ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴿46﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب
مع التشكيل
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
الرسم العثماني
ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ
النقل الصوتي
A<b>l</b>nn<u>a</u>ru yuAAra<u>d</u>oona AAalayh<u>a</u> ghuduwwan waAAashiyyan wayawma taqoomu a<b>l</b>ss<u>a</u>AAatu adkhiloo <u>a</u>la firAAawna ashadda alAAa<u>tha</u>b<b>i</b>
English
The Fire; they are exposed to it morning and evening; and on the day when the Hour upriseth (it is said): Cause Pharaoh's folk to enter the most awful doom.
Français
le Feu, auquel ils sont exposés matin et soir. Et le jour où l'Heure arrivera (il sera dit): «Faites entrer les gens de Pharaon au plus dur du châtiment».
Türkçe
Ateş, sabahakşam, onlara gösterilecek ve kıyametin koptuğu günde Firavun soyunu denecek, sokun azabın en çetinine.
Deutsch
das Feuer. Sie werden ihm morgens und abends ausgesetzt. Und an dem Tag, wenn die Stunde anbricht: "Lasst Pharaos Leute zur qualvollsten Peinigung eintreten."
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة ، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ; ولهذا قال : ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) أي : أشده ألما وأعظمه نكالا . وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور ، وهي قوله : ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) .
ولكن هاهنا سؤال ، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية ، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ ، وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا هاشم - هو ابن القاسم أبو النضر - حدثنا إسحاق بن سعيد - هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص - حدثنا سعيد - يعني أباه - عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية : وقاك الله عذاب القبر . قالت : فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي فقلت : يا رسول الله ، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة ؟ قال : " لا وعم ذلك ؟ " قالت : هذه اليهودية ، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت : وقاك الله عذاب القبر . قال : " كذبت يهود . وهم على الله أكذب ، لا عذاب دون يوم القيامة " . ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث ، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه ، محمرة عيناه ، وهو ينادي بأعلى صوته : " القبر كقطع الليل المظلم - أيها الناس - لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا - أيها الناس - استعيذوا بالله من عذاب القبر ، فإن عذاب القبر حق " .
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، ولم يخرجاه .
وروى أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - قال : سألتها امرأة يهودية فأعطتها ، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر . فأنكرت عائشة ذلك ، فلما رأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت له ، فقال : " لا " . قالت عائشة : ثم قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك : " وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم " .
وهذا أيضا على شرطهما .
فيقال : فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية ، وفيها الدليل على عذاب البرزخ ؟ والجواب : أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور ، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح ، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها .
وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب ، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد :
حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة من اليهود ، وهي تقول : أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم ؟ فارتاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " إنما يفتن يهود " قالت عائشة : فلبثنا ليالي ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ؟ " وقالت عائشة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد يستعيذ من عذاب القبر .
وهكذا رواه مسلم ، عن هارون بن سعيد وحرملة ، كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزهري به .
وقد يقال : إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها ، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقد روى البخاري من حديث شعبة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فقالت : أعاذك الله من عذاب القبر . فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عذاب القبر ؟ فقال : " نعم عذاب القبر حق " . قالت عائشة : فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر .
فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر ، وقرر عليه . وفي الأخبار المتقدمة : أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي ، فلعلهما قضيتان ، والله أعلم ، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا .
وقال قتادة في قوله : ( غدوا وعشيا ) صباحا ومساء ، ما بقيت الدنيا ، يقال لهم : يا آل فرعون ، هذه منازلكم ، توبيخا ونقمة وصغارا لهم .
وقال ابن زيد : هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا المحاربي ، حدثنا ليث ، عن عبد الرحمن بن ثروان ، عن هذيل ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا ، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت ، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش ، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها ، فذلك عرضها .
وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهزيل بن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون . وكذلك قال السدي .
وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه : " ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله ، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ، مصفدون على سابلة آل فرعون ، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا . ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا زيد بن أخرم ، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي ، حدثنا عتبة - يعني ابن يقظان - عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله " . قال : قلنا : يا رسول الله ما إثابة الكافر ؟ فقال : " إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة ، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك " . قلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال : " عذابا دون العذاب " وقرأ : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ورواه البزار في مسنده ، عن زيد بن أخرم ، ثم قال : لا نعلم له إسنادا غير هذا .
وقال ابن جرير : حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير ، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال : سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال - رحمك الله - رأينا طيورا تخرج من البحر ، تأخذ ناحية الغرب بيضا ، فوجا فوجا ، لا يعلم عددها إلا الله - عز وجل - فإذا كان العشي رجع مثلها سودا ، قال : وفطنتم إلى ذلك ؟ قال : نعم ، قال : إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون تعرض على النار غدوا وعشيا ، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا ، فينبت عليها من الليل ريش أبيض ، ويتناثر السود ، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا ، ثم ترجع إلى وكورها . فذلك دأبهم في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) قال : وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار . فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله - عز وجل - إلى يوم القيامة " .
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به .
الطبري
الميسر
السعدي
وفي البرزخ { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
البغوي
وذلك قوله عز وجل : ) ( النار ) هي رفع على البدل من السوء ، ( يعرضون عليها غدوا وعشيا ) صباحا ومساء ، قال ابن مسعود : أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين ، تغدو وتروح إلى النار ، ويقال : يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة .
وقال قتادة ، ومقاتل ، والسدي ، والكلبي : تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " .
ثم أخبر الله عن مستقرهم يوم القيامة فقال : ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر : " الساعة ادخلوا " بحذف الألف والوصل ، وبضمها في الابتداء ، وضم الخاء من الدخول ، أي : يقال لهم : ادخلوا يا " آل فرعون أشد العذاب " ، وقرأ الآخرون " أدخلوا " بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال ، أي : يقال للملائكة : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . قال ابن عباس : يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (46)
اعلم أن اللّه سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية - حيث كانت- والعنصرية ، أودعها صورا جسدية في مجموع الصور الذي هو قرن من نور ، وفي تلك
الصور قوم فرعون يعرضون على النار غدوة وعشية ولا يدخلونها ، فإنهم محبوسون في ذلك القرن وفي تلك الصور ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، وهو العذاب المحسوس لا المتخيل الذي كان لهم في حال موتهم بالعرض ، ففي البرزخ يكون العرض ، وفي الدار الآخرة يكون الدخول ، فقال تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ» يريد خاصته لأنهم هم الذين تولوا عذاب بني إسرائيل ، قال تعالى : (وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ) ثم قال تعالى: «أَشَدَّ الْعَذابِ» في مقابلة سوء ، وقرئ بكسر الخاء ، فقد يمكن أن يقال لبني إسرائيل يوم القيامة ذلك ليولوهم أشد العذاب بأنفسهم كما فعلوا هم بهم في الدنيا حين ساموهم سوء العذاب . وآل الرجل أهله وخوله وأنصاره وأتباعه.
[سورة غافر (40) : الآيات 47 إلى 57]
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (47) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (49) قالُو وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51)
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (53) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57)
-الوجه الأول-[ «لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ» ]
يريد في المعنى ، فإن أكبر هنا للمفاضلة ، وليس إلا أن السماوات والأرض هما الأصل في وجود الهيكل الإنساني ونفسه الناطقة ، فالسّماوات ما علا ، والأرض ما سفل ، فهو منفعل عنهما ، فإن الإنسان والعالم الكبير يشتر كان في العالمية ، فليس للعالم على الإنسان درجة من هذه الجهة ، ولكن الدرجة التي فضل بها السماء والأرض على الإنسان هما أن الإنسان منفعل عن السماء والأرض ومولد بينهما ومنهما ، والمنفعل لا يقوى قوة الفاعل ، فالناس في رتبة الانفعال عن حركة الأفلاك وقبول التكوين الذي في العناصر ،
فكان المراد المعنى لا الجرمية ، فإن الجرمية غير معتبرة هنا ، فمن طريق المعنى أن نسبة الأرض والسماء إلى جانب الحق أكبر من خلق الناس من حيث ما فيهم من سماء وأرض ،
فإنها في السماء والأرض معنى وصورة ، وهما في الناس معنى لا صورة ، والجامع بين المعنى والصورة أكبر في الدلالة ممّن انفرد بأحدهما ،
لذا قال تعالى : «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ذلك مع الاشتراك في الدلالة والعلامة على وجود المرجح ، ويدل ذلك على أن بعض الناس يعلم ذلك ، فالقليل من الناس من يعلم أن خلق السماوات وهي الأسباب العلوية لوجود الإنسان ، والأرض وهي الأسباب السفلية لوجود الإنسان ، أكبر من خلق الناس قدرا ، لأن لها نسبة الفاعلية وللناس نسبة الانفعال ، فإنه ما من أحد إلا وهو يعلم حسا أن خلق السماوات والأرض أكبر في الجرم من خلق الناس ، فما ثمّ إلا انفعال الجسم الطبيعي عنهما لا غير . فأراد الحق بهذه الآية المنزلة ، فإن الجرم يعلمه كل أحد ، ولهذا يصدر عن حركات السماوات والأرض أعيان المولدات والتكوينات ، والإنسان من حيث جرمه من المولدات ، ولا يصدر من الإنسان هذا ، وطبيعة العناصر من ذلك ، فلهذا كانا أكبر من خلق الإنسان ، إذ هما له كالأبوين ، فلهما درجة الأبوة فلا يلحقهما أبدا ، فرفع اللّه مقدارهما ، والإنسان من الأمر الذي ينزل بين السماء والأرض ، ولا يمنع ذلك من أن الإنسان الكامل أكمل نشأة ظهرت في الموجودات ، لأن الإنسان الكامل وجد على الصورة لا الإنسان الحيوان ، والصورة لها الكمال ، ولكن لا يلزم من
هذا أن يكون هو الأفضل عند اللّه ، فذلك للّه تعالى وحده فإن المخلوق لا يعلم ما في نفس الخالق إلا بإعلامه إياه ، ولكن ما تفطن الناس لقوله تعالى : «أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ» من كونهم ناسا ، ولم يقل أكبر من خلق آدم ولا من الخلفاء ، فإنه ما خلق على الصورة من كونه من الناس ، إذ لو كان كذلك لما فضل الناس بعضهم بعضا ، ولا فضلت الرسل بعضهم بعضا ، ففضل الصورة لا يقاومه فضل ، فالإنسان عالم صغير ،
والعالم إنسان كبير مختصره الإنسان الصغير، لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها ، فخرج على صورة العالم ، فكان قليل من الناس يعلم ذلك
- الوجه الثاني -هذه الآية تدل على شرف الجماد على الإنسان لمعنى خلقها اللّه عليه وخلقه فيها ، أترى هذا الكبر في الجرم وعظم الكمية ؟
هيهات لا واللّه ! فإن ذلك معلوم بالحس ،
وإنما ذلك لمعنى أوجده فيها لم يكن ذلك للإنسان يعطيه العلم بالمراتب ومقادير الأشياء عند اللّه تعالى ، فنزل كل موجود منزلته التي أنزله اللّه فيها ، ومن هذا المعنى إبايتها لحمل الأمانة عندما عرضت عليها عرضا ، فكان خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس في المنزلة،
فإنهن كن أعلم بقدر الأمانة من الإنسان ، فبهذا أيضا كن أكبر من خلق الناس في المنزلة من العلم ، فإنهن ما وصفن بالجهل كما وصف الإنسان ، وكذلك لما أمرتا بالإتيان أمر وجوب ، فإن لم يجئن جيء بهن على كره ، قالتا (أَتَيْنا طائِعِينَ) لعلمهن بأن الذي أمرهن قادر على الإتيان بهن على كره منهن
-إشارة لطيفة-
إن خلق الإنسان وإن كان عن حركات فلكية هي أبوه ، وعن عناصر قابلة وهي أمه ، فإن له من جانب الحق أمرا ما هو في آبائه ولا أمهاته ، من ذلك الأمر وسع جلال اللّه تعالى ، إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي هو السماء أو أمه التي هي الأرض أو منهما ، لكان السماء والأرض أولى بأن يسعا الحق ممن تولد عنهما ، فاختص الإنسان بأمر أعطاه هذه السعة التي ضاق عنها السماء والأرض ، فلم تكن له هذه السعة إلا من حيث أمر آخر من اللّه ، فضل به على السماء والأرض ، وهذا الأمر هو خلقه على الصورة
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن اللّه خلق آدم على صورته ]
فكل واحد من العالم فاضل مفضول ، فقد فضل كل واحد من العالم من فضله ، لحكمة الافتقار والنقص الذي هو عليه كل ما سوى اللّه ، فإن الإنسان إذا زها بهذه السعة وافتخر على الأرض والسماء جاءه قوله تعالى : «لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ» وإذا زهت السماء والأرض بهذه الآية على الإنسان جاء قوله : [ م
وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي ] فأزال عنه هذا العلم ذلك الزهو والفخر وعنهما ، وافتقر الكل إلى ربه ، وانحجب عن زهوه ونفسه .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

