تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 2 من سورة الملك

رقم السجل 5243 · السورة 67 · الآية 2

۞ قراءة النص
۞

ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ﴿2﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور

مع التشكيل

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ

الرسم العثماني

ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ

النقل الصوتي

Alla<u>th</u>ee khalaqa almawta wa<b>a</b>l<u>h</u>ay<u>a</u>ta liyabluwakum ayyukum a<u>h</u>sanu AAamalan wahuwa alAAazeezu alghafoor<b>u</b>

English

Who hath created life and death that He may try you which of you is best in conduct; and He is the Mighty, the Forgiving,

Français

Celui qui a créé la mort et la vie afin de vous éprouver (et de savoir) qui de vous est le meilleur en œuvre, et c'est Lui le Puissant, le Pardonneur.

Türkçe

Öyle bir mabuttur ki yaratmıştır ölümü ve dirimi, hanginiz daha güzel işte bulunacak, sınamak için sizi ve odur üstün olan ve suçları örten.

Deutsch

Der den Tod und das Leben erschuf, damit ER euch prüft, wer von euch besser im Tun ist. Und ER ist Der Allwürdige, Der Allvergebende.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«الذي خلق الموت» في الدنيا «والحياة» في الآخرة أو هما في الدنيا فالنطفة تعرض لها الحياة وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى لتقدير «ليبلوكم» ليختبركم في الحياة «أيكم أحسن عملا» أطوع لله «وهو العزيز» في انتقامه ممن عصاه «الغفور» لمن تاب إليه.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

ثم قال : ( الذي خلق الموت والحياة ) واستدل بهذه الآية من قال : إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق . ومعنى الآية : أنه أوجد الخلائق من العدم ، ليبلوهم ، ويختبرهم أيهم أحسن عملا ؟ كما قال : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) [ البقرة : 28 ] فسمى الحال الأول - وهو العدم - موتا ، وسمى هذه النشأة حياة . ولهذا قال : ( ثم يميتكم ثم يحييكم ) [ البقرة : 28 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا خليد ، عن قتادة في قوله : ( الذي خلق الموت والحياة ) قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله أذل بني آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة ، ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ، ثم دار بقاء " .

ورواه معمر ، عن قتادة .

وقوله : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) أي : خير عملا كما قال محمد بن عجلان : ولم يقل أكثر عملا .

ثم قال : ( وهو العزيز الغفور ) أي : هو العزيز العظيم المنيع الجناب ، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب ، بعدما عصاه وخالف أمره ، وإن كان تعالى عزيزا ، هو مع ذلك يغفر ، ويرحم ، ويصفح ، ويتجاوز .

عرض مصدر التفسير
الطبري
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى {الذي خلق الموت والحياة} قيل : المعنى خلقكم للموت والحياة؛ يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب؛ كما قدم البنات على البنين فقال {يهب لمن يشاء إناثا} [الشورى : 49]. وقيل : قدمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه. وقال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء). وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لوثّاب). المسألة الثانية: قدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه؛ فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم قال العلماء : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك. وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل : أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء - وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها - خطوتها مد البصر، فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي. وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي. قلت : وفي التنزيل {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة : 11]، {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} [الأنفال : 50] ثم {توفته رسلنا} [الأنعام : 61]، ثم قال {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر : 42]. فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على الحقيقة، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط؛ حسب ما ورد به الخبر الصحيح. وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر. والله أعلم. وعن مقاتل أيضا : خلق الموت؛ يعني النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة؛ يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح فصار إنسانا. قلت : وهذا قول حسن؛ يدل عليه قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} وتقدم الكلام فيه في سورة الكهف . وقال السدي في قوله تعالى {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي أكثركم للموت ذكرا وأحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا. وقال ابن عمر : تلا النبي صلى الله عليه وسلم {تبارك الذي بيده الملك} - حتى بلغ - {أيكم أحسن عملا} فقال : (أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله). وقيل : معنى {ليبلوكم} ليعاملكم معاملة المختبر؛ أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل : خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. فاللام في {ليبلوكم} تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت؛ ذكره الزجاج. وقال الفراء والزجاج أيضا : لم تقع البلوى على {أي} لأن فيما بين البلوى و{أي} إضمار فعل؛ كما تقول : بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. ومثله قوله تعالى {سلهم أيهم بذلك زعيم}[القلم : 40] أي سلهم ثم انظر أيهم. {فأيكم} رفع بالابتداء و{أحسن} خبره. والمعنى : ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا. {وهو العزيز} في انتقامه ممن عصاه. {الغفور} لمن تاب.
عرض مصدر التفسير
الميسر
الذي خلق الموت والحياة؛ ليختبركم - أيها الناس-: أيكم خيرٌ عملا وأخلصه؟ وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، الغفور لمن تاب من عباده. وفي الآية ترغيب في فعل الطاعات، وزجر عن اقتراف المعاصي.
عرض مصدر التفسير
السعدي

وخلق الموت والحياة أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم؛ { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء.

{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات.

{ الْغَفُورُ } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( الذي خلق الموت والحياة ) قال عطاء عن ابن عباس : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة .

وقال قتادة : أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل الله الدنيا دار حياة وفناء ، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء .

قيل إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب : وقيل : قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما ثم اعترضت عليها الحياة .

وقال ابن عباس : خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء [ أنثى ] وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي ، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي .

( ليبلوكم ) فيما بين [ الحياة إلى الموت ] ( أيكم أحسن عملا ) روي عن ابن عمر مرفوعا : " أحسن عملا " أحسن عقلا وأورع عن محارم الله ، وأسرع في طاعة الله

وقال فضيل بن عياض " أحسن عملا " أخلصه وأصوبه . وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا ، الخالص : إذا كان لله ، والصواب : إذا كان على السنة .

وقال الحسن : أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها .

وقال الفراء : لم يوقع البلوى على " أي " [ إلا ] وبينهما إضمار كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع . ومثله : " سلهم أيهم بذلك زعيم " ( القلم - 40 ) أي : سلهم وانظر أيهم ف " أي " : رفع على الابتداء " وأحسن " خبره ( وهو العزيز ) في انتقامه ممن عصاه ( الغفور ) لمن تاب إليه .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)

«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ»

[ الموت والحياة وأقسام الحياة : ]

الحياة لعين الجوهر ، والموت لتبدل الصور ، كل ذلك «لِيَبْلُوَكُمْ» أي ليختبركم ، فجعل ليبلوكم إلى جانب الحياة ، فإن الميت لا يختبر «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»

- الوجه الأول - :أي ليختبركم بالتكليف ، وهو الابتلاء لما عليه الإنسان من الدعوى ،


وأعظم الفتن والاختبار في النساء والمال والولد والجاه «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» لإقامة الحجة ، فإنه يعلم ما يكون قبل كونه ، لأنه علمه في ثبوته أزلا ، وأنه لا يقع في الكون إلا كما ثبت في العين

- الوجه الثاني -لما كان للمحب رغبة في لقاء محبوبه ، وهو لقاء خاص عيّنه الحق ، إذ هو المشهود في كل حال ، ولكن لما عيّن ما شاء من المواطن وجعله محلا للقاء مخصوص ، رغبنا فيه ، ولا نناله إلا بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء ، وهي الدار الدنيا ، خيّر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الأخرى

فقال [ الرفيق الأعلى ] وورد في الخبر أنه [ من أحب لقاء اللّه ] يعني بالموت [ أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه ]

فلقيه في الموت بما يكرهه ، وهو أن حجبه عنه ، وتجلى لمن أحب لقاه من عباده ، ولقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه في الحياة الدنيا بالحال ، فالموت فيه فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامها ، وهذا الذوق لا يكون إلا بالخروج من الدار الدنيا بالموت لا بالحال ، وهو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد وظهر به ، بل كان السبب في ظهوره ، ففرّق الحق بينه وبين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما ،

وهو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم ، فلا يريد أن يكون بينهم وبين غيره علاقة ، فخلق الموت وابتلاهم به تمحيصا لدعواهم في محبته

- الوجه الثالث-اعلم أن الحياة للأرواح المدبرة للأجسام كلها النارية والترابية والنورية كالضوء للشمس سواء ، فالحياة لها وصف نفسي ، فما يظهرون على شيء إلا حيي ذلك الشيء ، وسرت فيه حياة ذلك الروح الظاهر له ،

كما يسري ضوء الشمس في جسم الهواء ووجه الأرض وكل موضع تظهر عليه الشمس ، ولما كان كل ما سوى اللّه حيا ، فإنّ كل شيء مسبح بحمد ربه ولا يسبح إلا حي ،

وقد وردت الأخبار بحياة كل رطب ويابس وجماد ونبات وأرض وسماء ، فكانت الحياة للأعيان والموت للنّسب ، فظهور الروح للجسم حياة ذلك الجسم ، كظهور الشمس لاستنارة الأجسام التي ظهرت لها ، وغيبة الروح عن الجسم زوال الحياة من ذلك الجسم وهو الموت ، فالاجتماع حياة والفرقة موت ،

والاجتماع والافتراق نسب معقولة ، لها حكم ظاهر وإن كانت معدومة الأعيان ، فتركيب الروح والجسم ينتج عنه النفس الناطقة المدبرة للأجسام ، وهذا النوع من التركيب هو الذي يتصف بالموت ، فإذا فارق الروح الجسم انحلّ التركيب ، وجعل الروح مدبرا لجسد آخر برزخي ، وألحق الجسم بالتراب ، ثم ينشئ


له نشأة أخرى يركبه فيها في الآخرة ، فقال تعالى «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ» أي يختبر عقولكم بالموت والحياة «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» بالخوض فيهما والنظر ، فيرى من يصيب منكم ومن يخطئ ؛

واعلم أن القوى كلها التي في الإنسان وفي كل حيوان ،

- مثل قوة الحس وقوة الخيال وقوة الحفظ والقوة المصورة وسائر القوى كلها المنسوبة إلى جميع الأجسام علوا وسفلا - إنما هي للروح ،

تكون بوجوده وإعطائه الحياة لذلك الجسم ،

وينعدم فيها ما ينعدم بتوليه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي تكون عنه تلك القوة الخاصة ، فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلية زال بزواله جميع القوى والحياة ، وهو المعبر عنه بالموت ،

كالليل بمغيب الشمس ، وأما بالنوم فليس بإعراض كلي ، وإنما هي حجب وأبخرة تحول بين القوى وبين مدركاتها الحسية مع وجود الحياة في النائم ،

كالشمس إذا حالت السحب بينها وبين موضع خاص من الأرض ، يكون الضوء موجودا كالحياة ، وإن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع الذي حال بينه وبينها السحاب المتراكم ، وكما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض وجاء الليل بدلا منه ، ظهرت في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع ، فكان النهار هنالك كما كان هنا ،

كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كانت حياته به ، تجلى على صورة من الصور الذي هو البرزخ

- وهو بالصاد جمع صورة - فحييت به تلك الصورة في البرزخ ، وكما تطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فتستنير الموجودات بنورها ، كذلك الروح يطلع في يوم الآخرة على هذه الأجسام الميتة فتحيا به ، فذلك هو النشر والبعث ؛

واعلم أن الحياة في جميع الأشياء حياتان : حياة عن سبب وهي الحياة التي ذكرناها ونسبناها إلى الأرواح ، وحياة أخرى ذاتية للأجسام كلها كحياة الأرواح للأرواح ، غير أن حياة الأرواح يظهر لها أثر في الأجسام المدبرة بانتشار ضوئها فيها وظهور قواها التي ذكرناها ، وحياة الأجسام الذاتية لها ليست كذلك ، فإن الأجسام ما خلقت مدبرة ،

فبحياتها الذاتية - التي لا يجوز زوالها عنها فإنها صفة نفسية لها - بها تسبح ربها دائما ، سواء كانت أرواحها فيها أو لم تكن ، وما تعطيها أرواحها إلا هيئة أخرى عرضية في التسبيح بوجودها خاصة ، وإذا فارقتها الروح فارقها ذلك الذكر الخاص ،

وهو الكلام المتعارف بيننا المحسوس ، تسبيحا كان أو غيره ، ولكل صورة في العالم روح مدبرة وحياة ذاتية ، تزول الروح بزوال تلك الصورة ، وتزول الصورة بزوال ذلك الروح ، والحياة الذاتية لكل


جوهر فيه غير زائلة ، وبتلك الحياة الذاتية - التي أخذ اللّه بأبصار بعض الخلق عنها - بها تشهد الجلود يوم القيامة على الناس والألسنة والأيدي والأرجل ، وبها تنطق فخذ الرجل في آخر الزمان فتخبر صاحبها بما فعل أهله ، وبها تنطق الشجرة في آخر الزمان إذا اختفى خلفها اليهود حين يطلبهم المسلمون للقتل ، فتقول للمسلم إذا رأته يطلب اليهودي

[ يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله ]

وإنما كانت هذه الحياة في الأشياء ذاتية لأنها عن التجلي الإلهي للموجودات كلها ، لأنه خلقها لعبادته ومعرفته ، ولا أحد من خلقه يعرفه إلا أن يتجلى له فيعرفه بنفسه ، إذ لم يكن في طاقة المخلوق أن يعرف خالقه ، والتجلي دائم أبدا مشاهد لكل الموجودات ظاهرا ، ما عدا الملائكة والإنس والجن ، فإن التجلي لهم الدائم إنما هو فيما ليس له نطق ظاهر ، كسائر الجمادات والنباتات ، وأما التجلي لمن أعطي النطق والتعبير عما في نفسه وهم الملائكة والإنس والجن من حيث أرواحهم المدبرة لهم وقواها ، فإن التجلي لهم من خلف حجاب الغيب ،

فالمعرفة للملائكة بالتعريف الإلهي لا بالتجلي ، والمعرفة للإنس والجن بالنظر والاستدلال ، والمعرفة لأجسامهم ومن دونهم من المخلوقات بالتجلي الإلهي ،

وذلك لأن سائر المخلوقات فطروا على الكتمان فلم يعطوا عبارة التوصيل ، وأراد الحق ستر هذا المقام رحمة بالمكلفين ، إذ سبق في علمه أنهم يكلفون وقد قدّر عليهم المعاصي ، فلهذا وقع الستر عنهم ، لأنهم لو عصوه بالقضاء والقدر على التجلي والمشاهدة لكان عدم احترام عظيم وعدم حياء ، وكانت المؤاخذة عظيمة ،

فكانت الرحمة لا تنالهم أبدا ، ولهذا كانت الغفلة والنسيان من الرحمة التي جعلها اللّه لعباده ، وما كلّف اللّه أحدا من خلقه إلا الملائكة والإنس والجن ، وما عداهم فإن دوام التجلي لهم أعطاهم الحياة الذاتية الدائمة ، وهم في تسبيحهم مثلنا في أنفاسن «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» فأحسن المؤمنون فسعدوا ، ولم يحسن الكفار فخسروا «وَهُوَ الْعَزِيزُ» المنيع الحمى عن أن يدركه خلقه ، أو يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء ، وهو «الْغَفُورُ» الذي ستر العقول عن إدراك كنهه أو كنه جلاله ، ولو كشف لكل أحد ما كشفه لبعض العالم لم يكن غفورا ، ولا كان فضل لأحد على أحد ، إذ لا فضل إلا بمزيد العلم .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة