إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿35﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما
مع التشكيل
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
الرسم العثماني
إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
النقل الصوتي
Inna almuslimeena wa<b>a</b>lmuslim<u>a</u>ti wa<b>a</b>lmumineena wa<b>a</b>lmumin<u>a</u>ti wa<b>a</b>lq<u>a</u>niteena wa<b>a</b>lq<u>a</u>nit<u>a</u>ti wa<b>al</b><u>ssa</u>diqeena wa<b>al</b><u>ssa</u>diq<u>a</u>ti wa<b>al</b><u>ssa</u>bireena wa<b>al</b><u>ssa</u>bir<u>a</u>ti wa<b>a</b>lkh<u>a</u>shiAAeena wa<b>a</b>lkh<u>a</u>shiAA<u>a</u>ti wa<b>a</b>lmuta<u>s</u>addiqeena wa<b>a</b>lmuta<u>s</u>addiq<u>a</u>ti wa<b>al</b><u>ssa</u>imeena wa<b>al</b><u>ssa</u>im<u>a</u>ti wa<b>a</b>l<u>ha</u>fi<i><u>th</u></i>eena furoojahum wa<b>a</b>l<u>ha</u>fi<i><u>th</u></i><u>a</u>ti wa<b>al</b><u>ththa</u>kireena All<u>a</u>ha katheeran wa<b>al</b><u>ththa</u>kir<u>a</u>ti aAAadda All<u>a</u>hu lahum maghfiratan waajran AAa<i><u>th</u></i>eem<u>a</u><b>n</b>
English
Lo! men who surrender unto Allah, and women who surrender, and men who believe and women who believe, and men who obey and women who obey, and men who speak the truth and women who speak the truth, and men who persevere (in righteousness) and women who persevere, and men who are humble and women who are humble, and men who give alms and women who give alms, and men who fast and women who fast, and men who guard their modesty and women who guard (their modesty), and men who remember Allah much and women who remember - Allah hath prepared for them forgiveness and a vast reward.
Français
Les Musulmans et Musulmanes, croyants et croyantes, obéissants et obéissantes, loyaux et loyales, endurants et endurantes, craignants et craignantes, donneurs et donneuses d'aumône, jeûnants et jeûnantes, gardiens de leur chasteté et gardiennes, invocateurs souvent d'Allah et invocatrices: Allah a préparé pour eux un pardon et une énorme récompense.
Türkçe
Şüphe yok ki Müslüman erkeklere ve Müslüman kadınlara, inanan erkeklere ve kadınlara, itaat eden erkeklere ve kadınlara, doğru söyleyen erkeklere ve kadınlara, sabreden erkeklere ve kadınlara, korkan erkeklere ve kadınlara, sadaka veren erkeklere ve kadınlara, oruç tutan erkeklere ve kadınlara, ırzlarını koruyan erkeklere ve kadınlara, Allah'ı çokçok anan erkeklere ve kadınlara; Allah, onlara yarlıganma ve büyük bir mükafat vaadetmiştir.
Deutsch
Gewiß, die islam-praktizierenden Männer und die islam-praktizierenden Frauen, die iman-verinnerlichenden Männer und die iman-verinnerlichenden Frauen, die gehorchenden Männer und die gehorchenden Frauen, die wahrhaftigenMänner und die wahrhaftigen Frauen, die sich in Geduld übenden Männer und die sich in Geduld übenden Frauen, die sich hingebenden Männer und die sich hingebenden Frauen, die spendenden Männer und die spendenden Frauen, die fastenden Männer und die fastenden Frauen, die sich keusch haltenden Männer und die sich keusch haltenden Frauen und die ALLAHs viel gedenkenden Männer und die ALLAHs viel gedenkenden Frauen, für diese hat ALLAH Vergebung und ge-waltige Belohnung bereitet.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا عثمان بن حكيم ، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة ، سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟ قالت : فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر ، قالت ، وأنا أسرح شعري ، فلففت شعري ، ثم خرجت إلى حجرة من حجر بيتي ، فجعلت سمعي عند الجريد ، فإذا هو يقول عند المنبر : " يا أيها الناس ، إن الله يقول : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات " إلى آخر الآية
وهكذا رواه النسائي وابن جرير ، من حديث عبد الواحد بن زياد ، به مثله
طريق أخرى عنها : قال النسائي أيضا : حدثنا محمد بن حاتم ، حدثنا سويد ، أخبرنا عبد الله بن شريك ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا نبي الله ، ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن ، والنساء لا يذكرن ؟ فأنزل الله ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات )
وقد رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة : أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، حدثه عن أم سلمة ، رضي الله عنها ، قالت : قلت : يا رسول الله ، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر ؟ فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية
طريق أخرى : قال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، يذكر الرجال ولا نذكر ؟ فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية
حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا سيار بن مظاهر العنزي حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات ؟ فأنزل الله : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية وحدثنا بشر حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ; عن قتادة قال : دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلن : قد ذكركن الله في القرآن ، ولم نذكر بشيء ، أما فينا ما يذكر ؟ فأنزل الله عز وجل : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية
فقوله : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) دليل على أن الإيمان غير الإسلام ، وهو أخص منه ، لقوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [ الحجرات : 14 ] وفي الصحيحين : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فيسلبه الإيمان ، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين ، فدل على أنه أخص منه كما قررناه في أول شرح البخاري
[ وقوله ] : ( والقانتين والقانتات ) القنوت : هو الطاعة في سكون ، ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [ الزمر : 9 ] ، وقال تعالى : ( وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) [ الروم : 26 ] ، ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) [ آل عمران : 43 ] ، ( وقوموا لله قانتين ) [ البقرة : 238 ] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها ، ثم القنوت ناشئ عنهما
( والصادقين والصادقات ) : هذا في الأقوال ، فإن الصدق خصلة محمودة; ولهذا كان بعض الصحابة لم تجرب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، وهو علامة على الإيمان ، كما أن الكذب أمارة على النفاق ، ومن صدق نجا ، " عليكم بالصدق; فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة وإياكم والكذب; فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " والأحاديث فيه كثيرة جدا
( والصابرين والصابرات ) : هذه سجية الأثبات ، وهي الصبر على المصائب ، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة ، وتلقي ذلك بالصبر والثبات ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى ، أي : أصعبه في أول وهلة ، ثم ما بعده أسهل منه ، وهو صدق السجية وثباتها
( والخاشعين والخاشعات ) الخشوع : السكون والطمأنينة ، والتؤدة والوقار والتواضع والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته ، [ كما في الحديث ] : " اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
( والمتصدقين والمتصدقات ) : الصدقة : هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء ، الذين لا كسب لهم ولا كاسب ، يعطون من فضول الأموال طاعة لله ، وإحسانا إلى خلقه ، وقد ثبت في الصحيحين : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " فذكر منهم : " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وفي الحديث الآخر : " والصدقة تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ الماء النار "
[ وفي الترمذي عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء "
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه ، فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه ، فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة "
وفي حديث أبي ذر أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار ؟ قال : " الإيمان بالله " قلت : يا نبي الله ، مع الإيمان عمل ؟ قال : " ترضخ مما خولك الله " ، أو " ترضخ مما رزقك الله " ; ولهذا لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد قال في خطبته : " يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن ، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " وكأنه حثهن ورغبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار ، وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ذكر لي أن الأعمال تتباهى ، فتقول الصدقة : أنا أفضلكم
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل البخيل والمتصدق ، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ، أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما ، فجعل المتصدق ، كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه ، حتى تغشى أنامله ، وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت ، وأخذت كل حلقة مكانها قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا يتسع وقد قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ التغابن : 16 ] فجود الرجل يحببه إلى أضداده ، وبخله يبغضه إلى أولاده كما قيل :
ويظهر عيب المرء في الناس بخله وتستره عنهم جميعا سخاؤه تغط بأثواب السخاء فإنني
أرى كل عيب والسخاء غطاؤه ]
والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا ، له موضع بذاته
( والصائمين والصائمات ) : في الحديث الذي رواه ابن ماجه : " والصوم زكاة البدن " أي : تزكيه وتطهره وتنقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا
قال سعيد بن جبير : من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر ، دخل في قوله : ( والصائمين والصائمات )
ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباء فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " - ناسب أن يذكر بعده : ( والحافظين فروجهم والحافظات ) أي : عن المحارم والمآثم إلا عن المباح ، كما قال تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) [ المؤمنون : 5 - 7 ]
وقوله : ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد الله ، حدثنا محمد بن جابر ، عن علي بن الأقمر ، عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل ، فصليا ركعتين ، كتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "
وقد رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث الأعمش ، [ عن علي بن الأقمر ] ، عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات "
قال : قلت : يا رسول الله ، ومن الغازي في سبيل الله ؟ قال : " لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه "
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة ، فأتى على جمدان فقال : " هذا جمدان ، سيروا فقد سبق المفردون " قالوا : وما المفردون ؟ قال : " الذاكرون الله كثيرا " ثم قال : " اللهم اغفر للمحلقين " قالوا : والمقصرين ؟ قال : " اللهم ، اغفر للمحلقين " قالوا : والمقصرين ؟ قال : " والمقصرين "
تفرد به من هذا الوجه ، ورواه مسلم دون آخره
وقال الإمام أحمد : حدثنا حجين بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن زياد بن أبي زياد - مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة - أنه بلغه عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله " وقال معاذ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة ، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم " ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : " ذكر الله عز وجل "
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا سأله فقال : أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله ؟ فقال : " أكثرهم لله ذكرا " قال : فأي الصائمين أكثر أجرا ؟ قال : " أكثرهم لله ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثرهم لله ذكرا " فقال أبو بكر لعمر ، رضي الله عنهما : ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجل "
وسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) الآية [ الأحزاب : 41 ، 42 ] ، إن شاء الله تعالى
وقوله : ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي : هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرا عظيما وهو الجنة
الطبري
الميسر
السعدي
لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وعقابهن [لو قدر عدم الامتثال] وأنه ليس مثلهن أحد من النساء، ذكر بقية النساء غيرهن.
ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها. { وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله.
{ وَالْقَانِتِينَ } أي: المطيعين للّه ولرسوله { وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ } في مقالهم وفعالهم { وَالصَّادِقَاتِ } { وَالصَّابِرِينَ } على الشدائد والمصائب { وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ } في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم، { وَالْخَاشِعَاتِ } { وَالْمُتَصَدِّقِينَ } فرضًا ونفلاً { وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ } شمل ذلك، الفرض والنفل. { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ومقدماته، { وَالْحَافِظَاتِ } { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ [كَثِيرًا } أي:] في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات { وَالذَّاكِرَاتِ }
{ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ } أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان.
فجازاهم على عملهم { بِالْمَغْفِرَةً } لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات. { وَأَجْرًا عَظِيمًا } لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم.
البغوي
قوله - عز وجل - : ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية . وذلك أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن : يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير ، فما فينا خير نذكر به ، إنا نخاف أن لا يقبل الله منا طاعة ، فأنزل الله هذه الآية .
قال مقاتل : قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونيسة بنت كعب الأنصارية للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه ، نخشى أن لا يكون فيهن خير ؟ فنزلت هذه الآية .
وروي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن ؟ قلن : لا . فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار ، قال : ومم ذاك ؟ قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال ، فأنزل الله هذه الآية : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ) المطيعين ( والقانتات والصادقين ) في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم ( والصادقات والصابرين ) على ما أمر الله به ( والصابرات والخاشعين ) المتواضعين ( والخاشعات ) وقيل : أراد به الخشوع في الصلاة ، ومن الخشوع أن لا يلتفت ( والمتصدقين ) مما رزقهم الله ( والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم ) عما لا يحل ( والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) قال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا .
وروينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " قد سبق المفردون " ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " .
قال عطاء بن أبي رباح : من فوض أمره إلى الله - عز وجل - فهو داخل في قوله : " إن المسلمين والمسلمات " ، ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا رسوله ، ولم يخالف قلبه لسانه ، فهو داخل في قوله : " والمؤمنين والمؤمنات " ، ومن أطاع الله في الفرض ، والرسول في السنة : فهو داخل في قوله : " والقانتين والقانتات ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله : " والصادقين والصادقات " ، ومن صبر على الطاعة ، وعن المعصية ، وعلى الرزية : فهو داخل في قوله : " والصابرين والصابرات " ، ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله : " والخاشعين والخاشعات " ، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله : " والمتصدقين والمتصدقات " ، ومن صام في كل شهر أيام البيض : الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، فهو داخل في قوله : " والصائمين والصائمات " ، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله : " والحافظين فروجهم والحافظات " ، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " . ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)
[ «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ . . .» الآية طبقات الأولياء]
نعت اللّه أقواما من النساء والرجال بصفات ومنزلة ، فما نعتهم اللّه بهذه النعوت سدى ، والمتصفون بهذه الأوصاف قد طالبهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات ، وما تثمر لهم من المنازل عند اللّه ، فقال تعالى : «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ» وهؤلاء تولاهم اللّه بالإسلام وهو انقياد خاص لما جاء من عند اللّه لا غير ، فإذا وفّى العبد الإسلام بجميع لوازمه وشروطه وقواعده فهو مسلم ، وإن انتقص شيئا من ذلك فليس بمسلم فيما أخلّ به من الشروط ،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ]
واليد هنا بمعنى القدرة ، أي سلم المسلمون مما هو قادر على أن يفعل بهم مما لا يقتضيه الإسلام ، من التعدي لحدود اللّه فيهم ، فأتى بالأعم ، وذكر اللسان لأنه قد يؤذي بالذكر من لا يقدر على إيصال الأذى إليه بالفعل ، وهو البهتان هنا خاصة لا الغيبة ، فإنه قال : المسلمون ولو قال : الناس لدخلت الغيبة وغير ذلك من سوء القول ، فلم يثبت الشارع الإسلام إلا لمن سلم المسلمون ، وهم أمثاله في السلامة ، فالمسلمون هم المعتبر في هذا الحديث ، وهم المقصود ، فإن المسلمين لا يسلمون من لسان من يقع فيهم إلا حتى يكونوا أبرياء مما نسب إليهم ، ولذلك فسرناه بالبهتان ،
فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : [ إذا قلت في أخيك ما ليس فيه فذلك البهتان ، وفي رواية فقد بهته ] فخاب سهمك الذي رميته به ، فإنه ما وجد منفذا ، فإنك نسبت إليه ما ليس هو عليه ، فسماهم اللّه مسلمين ، فمن وقع فيمن هذه صفته فليس بمسلم ، لأن ذلك الوصف الذي وصف المسلم به ورماه به ولم يكن المسلم محلا له عاد على قائله ، فلم يكن الرامي له بمسلم ، فإنه ما سلم مما قال إذ عاد عليه سهم كلامه الذي رماه به ،
قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما ]
وقال تعالى في حق قوم قيل لهم : (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُو نُؤْمِنُ
كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) قال اللّه فيهم (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ)
فأعاد الصفة عليهم لما لم يكن المسلمون المؤمنون أهل سفه ، فليس المسلم إلا من سلم من جميع العيوب الأصلية والطارئة ، فلا يقول في أحد شرا ولا يؤثر فيه إذا قدر عليه شرا أصلا ، وليس إقامة الحدود بشر فإنه خير فلا يخرجه ذلك عن الإسلام ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اشترط سلامة المسلمين ، ومن آذاك ابتداء عن قصد منه فليس بمسلم ،
فإنك ما سلمت منه ،
والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : [ من سلم المسلمون ] فلا يقدح القصاص في الإسلام ، فإنك ما آذيت مسلما من حيث آذاك ، فإن المسلم لا يؤذي المسلم ، بل أسقط القصاص في الدنيا القصاص في الآخرة ، فقد أنعم عليه بضرب من النعم ، فإن عفا وأصلح ولم يؤاخذه وتجاوز عن سيئته فذلك المقام العالي وأجره على اللّه ، بشرط ترك المطالبة في الآخرة ، وحق اللّه ثابت قبله لأنه تعدى حده ، فقدح في إسلامه قدر ما تعدى ، فإن قيل : إن عصى المسلم ربه في غير المسلم هل يكون مسلما بذلك أم لا ؟
قلنا : لا يكون مسلما ، فإن اللّه يقول : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) والمسلم لا يكون ملعونا ،
فلقائل أن يقول : هنا بالمجموع كانت اللعنة ، ونحن إنما قلنا : من آذى اللّه وحده ، قلنا : كل من آذى اللّه وحده في زعمه فقد آذى المسلمين ، فإن المسلم يتأذى إذا سمع في اللّه من القول ما لا يليق به ، فهو مؤاخذ من جهة ما تأذى به المسلمون ، من قولهم «1» في اللّه ما لا يليق به ، فإن قيل :فإن لم يعرف ذلك المسلمون منه حتى يتأذوا من ذلك ،
قلنا : حكم ذلك حكم الغيبة ، فإنه لو عرف من اغتيب تأذى ، وهو مؤاخذ بالغيبة فهو مؤاخذ بإيذائه اللّه وإن لم يعرف بذلك مسلم ،
قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ لا أحد أصبر على أذى من اللّه ] ، فالمسلم من كان بهذه المثابة ، وهو السعيد المطلق وقليل ما هم : «وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» المؤمنون والمؤمنات تولاهم اللّه بالإيمان الذي هو القول والعمل والاعتقاد ، وحقيقته الاعتقاد شرعا ولغة ، وهو في القول والعمل شرعا لا لغة ، فالمؤمن من كان قوله وفعله مطابقا لما يعتقده في ذلك الفعل ، فأولئك من الذين أعد اللّه لهم مغفرة وأجرا عظيما ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ]
وقال صلّى اللّه عليه وسلم : [ المؤمن من أمن جاره بوائقه ] ولم يخصّ مؤمنا ولا مسلما ،
بل قال : الناس والجار من غير تقييد ، فإن المسلم قيّده بسلامة المسلمين ، ففرق بين المسلم
(1) الضمير هنا يعود على غير المسلمين الذين آذاهم المسلم.
والمؤمن بما قيده به وبما أطلقه ، فعلمنا أن للإيمان خصوص وصف ، وهو التصديق تقليدا من غير دليل ، ليفرق بين الإيمان والعلم ، والمؤمن الذي اعتبره الشرع من أهل هذه الآية له علامتان في نفسه إذا وجدهما كان من المؤمنين ،
العلامة الواحدة أن يصير الغيب له كالشهادة ، من عدم الريب فيما يظهر على المشاهد لذلك الأمر الذي وقع به الإيمان ، من الآثار في نفس المؤمن كما يقع في نفس المشاهد له ، فيعلم أنه مؤمن بالغيب ، والعلامة الثانية أن يسري الأمان منه في نفس العالم كله ،
فيأمنوه على القطع على أموالهم وأنفسهم وأهليهم ، من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة في أنفسهم من هذا الشخص ، وانفعلت لأمانته النفوس ، فذلك هو المشهود له بأنه من المؤمنين ، ومهما لم يجد هاتين العلامتين فلا يغالط نفسه ولا يدخلها مع المؤمنين ،
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ)
فمن ادعى الإيمان وزعم أن له نفسا يملكها فليس بمؤمن «وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ» هم الذين تولاهم اللّه بالقنوت ، وهو الطاعة للّه في كل ما أمر به ونهى عنه ، وهذا لا يكون إلا بعد نزول الشرائع ، قال تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) أي طائعين فأمر بطاعته ،
والساجدون للّه على قسمين:منهم من يسجد طوعا ، ومنهم من يسجد كره،
فالقانت يسجد طوعا ، وتصحيح طاعتهم للّه وقنوتهم أن يكون الحق لهم بهذه الموازنة ، كما قال : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)
[ ومن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراع ] فالحق مع العبد على قدر ما هو العبد مع الحق ، ومن شرط القانت أن يطيع اللّه من حيث ما هو عبد اللّه ، لا من حيث ما وعده اللّه به من الأجر والثواب لمن أطاعه ، وأما الأجر الذي يحصل للقانت ،
فذلك من حيث العمل الذي يطلبه لا من حيث الحال الذي أوجب له القنوت ،
قال اللّه تعالى في القانتات من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ
) فالأجر هنا للعمل الصالح الذي عملته ، وكان مضاعفا في مقابلة
قوله تعالى في حقهن : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ)
لمكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولفعل الفاحشة ، كذلك ضوعف الأجر للعمل الصالح ومكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبقي القنوت معرى عن الأجر ، فإنه أعظم من الأجر فإنه ليس بتكليف ، وإنما الحقيقة تطلبه ، وهو حال يستصحب العبد في الدنيا والآخرة ، والقنوت مع العبودية في دار التكليف لا مع الأجر ، ذلك هو القنوت المطلوب ، والحق إنما ينظر للعبد في طاعته بعين باعثه على تلك الطاعة ،
ولهذا قال تعالى آمر :
(وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) ولم يسم أجرا ، ولا جعل القنوت إلا من أجله لا من أجل أمر آخر «وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ» هم الذين تولاهم اللّه بالصدق في أقوالهم وأفعالهم
فقال تعالى : (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) فهذا من صدق أحوالهم ، والصدق في القول معلوم وهو ما يخبر به ، وصدق الحال ما يفي به في المستأنف ، وهو أقصى الغاية في الوفاء لأنه شديد على النفس فلا يقع الوفاء به في الحال والقول إلا من الأشداء الأقوياء ، ولا سيما في القول ، فإنك لو حكيت كلاما عن أحد كان بالفاء فجعلت بدله واوا لم تكن من هذه الطائفة ، فانظر ما أغمض هذا المقام وما أقواه ، فإن نقلت الخبر على المعنى تعرّف السامع أنك نقلت على المعنى ، فتكون صادقا من حيث إخبارك عن المعنى عند السامع ، ولا تسمى صادقا من حيث نقلك لما نقلته ،
فإنك ما نقلت عين لفظ من نقلت عنه ، ولا تسمى كاذبا فإنك قد عرفت السامع أنك نقلت المعنى ، فأنت مخبر للسامع عن فهمك لا عمن تحكي عنه ، فأنت صادق عنده في نقلك عن فهمك ، لا عن الرسول أو من تخبر عنه أن ذلك مراده بما قال ،
فالصدق في المقال عسير جدا ، قليل من الناس من يفي به ، إلا من أخبر السامع أنه ينقل على المعنى فيخرج من العهدة ، فالصدق في الحال أهون منه إلا أنه شديد على النفوس ، فإنه يراعي جانب الوفاء لما عاهد من عاهد عليه ،
وقد قرن اللّه الجزاء بالصدق والسؤال عنه فقال : (ليجزي الصادقين بصدقهم)
ولكن بعد أن يسأل الصادقين عن صدقهم ، وجزاؤهم به هو صدق اللّه فيما وعدهم به «وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ» هؤلاء تولاهم اللّه بالصبر ، وهم الذين حبسوا نفوسهم مع اللّه على طاعته من غير توقيت ، فجعل اللّه جزاءهم على ذلك من غير توقيت ،
فقال تعالى : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) فما وقّت لهم فإنهم لم يوقتوا ، فعم صبرهم جميع المواطن التي يطلبها الصبر ، فكما حبسوا نفوسهم على الفعل بما أمروا به ، حبسوها أيضا على ترك ما نهوا عن فعله ، فلم يوقتوا فلم يوقّت لهم الأجر ، وهم الذين أيضا حبسوا نفوسهم عند وقوع البلايا والرزايا بهم عن سؤال ما سوى اللّه في رفعها عنهم ، بدعاء الغير أو شفاعة أو طب ، إن كان من البلاء الموقوف إزالته على الطب ،
ولا يقدح في صبرهم شكواهم إلى اللّه في رفع ذلك البلاء عنهم ، ألا ترى إلى أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقوله : (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ومع هذا أثنى عليه بالصبر وشهد له به ، فلو كان الدعاء إلى اللّه في رفع الضرر
ورفع البلاء يناقض الصبر المشروع المطلوب لم يثن اللّه به على أيوب بالصبر وقد أثنى عليه به ، بل من سوء الأدب مع اللّه أن لا يسأل العبد رفع البلاء عنه ، لأن فيه رائحة من مقاومة القهر الإلهي بما يجده من الصبر وقوته ،
وهذا لا يناقض الرضا بالقضاء ، فإن البلاء إنما هو عين المقضي لا القضاء ، فيرضى بالقضاء ويسأل اللّه في رفع المقضي عنه ، فيكون راضيا صابر «وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ»
قوم تولاهم اللّه بالخشوع من ذل العبودية القائم بهم ، لتجلي سلطان الربوبية على قلوبهم في الدار الدنيا ، فينظرون إلى الحق سبحانه من طرف خفي ، يوجده اللّه لهم في قلوبهم في هذه الحالة ، خفي عن إدراك كل مدرك إياه ، بل لا يشهد ذلك النظر منهم إلا اللّه ، فمن كانت حالته هذه في الدار الدنيا من رجل أو امرأة فهو الخاشع وهي الخاشعة ، فيشبه القنوت من وجه إلا أن القنوت يشترط فيه الأمر الإلهي ، والخشوع لا يشترط فيه إلا التجلي الذاتي ،
وكلتا الصفتين تطلبهما العبودية ، فلا يتحقق بهما إلا عبد خالص العبودية والعبودة ،
وله حال ظاهر في الجوارح التي لها الحركات ، وحال باطن في القلوب ، فيورث في الظاهر سكونا ويؤثر في الباطن ثبوتا ، والقنوت يورث في الظاهر بحسب ما ترد به الأوامر من حركة وسكون ، فإن كان القانت خاشعا فحركته في سكون ولا بد إن ورد الأمر بالتحرك ، ويورث القنوت في الباطن انتقالات أدق من الأنفاس ، متوالية مع الأوامر الإلهية الواردة عليه في عالم باطنه ، فالخاشع في قنوته في الباطن ثبوته على قبول تلك الأوامر الواردة عليه من غير أن يتخللها ما يخرجها عن أن تكون مشهودة لهذا الخاشع ،
فالخاشع والقانت خشوعه وقنوته أخوان متفقان في الموفقين من عباد اللّه «وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ» وهم الذين تولاهم اللّه بجوده ليجودوا بما استخلفهم اللّه فيه مما افتقر إليه خلق اللّه ، فأحوج اللّه الخلق إليهم لغناهم باللّه ، فالكلمة الطيبة صدقة ،
ولما كان حالهم التعمل في الإعطاء لا العمل ، دل على أنهم متكسبون في ذلك ، لنظرهم أن ذلك ليس لهم وإنما هو للّه ، فلا يدعون فيما ليس لهم ، فلا منة لهم في الذي يوصلونه إلى الناس أو إلى خلق اللّه من جميع الحيوانات ، وكل متغذ عليهم لكونهم مؤدين أمانة كانت بأيديهم أوصلوها إلى مستحقيها ،
فلا يرون أن لهم فضلا عليهم فيما أخرجوه ، وهذه الحالة لا يمدحون بها إلا مع الدوام والدءوب عليها في كل حال «وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ» قوم تولاهم اللّه بالإمساك الذي يورثهم الرفعة عند اللّه تعالى عن كل شيء أمرهم الحق أن يمسكو
عنه أنفسهم وجوارحهم ، فمنه ما هو واجب ومندوب ، والصوم المعهود داخل فيه ، والمقام الأكمل لمن تحقق بهذا الإمساك ، فأورثه الرفعة عند اللّه ، فإن الصوم هو الرفعة ، قال الشاعر : إذا صام النهار وهجر ؛ أي ارتفع النهار «وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ» وهو خصوص من عموم حفظ حدود اللّه ،
ولهذا قال فيهم : «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً» أي سترا ، لأن الفرج عورة تطلب الستر ، فهو إنباء عن حقيقة والحافظون فروجهم على طبقتين : منهم من يحفظ فرجه عما أمر بحفظه منه ولا يحفظه مما رغب في استعماله ، لأمور إلهية وحكم ربانية أظهرها إبقاء النوع على طريق القربة ، ومنهم من يحفظ فرجه إبقاء على نفسه لغلبة عقله على طبعه ، وغيبته عما سنه أهل السنن من الترغيب في ذلك ، فإن انفتح له عين وانفرج له طريق إلى ما تعطيه حقيقة الوضع المرغب في النكاح فذلك صاحب فرج فلم يحفظه الحفظ الذي أشرنا إليه ، وأما صاحب الشرع الحافظ به فلا بد له من الفتح ، ولكن إذا اقترنت مع الحفظ الهمة «وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ» وهم الذين تولاهم اللّه بإلهام الذكر ليذكروه فيذكرهم ،
قال تعالى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)
وقال : [ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ] والذكر أعلى المقامات كلها ، ولما كان الذاكرون أعلى الطوائف لأن اللّه جليسهم ، لهذا ختم اللّه بجلسائه وبذكرهم صفات المقربين من أهل اللّه ، ذكرانهم وإناثهم ، فالذاكر هو الرجل الذي له الدرجة على غيره من أهل المقامات ، فإن اللّه تعالى مع الذاكرين له بمعية اختصاص ، وما ثمّ إلا مزيد علم ، به يظهر الفضل ، فكل ذاكر لا يزيد علما في ذكره بمذكوره فليس بذاكر ، وإن ذكر بلسانه ، لأن الذاكر هو الذي يعمه الذكر كله ، فذلك هو جليس الحق ، فلا بد من حصول الفائدة ، لأن العالم الكريم الذي لا يتصور فيه بخل لا بد أن يهب جليسه أمرا لم يكن عنده ، إذ ليس هنالك بخل ينافي الجود ، فلم يبق إلا المحل القابل ، ولا يجالس إلا ذو محل قابل ، فذلك هو جليس الحق ، وهم على الحقيقة جلساء اللّه من حيث الاسم الذي يذكرونه به ،
وهذه مسئلة لا يعرفها كثير من الناس ، وما ذكر اللّه بعد الذاكرات شيئا ، فالذاكرون اللّه كثيرا والذاكرات آخر الطوائف ، ليس بعدهم أحد له نعت يذكر ، فختم بهم جلساءه ،
وقوله تعالى : «كَثِيراً» أي في كل حال ، هذا معنى الكثير ، فإنه من الناس من يكون له هذه الحالة في أوقات ما ، ثم ينحجب ، ومن ذلك أن كل صفة علوية إلهية لا تنبغي إلا للّه ويكون
مظهرها في المخلوقين (مثل الغنى والعزة والجبروت) ، فإن العلماء باللّه يذلون تحت سلطانها ولا تحجبهم المظاهر عنها ولا يعرف ذلك إلا العلماء باللّه ، وأعلى الذكر أن نذكره بكلامه من حيث علمه بذلك لا من حيث علمنا ، فيكون هو الذي يذكر نفسه لا نحن «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً» هؤلاء أعد اللّه لهم المغفرة والأجر العظيم قبل وقوع الذنب المقدر عليهم عناية منه ، فدلّ ذلك على أنهم من العباد الذين لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم بالقدر المحتوم ، لا انتهاكا للحرمة الإلهية ، وقد ورد في الصحيح في الخبر الإلهي [ اعمل ما شئت فقد غفرت لك ] .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

