تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 64 من سورة الكهف

رقم السجل 2204 · السورة 18 · الآية 64

۞ قراءة النص
۞

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿64﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا

مع التشكيل

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا

الرسم العثماني

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا

النقل الصوتي

Q<u>a</u>la <u>tha</u>lika m<u>a</u> kunn<u>a</u> nabghi fa<b>i</b>rtadd<u>a</u> AAal<u>a</u> <u>a</u>th<u>a</u>rihim<u>a</u> qa<u>s</u>a<u>sa</u><b>n</b>

English

He said: This is that which we have been seeking. So they retraced their steps again.

Français

[Moïse] dit: «Voilà ce que nous cherchions». Puis, ils retournèrent sur leurs pas, suivant leurs traces.

Türkçe

Musa, buydu aradığımız işte dedi ve kendi izlerini izleyerek geri döndüler.

Deutsch

Er sagte: "Das ist genau, was wir anstreben." Dann kehrten beide ihren Spuren folgend zurück.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«قال» موسى «ذلك» أي فقدنا الحوت «ما» أي الذي «كنا نبغ» نطلبه فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه «فارتدا» رجعا «على آثارهما» يقصانها «قصصا» فأتيا الصخرة.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

( في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ ) أي : هذا الذي نطلب ( فارتدا ) أي : رجعا ( على آثارهما ) أي طريقهما ( قصصا ) أي : يقصان أثر مشيهما ، ويقفوان أثرهما .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى{قال ذلك ما كنا نبغ} أي قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثمَّ؛ فرجعا يقصان أثارهما لئلا يخطئا طريقهما. وفي البخاري : (فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال : هل بأرضك من سلام؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى. قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم. قال : فما شأنك؟ قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا...) الحديث. وقال الثعلبي في كتاب العرائس : (إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو متشح بثوب أخضر فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه فقال : وأنى بأرضنا السلام؟ ثم رفع رأسه واستوى جالسا وقال : وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له موسى : وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال : الذي أدراك بي ودلك علي؛ ثم قال : يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى : إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، ثم جلسا يتحدثان، فجاءت خطافة وحملت بمنقارها من الماء...) وذكر الحديث على ما يأتي. {فارتدا على آثارهما قصصا} فرجعا يقصان أثارهما لئلا يخطئا طريقهما.
عرض مصدر التفسير
الميسر
قال موسى: ما حصل هو ما كنا نطلبه، فإنه علامة لي على مكان العبد الصالح، فرجعا يقصان آثار مشيهما حتى انتهيا إلى الصخرة.
عرض مصدر التفسير
السعدي

تفسير الآيتين 64 و 65 :ـ

{ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ْ} أي: نطلب { فَارْتَدَّا ْ} أي: رجعا { عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ْ} أي رجعا يقصان أثرهما إلى المكان الذي نسيا فيه الحوت فلما وصلا إليه، وجدا عبدا من عبادنا، وهو الخضر، وكان عبدا صالحا، لا نبيا على الصحيح.

آتيناه [رحمة من عندنا أي: أعطاه الله رحمة خاصة بها زاد علمه وحسن عمله { وَعَلَّمْنَاهُ ْ}] { مِنْ لَدُنَّا ْ} [أي: من عندنا] عِلْمًا، وكان قد أعطي من العلم ما لم يعط موسى، وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصا في العلوم الإيمانية، والأصولية، لأنه من أولي العزم من المرسلين، الذين فضلهم الله على سائر الخلق، بالعلم، والعمل، وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( قال ) موسى ( ذلك ما كنا نبغ ) أي نطلب ( فارتدا على آثارهما قصصا ) أي : رجعا يقصان الأثر الذي جاء منه أي : يتبعانه فوجدا عبدا من عبادنا قيل : كان ملكا من الملائكة ، والصحيح الذي جاء في التواريخ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان قيل : كان من نسل بني إسرائيل . وقيل : كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا والخضر لقب له سمي بذلك لما :

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء " .

قال مجاهد : سمي خضرا لأنه إذا صلى اخضر ما حوله .

وروينا : أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام؟ قال : أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا .

وفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه . وفي رواية لقيه وهو يصلي . ويروى لقيه على طنفسة خضراء على كبد البحر فذلك قوله تعالى :

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (64)

أي يتبعان الأثر إلى أن عادا إلى المكان .


[سورة الكهف (18) : آية 65]

فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65)

[ - تفسير من باب الإشارة –" فَوَجَد " ]

-تفسير من باب الإشارة - «فَوَجَدا» تنبيها من اللّه وتأديبا لموسى عليه السلام لما جاوزه من الحد في إضافة العلم إلى نفسه بأنه أعلم من في الأرض في زمانه ، فلو كان عالما لعلم دلالة الحق التي هي عين اتخاذ الحوت سربا ، وما علم ذلك وقد علمه يوشع ، ونسّاه اللّه التعريف بذلك ليظهر لموسى عليه السلام تجاوزه الحد في دعواه ولم يردّ ذلك إلى اللّه في علمه في خلقه «فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا» فأضافه إلى نون الجمع وهو خضر ،

واسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام ، كان في جيش فبعثه أمير الجيش يرتاد لهم ماء ، وكانوا قد فقدوا الماء ، فوقع بعين الحياة فشرب منه فعاش إلى الآن ،

وكان لا يعرف ما خص اللّه به من الحياة شارب ذلك الماء ، والخضر هو الشاب الذي يقتله الدجال في زعمه لا في نفس الأمر ، وهو فتى ممتلئ شبابا ، هكذا يظهر له في عينيه «آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا» الرحمة تتقدم بين يدي العلم تطلب العبد ،

ثم يتبعها العلم ، فالعلم يستصحب الرحمة بلا شك ، فإذا رأيت من يدعي العلم ولا يقول بشمول الرحمة فما هو صاحب علم ، وهذا هو علم الذوق لا علم النظر ،

قال تعالى في حق عبده خضر «آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا» فقدم الرحمة على العلم ، وهي الرحمة التي في الجبلة ، جعلها فيه ليرحم بها نفسه وعباده ، فيكون في حق الغلام رحمة أن حال بينه وبين ما يكتسبه لو عاش من الآثام إذ قد كان طبع كافرا ، وأما رحمته بالملك الغاصب حتى لا يتحمل وزر غصب تلك السفينة من هؤلاء المساكين ، فالرحمة إنما تنظر من جانب الرحيم بها لا من جانب صاحب الغرض ، فإنه جاهل بما ينفعه ،

وإن أراد اللّه تعالى أنه أعطاه رحمة من عنده أي رحمناه ، فأعطيناه هذا العلم الذي ظهر به ، وهو ما أعطاه من الفهم ،

وهو مقام يحصل من وجهين :

وجه اختصاص كالخضر وأمثاله من غير تعمل وكالقائم في آخر الزمان ،

ووجه آخر من طريق التعمل طريق الكسب ،

فقال تعالى في خضر «وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً» جودا ورحمة من اللّه ، فإنه لم يذكر له تعملا في تحصيل شيء من ذلك ، وجعل الكل منه امتنانا وفضلا ، فهو علم الوهب لا علم الكسب ، فإنه لو أراد العلم المكتسب لقال تعالى :

وعلمناه طريق اكتساب العلوم ، فالعلم الموهوب هو العلم اللدني علم الخضر وأمثاله ، وهو


العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلا ، حتى لا يشوبه شيء من كدورات الكسب ، والنبوات كلها علوم وهبية ، لأن النبوة ليست مكتسبة ،

فالشرائع كلها من علوم الوهب وكل علم حصل عن دعاء فيه أو بدعاء مطلق فهو مكتسب ،

والعلم المكتسب لا يصلح إلا للرسل صلوات اللّه عليهم ، فإنهم في باب تشريع الاكتساب ،

فإذا وقفوا مع نبوتهم لا مع رسالتهم كان حالهم مع اللّه ترك طلب ما سواه ، فالكسب هو توفيقه وإلهامه إلى ترك جميع المعلومات وجميع العالم من خاطره ، ويجلس فارغ القلب مع اللّه بحضور ومراقبة وسكينة وذكر إلهي باسم اللّه ذكر قلب ، ولا ينظر في دليل يوصله إلى علمه باللّه ، فإذا لزم الباب وأدمن القرع بالذكر علّمه اللّه من لدنه علما ، وهذا مقام المقربين وهو بين الصديقية ونبوة التشريع ،

فلم يبلغ منزلة نبي التشريع من النبوة العامة ، ولا هو من الصديقين الذين هم أتباع الرسل لقول الرسل ، وغير الرسل من العلماء باللّه مثل الخضر وأمثاله لم يكله إلى عنديته ولا إلى نفسه ، بل تولى تعليمه ليريحه ، لما هو عليه من الضعف ، وأعطاه هذا العلم من أجل قوله «لَدُنَّا»

والغصن اللدن هو الرطيب ، فهي هنا اللين والعطف وهي الرحمة المبطونة في المكروه ،

وبهذه الرحمة قتل الغلام وخرق السفينة ، وبالرحمة التي في الجبلة أقام الجدار ، وأضاف الحق التعليم إليه تعالى لا إلى الفكر ، فعلمنا أن ثمّ مقاما آخر فوق الفكر يعطي العبد العلم بأمور شتى ، يقول عنه بعض العلماء إنه وراء طور العقل ، ومن العلوم ما يمكن أن يدركها العقل من حيث الفكر ، ومنها ما يجوّزها الفكر وإن لم تحصل لذلك العقل من الفكر ، ومنها ما يجوزها الفكر وإن كان يستحيل أن يعينها الفكر ، ومنها ما يستحيل عند الفكر ويقبلها العقل من الفكر مستحيلة الوجود لا يمكن أن يكون له تحت دليل الإمكان ، فيعلمها هذا العقل من جانب الحق واقعة صحيحة غير مستحيلة ، ولا يزول اسم الاستحالة ولا حكم الاستحالة عقلا ،

قال صلّى اللّه عليه وسلم :[ إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة باللّه ]

هذا من العلم الذي يكون تحت النطق ، فما ظنك بالعلم الخارج عن الدخول تحت حكم النطق ، فما كل علم يدخل تحت العبارات وهي علوم الأذواق كلها ، وفي هذه الآية جمع بنون الجمع في قوله تعالى آتيناه وعلمناه ولدنا ، أي جمع له في هذا الفتح العلم الظاهر والباطن ، وعلم السر والعلانية ، وعلم الحكم والحكمة ، وعلم العقل


[استدراك - العلم وسوء الخلق لا يجتمعان ]

والوضع ، وعلم الأدلة والشبه ، ومن أعطي العلم العام وأمر بالتصرف فيه كالأنبياء ومن شاء اللّه من الأولياء أنكر عليه ، ولم ينكر هذا الشخص على أحد ما يأتي به من العلوم وإن حكم بخلافه ، ولكن يعرف موطنه وأين يحكم به ،

وهذا العلم من الوجه الخاص الذي بين العبد وبين اللّه وهو لكل مخلوق ، وهو وجه لا يطلع عليه من العبيد نبي مرسل ولا ملك مقرب ، ولذلك قال الخضر لموسى عليه السلام : أنا على علم علمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، لأنه كان من الوجه الخاص الذي من اللّه لعبده ، لا يطلع على ذلك الوجه إلا صاحبه ،

ثم قال له الخضر : وأنت أيضا على علم علمكه اللّه لا أعلمه أنا ، فإن كان موسى عليه السلام قد علم وجهه الخاص عرف ما يأتيه من ذلك الوجه ، وإن كان لم يعلم ذلك فقد نبهه الخضر عليه ليسأل اللّه فيه

- استدراك –

اعلم أن العلم وسوء الخلق لا يجتمعان في موفق ، فكل عالم فهو واسع المغفرة والرحمة ، وسوء الخلق من الضيق والحرج وذلك لجهله ، واعلم أن العلم وإن كان شريفا فإن له معادن ، أشرفها ما يكون من لدنه ،

فإن الرحمة مقرونة به ، ولها النفس الذي ينفّس اللّه به عن عباده ما يكون من الشدة فيهم ، والعبد إذا لزم الخلوة والذكر ، وفرغ المحل من الفكر ، وقعد فقيرا لا شيء له عند باب ربه ، حينئذ يمنحه اللّه تعالى ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية ، والمعارف الربانية التي أثنى اللّه بها على عبده خضر ما يغيب عنده كل متكلم على البسيطة ، بل كل صاحب نظر وبرهان ليست له هذه الحالة ، فإنها وراء النظر العقلي ،

[ مراتب العلوم ]

إذ كانت العلوم على ثلاث مراتب :

- علم العقل -وهو كل علم يحصل لك ضرورة أو عقيب نظر في دليل ، بشرط العثور على وجه ذلك الدليل ، وشبهه من جنسه من عالم الفكر الذي يجمع ويختص بهذا الفن من العلوم ، ولهذا يقولون في النظر: منه صحيح ومنه فاسد

- والعلم الثاني -علم الأحوال - ولا سبيل إليها إلا بالذوق ، فلا يقدر عاقل على أن يحدّها ولا يقيم على معرفتها دليلا ، كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذة الجماع والعشق والوجد والشوق وما شاكل هذا النوع من العلوم ، فهذه علوم من المحال أن يعلمها أحد إلا بأن يتصف بها ويذوقها ، وشبهها من جنسها في أهل الذوق ، كمن يغلب على محله طعمة المرة الصفراء ، فيجد العسل مرا وليس كذلك ، فإن الذي باشر محل الطعم إنما هو المرة الصفراء

- والعلم الثالث - علوم الأسرار -وهو العلم الذي فوق طور العقل ، وهو علم نفث روح القدس في الروع ، يختص به النبي والولي ،


وهو نوعان :

نوع منه يدرك بالعقل كالعلم الأول من هذه الأقسام ، لكن هذا العالم به لم يحصل له عن نظر ، ولكن مرتبة هذا العلم أعطت هذا ،

والنوع الآخر على ضربين ، ضرب منه يلتحق بالعلم الثاني لكن حاله أشرف ، والضرب الآخر من علوم الأخبار وهي التي يدخلها الصدق والكذب ، إلا أن يكون المخبر به قد ثبت صدقه عند المخبر ، وعصمته فيما يخبر به ويقوله ، كإخبار الأنبياء صلوات اللّه عليهم عن اللّه ، وكإخبارهم بالجنة وما فيها ، فقوله إن ثمّ جنة من علم الخبر ،

وقوله في القيامة إن فيها حوضا أحلى من العسل من علم الأحوال ، وهو علم الذوق ، وقوله كان اللّه ولا شيء معه ومثله من علوم العقل المدركة بالنظر ،

فهذا الصنف الثالث الذي هو علم الأسرار العالم به يعلم العلوم كلها ويستغرقها ، وليس صاحب تلك العلوم كذلك ، فلا علم أشرف من هذا العلم المحيط الحاوي على جميع المعلومات ، وما بقي إلا أن يكون المخبر به صادقا عند السامعين له معصوما ، هذا شرطه عند العامة ،

وأما العاقل اللبيب الناصح نفسه فلا يرمي به ،

ولكن يقول : هذا جائز عندي أن يكون صدقا أو كذبا ، وكذلك ينبغي لكل عاقل إذا أتاه بهذه العلوم غير المعصوم ، وإن كان صادقا في نفس الأمر فيما أخبر به ، ولكن كما لا يلزم هذا السامع له صدقه لا يلزمه تكذيبه ،

ولكن يتوقف ، وإن صدّقه لم يضره ، لأنه أتى في خبره بما لا تحيله العقول ، بل بما تجوّزه أو تقف عنده ، ولا يهد ركنا من أركان الشريعة ، ولا يبطل أصلا من أصولها ، فإذا أتى بأمر جوزه العقل وسكت عنه الشارع فلا ينبغي لنا أن نرده أصلا ،

ونحن مخيرون في قبوله إن كانت حالة المخبر به تقتضي العدالة لم يضرنا قبوله ، كما تقبل شهادته ونحكم بها في الأموال والأرواح ، وإن كان غير عدل في علمنا فننظر ،

فإن كان الذي أخبر به حقا بوجه ما عندنا من الوجوه المصححة قبلناه ، وإلا تركناه في باب الجائزات ولم نتكلم في قائله بشيء ، فإنها شهادة مكتوبة نسأل عنها ، قال تعالى : (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)

ولو لم يأت هذا المخبر إلا بما جاء به المعصوم فهو حاك لنا ما عندنا من رواية عنه ، فلا فائدة زادها عندنا بخبره ، وإنما يأتون رضي اللّه عنهم بأسرار وحكم من أسرار الشريعة ، مما هي خارجة عن قوة الفكر والكسب ،

ولا تنال أبدا إلا بالمشاهدة والإلهام وما شاكل هذه الطرق ، ومن هنا تكون الفائدة بقوله عليه السلام: [ إن يكن من أمتي محدّثون فمنهم عمر ]

وقوله في أبي بكر في فضله بالسر غيره ، ولو لم يقع الإنكار لهذه العلوم في الوجود لم يفد


قول أبي هريرة [ حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم ]

ولم يفد قول ابن عباس حين قال في قول اللّه عزّ وجل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)

لو ذكرت تفسيره لرجمتموني ، وفي رواية لقلتم إني كافر ، ولم يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه معنى ،

إذ قال :

يا رب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثن

ولاستحل رجال مسلمون دمي ***يرون أقبح ما يأتونه حسن

فهؤلاء كلهم سادات أبرار فيما أحسب واشتهر عنهم ، قد عرفوا هذا العلم ورتبته ومنزلة أكثر العالم منه ، وأن الأكثر منكرون له ، وينبغي للعاقل العارف أن لا يأخذ عليهم في إنكارهم ، فإنه في قصة موسى مع خضر مندوحة لهم ، وحجة للطائفتين ، وإن كان إنكار موسى عن نسيان لشرطه ولتعديل اللّه إياه ، وبهذه القصة عينها نحتج على المنكرين ، لكنه لا سبيل إلى خصامهم . واعلم أن كل علم إذا بسطته العبارة حسن وفهم معناه أو قارب وعذب عند السامع الفهم فهو علم العقل النظري ، لأنه تحت إدراكه ومما يستقل به لو نظر ، إلا علم الأسرار ، فإنه إذا أخذته العبارة سمج واعتاص على الأفهام دركه وخشن ، وربما مجته العقول الضعيفة المتعصبة التي لم تتوفر لتصريف حقيقتها التي جعل اللّه فيها من النظر والبحث ، وأما علوم الأحوال فمتوسطة بين علم الأسرار وعلم العقول ، ثم لتعلم أنه إذا حسن عندك وقبلته وآمنت به فأبشر أنك على كشف منه ضرورة وأنت لا تدري ، لا سبيل إلا هذا ، إذ لا يثلج الصدر إلا بما يقطع بصحته ، وليس للعقل هنا مدخل ، لأنه ليس من دركه إلا إن أتى بذلك معصوم ، حينئذ يثلج صدر العاقل ، وأما غير المعصوم فلا يلتذ بكلامه إلا صاحب ذوق .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة