ثم قال تعالى مقررا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده ، مستدلا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها وهم معترفون بها ، فقال ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي : من المني الضعيف ، كما قال : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) [ المرسلات : 20 ] . وقال : ( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 5 - 10 ] .
قوله تعالى {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} قال الأخفش : مسرعين. قال : بمكة أهلها ولقد أراهم ** إليه مهطعين إلى السماع والمعنى : ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. وقيل : أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل : أي ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزءوا بك. وقال عطية : مهطعين : معرضين. الكلبي : ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة : عامدين. والمعنى متقارب؛ أي ما بالهم مسرعين عليك، مادين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدو. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه - عليه السلام - ولا يؤمنون به. و{قبلك} أي نحوك. {عن اليمين وعن الشمال عزين} أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات. والعزين : جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرآهم حلقا فقال : (مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها - قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال : يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف) خرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر : ترانا عنده والليل داج ** على أبوابه حلقا عزينا أي متفرقين. وقال الراعي : أخليفة الرحمن إن عشيرتي ** أمسى سراتهم إليك عزينا أي متفرقين. وقال آخر : كأن الجماجم من وقعها ** خناطيل يهوين شتى عزينا أي متفرقين. وقال آخر : فلما أن أتين على أُضاخٍ ** ضرحن حصاه أشتاتا عزينا وقال الكميت : ونحن وجندل باغ تركنا ** كتائب جندل شتى عزينا وقال عنترة : وقرن قد تركت لذي ولي ** عليه الطير كالعصب العزين وواحد عزين عزة، جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها. وأصلها عزهة، فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها سنهة. وقيل : أصلها عزوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى - على فِعَل - وعِزون وعُزون أيضا بالضم، ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات . قال الأصمعي : يقال في الدار عِزون، أي أصناف من الناس. و {عن اليمين وعن الشمال} متعلق {بمهطعين} ويجوز أن يتعلق {بعزين} على حد قولك : أخذته عن زيد. {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم} قال المفسرون : كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذبونه ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه؛ فنزلت {أيطمع} الآية. وقيل : كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن طلحة بن مصرف والأعرج {أن يدخل} بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل. ورواه المفضل عن عاصم. الباقون {أن يدخل} على الفعل المجهول. {كلا} لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال {إنا خلقناهم مما يعلمون} أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة؛ كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل : كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم. فقال {إنا خلقناهم مما يعلمون} من القذر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال قتادة في هذه الآية : إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق الله. وروي أن مطرف بن عبدالله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز فقال له : يا عبدالله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال له : أتعرفني؟ قال نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. فمضى المهلب وترك مشيته. نظم الكلام محمود الوراق فقال : عجبت من معجب بصورته ** وكان في الأصل نطفة مذره وهو غدا بعد حسن صورته ** يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته ** ما بين ثوبيه يحمل العذره وقال آخر : هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة ** وهو بخمس من الأوساخ مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سَهِك ** والعين مُرْمَصة والثغر ملهوب يا ابن التراب ومأكول التراب غدا ** قصِّر فإنك مأكول ومشروب وقيل : معناه من أجل ما يعلمون؛ وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. كقول الشاعر وهو الأعشى : أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ** وشطت على ذي هوى أن تزارا أي من أجل ليلى.
فأيُّ دافع دفع هؤلاء الكفرة إلى أن يسيروا نحوك -أيها الرسول- مسرعين، وقد مدُّوا أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك، يتجمعون عن يمينك وعن شمالك حلقًا متعددة وجماعات متفرقة يتحدثون ويتعجبون؟ أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار أن يدخله الله جنة النعيم الدائم؟ ليس الأمر كما يطمعون، فإنهم لا يدخلونها أبدًا. إنَّا خلقناهم مما يعلمون مِن ماء مهين كغيرهم، فلم يؤمنوا، فمن أين يتشرفون بدخول جنة النعيم؟
قال: { كلَّا } [أي:] ليس الأمر بأمانيهم ولا إدراك ما يشتهون بقوتهم.
{ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ } أي: من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، فهم ضعفاء، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
( كلا ) لا يدخلونها . ثم ابتدأ فقال : ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي : من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، نبه الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد وإنما يتفاضلون ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا موسى بن محمد بن علي ، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا جرير بن عثمان الرحبي ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن جبير بن نفير ، عن بسر بن جحاش [ القرشي ] قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وبصق يوما في كفه ووضع عليها إصبعه فقال : يقول الله - عز وجل - : " ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سويتك وعدلتك ومشيت بين بردين ، وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة "
وقيل : معناه إنا خلقناهم [ من أجل ما يعملون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب .
وقيل : " ما " بمعنى " من " مجازه : إنا ] خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا كالبهائم .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.