تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 12 من سورة فصلت

رقم السجل 4230 · السورة 41 · الآية 12

۞ قراءة النص
۞

فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿12﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم

مع التشكيل

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

الرسم العثماني

فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

النقل الصوتي

Faqa<u>da</u>hunna sabAAa sam<u>a</u>w<u>a</u>tin fee yawmayni waaw<u>ha</u> fee kulli sam<u>a</u>in amrah<u>a</u> wazayyann<u>a</u> a<b>l</b>ssam<u>a</u>a a<b>l</b>dduny<u>a</u> bima<u>sa</u>bee<u>h</u>a wa<u>h</u>if<i><u>th</u></i>an <u>tha</u>lika taqdeeru alAAazeezi alAAaleem<b>i</b>

English

Then He ordained them seven heavens in two Days and inspired in each heaven its mandate; and We decked the nether heaven with lamps, and rendered it inviolable. That is the measuring of the Mighty, the Knower.

Français

Il décréta d'en faire sept cieux en deux jours et révéla à chaque ciel sa fonction. Et Nous avons décoré le ciel le plus proche de lampes [étoiles] et l'avons protégé. Tel est l'Ordre établi par le Puissant, l'Omniscient.

Türkçe

Derken onları yedi gök olarak iki günde yaratmış ve her göğe yapacağı işi vahyetmiştir. Ve dünya göğünü kandillerle bezedik ve koruduk; işte bu, üstün olan ve her şeyi bilen mabudun takdiridir.

Deutsch

Dann bestimmte ER sie zu sieben Himmeln in zwei Ay-yam, und ließ in jedem Himmel seine Anweisung als Wahy zuteil werden. Und WIR schmückten den untersten Himmel mit Lampen und Bewahrendem. Dies ist die Bestimmung Des Allwürdigen, Des Allwissenden.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«فقضاهنَّ» الضمير يرجع إلى السماء لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه، أي صيَّرها «سبع سماوات في يومين» الخميس والجمعة فرغ منها في آخر ساعة منه، وفيها خلق آدم ولذلك لم يقل هنا سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام «وأوحى في كل سماءٍ أمرها» الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة «وزينا السماء الدنيا بمصابيح» بنجوم «وحفظاً» منصوب بفعله المقدَّر، أي حفظناها من استراق الشياطين السمع بالشهب «ذلك تقدير العزيز» في ملكه «العليم» بخلقه.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

( فقضاهن سبع سموات في يومين ) أي : ففرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين ، أي : آخرين ، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة .

( وأوحى في كل سماء أمرها ) أي : ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة ، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو ، ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح ) وهن الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض ، ( وحفظا ) أي : حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى .

( ذلك تقدير العزيز العليم ) أي : العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره ، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم .

قال ابن جرير : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي سعيد البقال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - قال هناد : قرأت سائر الحديث - أن اليهود أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن خلق السماوات والأرض ، فقال : " خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين ، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب ، فهذه أربعة : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) لمن سأل ، قال : " وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه ، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال ، حين يموت من مات ، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس ، وفي الثالثة آدم ، وأسكنه الجنة ، وأمر إبليس بالسجود له ، وأخرجه منها في آخر ساعة " . ثم قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد ؟ قال : " ثم استوى على العرش " . قالوا : قد أصبت لو أتممت . قالوا : ثم استراح . فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا ، فنزل : ( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ) [ ق : 38 ] .

هذا الحديث فيه غرابة . فأما حديث ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي فقال : " خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل " فقد رواه مسلم ، والنسائي في كتابيهما ، عن حديث ابن جريج به . وهو من غرائب الصحيح ، وقد علله البخاري في التاريخ فقال : رواه بعضهم عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] عن كعب الأحبار ، وهو الأصح .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى:{قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض} {أئنكم} بهمزتين الثانية بين بين و{أائنكم} بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق السموات والأرض؟ ! {في يومين} الأحد والاثنين {وتجعلون له أندادا} أي أضدادا وشركاء {ذلك رب العالمين}. {وجعل فيها} أي في الأرض {رواسي من فوقها} يعني الجبال. وقال وهب : لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء؛ فقال لجبريل ثبتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال : يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها فثبتها بالجبال وأرساها {وبارك فيها} بما خلق فيها من المنافع. قال السدي : أنبت فيها شجرها. {وقدر فيها أقواتها} قال السدي والحسن : أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد : خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك : معنى {قدر فيها أقواتها} أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة : حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد والضحاك : السابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من اليمن. {في أربعة أيام} يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما؛ أي في تتمة خمسة عشر يوما. قال معناه ابن الأنباري وغيره. {سواء للسائلين} قال الحسن : المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء : في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن، البصري ويعقوب الحضرمي {سواء للسائلين} بالجر وعن ابن القعقاع {سواء}بالرفع؛ فالنصب على المصدر و{سواء} بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل : على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي {في أربعة أيام} مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر {للسائلين} أو على تقدير هذه {سواء للسائلين}. وقال أهل المعاني : معنى {سواء للسائلين} ولغير السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} [البقرة : 29] وقد مضى القول هناك. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: {ثم استوى إلى السماء} يعني صعد أمره إلى السماء؛ وقال الحسن. ومن قال : إنه صفة ذاتية زائدة قال : استوى في الأزل بصفاته. و{ثم} ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة. وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في {البقرة} عن ابن مسعود وغيره. {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس : قال الله تعالى للسماء : أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض : شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين {قالتا أتينا طائعين} في الكلام حذف أي أتينا أمرك {طائعين}. وقيل : معنى هذا الأمر التسخير؛ أي كونا فكانتا كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل : 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان : أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد؛ ذكره الماوردي. {قالتا أتينا طائعين} فيه أيضا وجهان : أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز : امتلأ الحوض وقال قطني ** مهلا رويدا قد ملأت بطني يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى : قال أبو نصر السكسكي : فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع الله تعالى فيه حرمه. وقال: {طائعين} ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، وقيل : لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله: {رأيتهم لي ساجدين} [يوسف : 4] وقد تقدم. وفي حديث : إن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما {ائتيا طوعا أو كرها} عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال : يا رب وأين تلك الدابة؟ قال : في مرج من مروجي. قال : يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة {آتيا}بالمد والفتح. وكذلك قوله: {آتينا طائعين} على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما {قالتا}أعطينا {طائعين} فحذف المفعولين جميعا. ويجوز وهو أحسن أن يكون {آتينا} فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ: {آتينا} فالمعنى جئنا بما فينا؛ على ما تقدم بيانه في غير ما موضع والحمد لله. قوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي أكملهن وفرغ منهن. وقيل. أحكمهن كما قال : وعليهما مسرودتان قضاهما ** داود أو صنع السوابغ تبع {في يومين} سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما قال تعالى: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف : 54] على ما تقدم في {الأعراف} بيانه. قال مجاهد : ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبدالله بن سلام قال : خلق الله الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين؛ خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وأخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عجل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال : (خلق الله التربة يوم السبت...) الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة (الأنعام). {وأوحى في كل سماء أمرها} قال قتادة والسدي : خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس؛ قال : ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل : أوحى الله في كل سماء؛ أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمرا؛ لقوله: {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة : 5] وقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة : 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. قوله تعالى: {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} أي بكواكب تضيء وقيل : إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل : بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. {وحفظا} أي وحفظناها حفظا؛ أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي ترجم بها الشياطين على ما تقدم في {الحجر} بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى {أم السماء بناها} [النازعات : 27] ثم قال: {والأرض بعد ذلك دحاها {النازعات : 30] وهذا يدل على خلق السماء أولا. وقال قوم : خلقت الأرض قبل السماء؛ فأما قوله} والأرض بعد ذلك دحاها {النازعات : 30] فالدحو غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها؛ قال ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجودا في {البقرة} والحمد لله. {ذلك تقدير العزيز العليم}.
عرض مصدر التفسير
الميسر
فقضى الله خلق السماوات السبع وتسويتهن في يومين، فتم بذلك خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لحكمة يعلمها الله، مع قدرته سبحانه على خلقهما في لحظة واحدة، وأوحى في كل سماء ما أراده وما أمر به فيها، وزيَّنا السماء الدنيا بالنجوم المضيئة، وحفظًا لها من الشياطين الذين يسترقون السمع، ذلك الخلق البديع تقدير العزيز في ملكه، العليم الذي أحاط علمه بكل شيء.
عرض مصدر التفسير
السعدي

{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } فَتَمَّ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، مع أن قدرة اللّه ومشيئته صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة، ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة.

واعلم أن ظاهر هذه الآية، مع قوله تعالى في النازعات، لما ذكر خلق السماوات قال: { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } يظهر منهما التعارض، مع أن كتاب اللّه، لا تعارض فيه ولا اختلاف.

والجواب عن ذلك، ما قاله كثير من السلف، أن خلق الأرض وصورتها متقدم على خلق السماوات كما هنا، ودحي الأرض بأن { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات، ولهذا قال فيها: { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا } إلى آخره ولم يقل: "والأرض بعد ذلك خلقها"

وقوله: { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } أي: الأمر والتدبير اللائق بها، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين.

{ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } هي: النجوم، يستنار، بها، ويهتدى، وتكون زينة وجمالاً للسماء ظاهرًا، وجمالاً لها، باطنًا، بجعلها رجومًا للشياطين، لئلا يسترق السمع فيها. { ذَلِكَ } المذكور، من الأرض وما فيها، والسماء وما فيها { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ } الذي عزته، قهر بها الأشياء ودبرها، وخلق بها المخلوقات. { الْعَلِيمِ } الذي أحاط علمه بالمخلوقات، الغائب والشاهد.

فَتَرْكُ المشركين الإخلاص لهذا الرب العظيم الواحد القهار، الذي انقادت المخلوقات لأمره ونفذ فيها قدره، من أعجب الأشياء، واتخاذهم له أندادًا يسوونهم به، وهم ناقصون في أوصافهم وأفعالهم، أعجب، وأعجب، ولا دواء لهؤلاء، إن استمر إعراضهم، إلا العقوبات الدنيوية والأخروية.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) أي : أتمهن وفرغ من خلقهن ، ( وأوحى في كل سماء أمرها ) قال عطاء عن ابن عباس : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله .

وقال قتادة والسدي : يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها .

وقال مقاتل : وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي ، وذلك يوم الخميس والجمعة .

( وزينا السماء الدنيا بمصابيح ) كواكب ، ( وحفظا ) لها ، ونصب " حفظا " على المصدر ، أي : حفظناها بالكواكب حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع ، ( ذلك ) الذي ذكر من صنعه ، ( تقدير العزيز ) في ملكه ، ( العليم ) بحفظه .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)

[ " وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَه " : ]

فلما قضاهن سبع سماوات في يومين أوحى في كل سماء أمرها ، فإن الحق سبحانه جعل بين السماء والأرض التحاما معنويا وتوجها لما يريد سبحانه أن يوجده في هذه الأرض ، من المولدات من معدن ونبات وحيوان ، وجعل الأرض كالأهل ، وجعل السماء كالبعل ، والسماء تلقي إلى الأرض من الأمر الذي أوحى اللّه فيها كما يلقي الرجل الماء بالجماع في المرأة ، وتبرز الأرض عند الإلقاء ما خبأه الحق فيها من التكوينات على طبقاتها ، وقوله تعالى «فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها» فذلك الأمر هو الذي ينزل إلى أرضه بما أوحى اللّه فيها ، فهو ينزل من كل سماء إلى أرضه في قوله تعالى : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)

فجعل في كل سماء ما يصلح تنفيذه في الأرض من هذا الخلق ، ومن أمرها ما أودع اللّه في حركات الكواكب واقترانها وهبوطها وصعودها في بيوت نحوسها وسعودها ، فعن حركاتها وحركات ما فوقها من الأفلاك حدثت المولدات ، فأودع اللّه في خزائن الكواكب التي في الأفلاك علوم ما يكون من الآثار في العالم العنصري من التقليب والتغيير ، والكواكب مسخرة من اللّه أمينة على ما يحدثه في العالم ،

وهو قوله تعالى : (وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ)


فكما سخّر الرياح والبحار ، هكذا سخّر الكواكب ، فالأمر هو ما تنتجه الحركات الكوكبية ، لأن اللّه ما جعل سباحتها في الأفلاك باطلا ، بل لأمور أودعها اللّه تعالى في المجموع ، فيها وفي حركاتها وفي قطعها في البروج المقدّرة في الفلك الأقصى ، فهي تؤدي في تلك السباحة ما أمنت عليه من الأمور التي يطلبها العالم العنصري والتي لها آثار فيه ، ولذلك فإن الفلك عندنا متحرك حركة إرادية كتحرك الإنسان في الجهات ، لأنه يعقل ويكلّف ويؤمر ، فهو متحرك بالإرادة ليعطي ما في سمائه من الأمر الإلهي الذي يحدث أشياء في الأركان والمولدات ، فحركة الفلك ما تعرف سوى ما تعطيه في الأركان من التحريك ، وشعاعات كواكبها بما أودع اللّه فيها من العقل والروح والعلم في أشخاص كل نوع من المولدات على التعيين ، من معدن ونبات وحيوان وجن ، وملك مخلوق من عمل أو نفس ، بقول من تسبيح وذكر أو تلاوة ، وذلك لعلمها بما أودع اللّه لديها مما ينفرد به الكوكب ومما لا ينفرد به ، فإن كل كوكب يعطى في الدرجة الفلكية على انفراده من الحكم ما لا يعطيه إذا اجتمع معه في تلك الدرجة كوكب آخر أو أكثر ، فذلك الذي يحدث من الاجتماع خارج عن الأمر الذي تنفرد به كل سماء ، والأمر هو ما يعطيه من الآثار في العالم ، كما تعطى كل آلة للصانع بها ما عملت له ، والصنعة مضافة للصانع لا للآلة .

واعلم أن هذه النشأة الإنسانية قبل أخذ الميثاق كانت مبثوثة في العناصر ، ومراتبها إلى حين موتها التي يكون عليها في وجود أعيان أجسامها معلومة معينة في الأمر المودع في السماوات ، لكل حالة من أحواله التي تتقلب فيها في الدنيا صورة في الفلك على تلك الحالة ، قد أخذ اللّه بأبصار الملائكة عن شهودها ، مكتنفة عند اللّه في غيبه ، معيّنة له سبحانه ، لا تعلم السماوات بها مع كونها فيها ، وقد جعل اللّه وجود عينها في عالم الدنيا في حركات تلك الأفلاك ، فهذا من أمرها ، وشأنها حفظ هذه الصور إلى وصول وقتها ، فتعطيها مراتبها في الحياة الدنيا تلك الصورة الفلكية من غير أن تفقد منها ، ذلك تقدير العزيز العليم ، وهذه الصور كلها موجودة في الأفلاك التسعة ، وجود الصورة الواحدة في المرايا الكثيرة المختلفة الأشكال ، فمن أعطي في ذلك الموطن شهود نفسه ومرتبته حكم على نفسه بها ،

وهنا شاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نبوته فقال : [ كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ] فكان له التعريف في تلك الحالة ، وأعطى الحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما لم يعط غيره من وحي أمر السماوات في طالع مولده ، فمن الأمر


المخصوص بالسماء السابعة : لم يبدل حرف من القرآن ولا كلمة ، ولو ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منها بنقص أو زيادة لنسخ اللّه ذلك ، وهذا عصمة ، ومن ذلك الثبات ما نسخت شريعته صلّى اللّه عليه وسلّم بغيرها ، بل ثبتت محفوظة ، واستقرت بكل عين ملحوظة ، ولذلك تستشهد بها كل طائفة ،

ومن الأمر المخصوص بالسماء السادسة : خصّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعلم الأولين الآخرين ، والتؤدة والرحمة والرفق ، وكان بالمؤمنين رحيما ، وما أظهر في وقت غلظة على أحد إلا عن أمر إلهي ،

حين قيل له (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)

ومن ذلك ما حلل اللّه له من الغنائم ، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا ، ومن الأمر المخصوص بالسماء الخامسة : السيف الذي بعث به والخلافة ، واختص بقتال الملائكة معه منها ، فإن ملائكة هذه السماء قاتلت معه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر ،

ومن هذه السماء أيضا بعث من قوم ليس لهم همة إلا في قرى الأضياف ، ونحر الجزر والحروب الدائمة وسفك الدماء ، ومن ذلك النصر بالرعب فهو من السماء الخامسة ،

ومن الوحي المأمور به في السماء الرابعة : نسخه بشريعته جميع الشرائع ، وظهور دينه على جميع الأديان عند كل رسول ممن تقدمه وفي كل كتاب منزل ، فلم يبق لدين من الأديان حكم عند اللّه إلا ما قرر منه ، فبتقريره ثبت ، فهو من شرعه وعموم رسالته ، وإن كان بقي من ذلك حكم ، فليس هو من حكم اللّه إلا في أهل الجزية خاصة ، ومن هذا الأمر من هذه السماء بعث وحده إلى الناس كافة ،

فعمت رسالته ، ومن الوحي المأمور به في السماء الثالثة المختص بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه ما ورد قط عن نبي من الأنبياء أنه حبّب إليه النساء إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كانوا قد رزقوا منهن كثيرا ، كسليمان عليه السلام وغيره ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحبهن بكون اللّه حببهن إليه ، ومن هذه السماء حب الطيب ، وكان من سنته النكاح لا التبتل ، وجعل النكاح عبادة للسر الإلهي في الإنتاج ،

فهذا الفضل زاد فيه بنكاح الهبة ، ومن الأمر الموحى في السماء الثانية : إعجاز القرآن ، والذي أعطيه صلّى اللّه عليه وسلّم من جوامع الكلم من هذه السماء تنزل إليه ، ولم يعط ذلك نبي قبله ، ومن أمر هذه السماء ما خصه اللّه به من إعطائه إياه مفاتيح خزائن الأرض ، ومن الوحي المأمور به في السماء الأولى وهي الدنيا التي تلينا : كون اللّه خصه بصورة الكمال ، فكملت به الشرائع ، وكان خاتم النبيين ولم يكن ذلك لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبهذا وأمثاله انفرد صلّى اللّه عليه وسلّم بالسيادة الجامعة للسيادات كلها ، والشرف المحيط الأعم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبهذا قد نبهنا على ما حصل له في مولده من بعض ما أوحى اللّه به في كل سماء من أمره .


ألا بأبي من كان ملكا وسيدا *** وآدم بين الماء والطين واقف

فذاك الرسول الأبطحي محمد *** له في العلى مجد تليد وطارف

أتى بزمان السعد في آخر المدى *** وكانت له في كل عصر مواقف

أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه *** فأثنت عليه ألسن وعوارف

إذا رام أمرا لا يكون خلافه *** وليس لذاك الأمر في الكون صارف

ومن الأمر الموحى في السماء السابعة التي أسكنها الخليل عليه السلام من حيث العموم:

عين الموت ومعدن الراحة ، وسرعة الحركة في ثبات وطرح الزينة ،

ومن الأمر العام الموحى في السماء السادسة التي أسكنها الحق روحانية موسى عليه السلام : حياة قلوب العلماء بالعلم ، واللين والرفق ، وجميع مكارم الأخلاق ، ومن الأمر العام الموحى في السماء الخامسة مسكن هارون عليه السلام : إهراق الدماء والحميات ،

وهو من أثر الاسم الإلهي القهار ، فإنه الممد لها ، ومن الأمر الموحى في السماء الرابعة التي أسكن فيها قطب الأرواح الإنسانية إدريس عليه السلام : تقسيم الحكم الإلهي في العالم ، ومن الأمر الموحى في السماء الثالثة التي أسكنها روحانية يوسف عليه السلام : إظهار صور الأرواح والأجسام والعلوم في العالم العنصري ، ومن الأمر الموحى في السماء الثانية التي أسكنها الحق عيسى عليه السلام : كل ما ظهر في العالم العنصري من الآثار الحسية والمعنوية ،

وما يحصل للعارفين في قلوبهم من ذلك ، ومن الأمر الموحى في السماء الأولى التي أسكنها روحانية آدم عليه السلام ، وله كل حكم يظهر في العالم يوم الاثنين روحا وجسما ، وسرعة ظهور الأثر في الكون لسرعة حركة هذا الفلك وكوكبه ،

ولذلك كان الإنسان سريع التغيير في باطنه ، كثير الخواطر ، يتقلب في باطنه في كل لحظة تقلبات مختلفة ، فإن الحق تعالى لما قضى السبع سماوات في يومين من أيام الشأن أوحى في كل سماء أمرها ، فأودع فيها جميع ما تحتاج إليه المولدات من الأمور ،

في تركيبها وتحليلها وتبديلها وتغييرها وانتقالها من حال إلى حال بالأدوار والأطوار فإنه من الأمر الإلهي المودع في السماوات من الروحانيات العلية ،

فبرز بالتحريكات الفلكية ليظهر التكوين في الأركان بحسب الأمر الذي يكون في تلك الحركة وفي ذلك الفلك ، فإن السماوات كلها قد جعلها اللّه محلا للعلوم الغيبية المتعلقة بما يحدث اللّه في العالم من الكائنات ،

جوهرها وعرضها ، صغيرها وكبيرها ، وأحوالها وانتقالها ، وما من سماء إلا وفيها علم


مودع بيد أمينها ، وأودع اللّه نزول ذلك الأمر إلى الأرض في حركات أفلاكها وحلول كواكبها في منازل الفلك الثامن ، وجعل لكواكب هذه السماوات السبع اجتماعات وافتراقات ، وصعودا وهبوطا ، وجعل آثارها مختلفة ،

وجعل منها ما يكون بينه وبين كواكب أخر مناسبة ، وجعل منها ما يكون بينه وبين كواكب أخر منافرة ، لا أنهم أعداء ، وإنما ذلك لحقائق خلقهم اللّه تعالى عليها ، يقضي بذلك ويشغلهم بطاعة ربهم وتسبيحه ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، كما جاء في خلق مالك خازن النار أنه ما ضحك قط ، بخلاف رضوان الذي خلق من سرور وفرح ،

وكلاهما عبدان صالحان مطيعان ليس بينهما عداوة ولا شحناء ، غير أن الآثار هنا في العالم الأسفل تنبعث عن تلك الحقائق ، وعندنا أغراضنا قائمة ، فيقع بيننا التحاسد والعداوة ، والأصل من ذلك ، وأما عدم المنافرة بين المتناسبين منها ، فهو أن أوجد الواحد على خلاف ما أوجد الآخر لا على ضده ، فكل ضد خلاف ، وما كل خلاف ضد ،

فإن وكيل السماء السابعة يضاد وكيل السماء السادسة ، حتى أن ما يعمله صاحب السماء السادسة إذا صار وقت الحكم فيه للملك الموكل في السماء السابعة أفسد ما أصلحه صاحب السماء السادسة ، كما يفعل أيضا صاحب السادسة إذا أصلح ما يفسده صاحب السابعة ، وكل ملك ما عنده أنه يفسد ، وإنما يقول في فعله أنه أصلح ، من حيث أنه امتثل فيه أمر ربه ، وأدّى ما أمّن عليه ، وهو الأمر الذي ذكر اللّه تعالى أنه أوحى في السماوات ، فإذا أنست بهذا القدر وعلمت أنه لا يطعن في العقد ، وإلا فأية فائدة كانت في قول اللّه تعالى : (وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) فبما ذا سخرها يا أخي في هذا وأشباهه ؟

أليس اللّه قد سخر العالم ببعضه لبعض ؟

فقال : (وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا)

وقال : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فذكر أن في السماء أمورا مسخرة لنا مثل الأرض ، فلا يقدح في عقيدة مسلم كونه يعلم ما أوحى في السماء من أمرها وفيما ذا سخرها عالمها ، ولو كان ذلك لاطرد في الأرض وفي السماء ، ونحن في كل زمان نهرب إلى الأسباب التي نصبها اللّه لنا وعرفنا بها على جهة أنها مسخرة ، لا على أنها فاعلة ، نعوذ باللّه ، لا أشرك به أحدا ، وإنما كفّر الشارع من يعتقد أن الفعل للكواكب لا للّه ،

وأن اللّه يفعل الأشياء بها ، هذا هو الكفر والشرك ، وأما من يراها مسخرة وأن اللّه أجراها حكمة فلا ، بل من جهل ما أودع اللّه فيها وما أوحى


اللّه فيها من الأمور ورتب فيها من الحكم فقد فاته خير كثير وعلم كبير ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال .

ولما فتق اللّه السماوات من رتقها ودارت كانت شفافة في ذاتها وجرمها ، حتى لا تكون سترا لما وراءها ، أدركنا بالأبصار ما في الفلك الثامن من مصابيح النجوم ، فيتخيل أنها في السماء الدنيا ، واللّه يقول : «وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ»

ولا يلزم من زينة الشيء أن يكون فيه ، وأما قوله «وَحِفْظاً» فهي الرجوم التي تحدث في كرة الأثير لإحراق الذين يسترقون السمع من الشياطين فجعل اللّه لذلك شهابا رصدا وهي الكواكب ذوات الأذناب ، ويخترق البصر الجو حتى يصل إلى السماء الدنيا فلا يرى من فطور فينفذ فيه فينقلب خاسئا وهو حسير أي قد أعيا ، وجعل في كل سماء من هذه السبعة كوكبا سابحا وهو قوله تعالى : «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» فتحدث الأفلاك بحركة الكواكب لا السماوات ، فتشهد الحركات من السبعة السيارة أن المصابيح في الفلك الثامن وزينا السماء الدنيا لأن البصر لا يدركها إلا فيها فوقع الخطاب بحسب ما تعطيه الرؤية

لهذا قال : «زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» ولم يقل خلقناها فيها وليس من شرط الزينة أن تكون في ذات المزين بها ولا بد فإن الرجل والخيل من زينة السلطان وما هما قائمان بذاته «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» بالفتق والرتق فإن اللّه تعالى لما خلق الأفلاك وعمرها بالأملاك وقدر للكواكب السبعة السيارة فيها منازل تجري فيها إلى أجل مسمى تعين الزمان بجريانها وسباحتها وخلق المكانة قبل الأمكنة ومد منها رقائق إلى أمكنة مخصوصة في السماوات السبع والأرض ثم أوجد المتمكنات في أمكنتها على قدر مكانتها وجعل إمضاء الأمور التي أودعها السماوات في عالم الأركان عند سباحة الجواري وجعلهم نوابا متصرفين بأمر الحق لتنفيذ هذه الأمور التي أخذوها من خزائن البروج في السنة بكمالها وقدر لها المنازل المعلومة التي في الفلك المكوكب وجعل لها اقترانات وافتراقات كل ذلك بتقدير العزيز العليم

[ إشارة : مقارنة البنية الإنسانية بالسماوات والأرض ]

-إشارة -لما كملت البنية الإنسانية وصحت التسوية ، وكان التوجه الإلهي بالنفخ العلوي في حركة الفلك الرابع من السبعة ، وقبل هذا المسمى الذي هو الإنسان لكمال تسويته السر الإلهي الذي لم يقبله غيره ، وبهذا صح له المقامات ، مقام الصورة ومقام الخلافة ، فلما كملت الأرض البدنية ، وقدّر فيها أقواتها ، وحصل فيها قواها الخاصة بها من كونها حيوانا نباتا ، كالقوة الجاذبة والهاضمة والماسكة والدافعة والنامية والمغذية ، وفتقت طبقاتها السبعة ، من جلد ولحم وشحم وعرق وعصب


وعضل وعظم ، استوى السر الإلهي الساري فيه ، فنفخ النفخ الروحي إلى العالم العلوي من البدن ، وهو بخارات تصعد كالدخان ، فتق فيها سبع سماوات : السماء الدنيا وهي الحس ، وزينها بالنجوم والمصابيح مثل العينين ، وسماء الخيال ، وسماء الفكر ، وسماء العقل ، وسماء الذكر ، وسماء الحفظ ، وسماء الوهم ،

وأوحى في كل سماء أمرها ، وهو ما أودع في الحس من إدراك المحسوسات - ولا نتعرض للكيفية في ذلك للخلاف الواقع فيها ، وإن كنا نعلم ذلك فإن علمنا لا يرفع الخلاف من العالم - وفي الخيال من متخيلات المستحيلات ، وفي العقل من المعقولات ،

وهكذا في كل سماء ما يشاكلها من جنسها ، فإن أهل كل سماء مخلوقون منها ، فهم بحسب مزاج أماكنهم ، وخلق في كل سماء من هذه السبعة كوكبا سابحا في مقابلة الكواكب السيارة ، تسمى صفات ،

وهي الحياة والسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم ، كل يجري إلى أجل مسمى ، فلا تدرك قوة إلا ما خلقت له خاصة ، فالبصر لا يرى سوى المحسوسات المبصرات ، وينحسر فينقلب خاسئا ، فإنه لا يجد قطرا ينفذ فيه ، والعقل يثبت هذا كله ، يشهد بذلك الحركات الفلكية التي في الإنسان ، وذلك بتقدير العزيز العليم .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة