؟ يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموتى. ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك

رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=112

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

شارك هذه الصفحة