( قال ) أي موسى : ( لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) أي : لا تضيق علي وتشدد علي ؛ ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كانت الأولى من موسى نسيانا " .
قوله تعالى {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها} في صحيح مسلم والبخاري : (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع منها لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها {لقد جئت شيئا إمرا. قال إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وكانت الأولى من موسى نسيانا) قال : (وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر). قال علماؤنا : حرف السفينة طرفها وحرف كل شيء طرفه، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد. والعلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة : 255] أي من معلوماته، وهذا من الخضر تمثيل؛ أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله؛ كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر، وإنما مثل له ذلك بالبحر لأنه أكثر. ما يشاهده مما بين أيدينا، وإطلاق لفظ النقص هنا تجوز قصد به التمثيل والتفهيم، إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال : (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر) وفي التفسير عن أبي العالية : لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين من أراد الله له أن يريه، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة. وقيل : خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف الخضر فخرق السفينة، وقال ابن عباس : (لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه : ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني قال له الخضر : يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال : نعم. قال : كذا وكذا قال : صدقت؛ ذكره الثعلبي في كتاب العرائس. في خرق السفينة دليل أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا، مثل أن يخاف على ريعه ظالما فيخرّب بعضه وقال أبو يوسف : يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض وقرأ حمزة والكسائي {ليغرق} بالياء {أهلها} بالرفع فاعل يغرق، فاللام على قراءة الجماعة في {لتغرق} لام المآل مثل {ليكون لهم عدوا وحزنا}. وعلى قراءة حمزة لام كي، ولم يقل لتغرقني؛ لأن الذي غلب الحال فرط الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. و{إمرا} معناه عجبا؛ قاله القتبي، وقيل : منكرا؛ قاله مجاهد، وقال أبو عبيدة : الإمر الداهية العظيمة؛ وأنشد: قد لقي الأقران مني نكرا ** داهية دهياء إدا إمرا وقال الأخفش : يقال أمر يأمر {أمر} إذا أشتد والاسم الإمر. قوله تعالى {قال} الخضر. {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب. قوله تعالي {قال لا تؤاخذني بما نسيت} في معناه قولان : أحدهما : يروى ابن عباس، قال : (هذا من معاريض الكلام). والآخر : أنه نسي فاعتذر؛ ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره؛ وقد تقدم، ولو نسي في الثانية لاعتذر.
{ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ْ} أي: لا تعسر علي الأمر، واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة. فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدة على صاحبك، فسمح عنه الخضر.
( قال ) موسى ( لا تؤاخذني بما نسيت ) قال ابن عباس : إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي شيئا آخر وقيل : معناه بما تركت من عهدك والنسيان : الترك . وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا " . ( ولا ترهقني ) ولا تغشني ( من أمري عسرا ) وقيل : لا تكلفني مشقة يقال : أرهقته عسرا أي : كلفته ذلك يقول : لا تضيق علي أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.