تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 79 من سورة النساء

رقم السجل 572 · السورة 4 · الآية 79

۞ قراءة النص
۞

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ﴿79﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا

مع التشكيل

مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا

الرسم العثماني

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا

النقل الصوتي

M<u>a</u> a<u>sa</u>baka min <u>h</u>asanatin famina All<u>a</u>hi wam<u>a</u> a<u>sa</u>baka min sayyiatin famin nafsika waarsaln<u>a</u>ka li<b>l</b>nn<u>a</u>si rasoolan wakaf<u>a</u> bi<b>A</b>ll<u>a</u>hi shaheedan

English

Whatever of good befalleth thee (O man) it is from Allah, and whatever of ill befalleth thee it is from thyself. We have sent thee (Muhammad) as a messenger unto mankind and Allah is sufficient as Witness.

Français

Tout bien qui t'atteint vient d'Allah, et tout mal qui t'atteint vient de toi-même. Et nous t'avons envoyé aux gens comme Messager. Et Allah suffit comme témoin.

Türkçe

Sana gelen iyiliğe ait şey Allah'tandır, kötülüğe ait olansa nefsinden ve biz seni insanlara peygamber olarak gönderdik, buna tanık olarak Allah yeter.

Deutsch

Was dich an Gutem traf, dies ist von ALLAH. Und was dich an Unglück traf, dies ist aufgrund eigener (Verfehlungen). Und wir entsandten dich für die Menschen als Gesandten. Und ALLAH genügt als Bezeugender.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
(ما أصابك) أيها الإنسان (من حسنة) خير (فمن الله) أتتك فضلا منه (وما أصابك من سيئة) بليَّة (فمن نفسك) أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب (وأرسلناك) يا محمد (للناس رسولا) حال مؤكدة (وكفى بالله شهيدا) على رسالتك.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

ثم قال تعالى - مخاطبا - للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب : ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) أي : من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي : فمن قبلك ، ومن عملك أنت كما قال تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) [ الشورى : 30 ] .

قال السدي ، والحسن البصري ، وابن جريج ، وابن زيد : ( فمن نفسك ) أي : بذنبك .

وقال قتادة : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) عقوبة يا ابن آدم بذنبك . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا يصيب رجلا خدش عود ، ولا عثرة قدم ، ولا اختلاج عرق ، إلا بذنب ، وما يعفو الله أكثر " .

وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلا في الصحيح : " والذي نفسي بيده ، لا يصيب المؤمن هم ولا حزن ، ولا نصب ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه " .

وقال أبو صالح : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي : بذنبك ، وأنا الذي قدرتها عليك . رواه ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا سهل - يعني ابن بكار - حدثنا الأسود بن شيبان ، حدثني عقبة بن واصل بن أخي مطرف ، عن مطرف بن عبد الله قال : ما تريدون من القدر ، أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء : ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) أي : من نفسك ، والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون .

وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضا ، ولبسطه موضع آخر .

وقوله تعالى : ( وأرسلناك للناس رسولا ) أي : تبلغهم شرائع الله ، وما يحبه ويرضاه ، وما يكرهه ويأباه .

( وكفى بالله شهيدا ) أي : على أنه أرسلك ، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم ، وعالم بما تبلغهم إياه ، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادا .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جدب وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم؛ أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم. قال الحسن والسدي وغيرهما؛ كما قال تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء }[الطلاق : 1]. وقد قيل : الخطاب للإنسان والمراد به الجنس؛ كما قال تعالى{والعصر إن الإنسان لفي خسر } [العصر : 1 ، 2] أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال {إلا الذين آمنوا } ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل يكون قوله {ما أصابك} استئنافا. وقيل : في الكلام حذف تقديره يقولون؛ وعليه يكون الكلام متصلا؛ والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله. وقيل : إن ألف الاستفهام مضمرة؛ والمعنى أفمن نفسك ؟ ومثله قوله وتعالى {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي} [الأنعام : 77] والمعنى أو تلك نعمة ؟ وكذا قوله تعالى {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي } [الأنعام : 77] أي أهذا ربي ؟ قال أبو خراش الهذلي : رموني وقالوا يا خويلد لم تُرع ** فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أراد {أهم } فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش {ما }بمعنى الذي. وقيل : هو شرط. قال النحاس : والصواب قول الأخفش؛ لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك }فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع؛ لأن مجاهدا لم ير عبدالله ولا أبيا. وعلى قول من قال : الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد؛ أنهم عوقبوا عند خلاف الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهره ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرماة فأخذ سرية من الخيل ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استشهد مكانه؛ على ما تقدم في [آل عمران] بيانه. فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية وهو قوله تعالى {أولما أصابتكم مصيبة } [آل عمران:165] يعني يوم أحد {قد أصبتم مثليها } يعني يوم بدر { قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم }. ولا يجوز أن تكون الحسنة ههنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية؛ إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام:160] وأما في هذه الآية فهي كما تقدم شرحنا له من الخصب والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية [الأعراف]وهي قوله تعالى{ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون }[الأعراف:130]. {بالسنين} بالجدب سنة بعد سنة؛ حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم. {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه }أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل أتباعنا لك وطاعتنا إياك؛ فرد الله عليهم بقوله{ألا إنما طائرهم عند الله } [الأعراف:131] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق؛ فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} كما قال{ألا إنما طائرهم عند الله } وكما قال تعالى{وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران:166] أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا : ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ كما قال تعالى{ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [الأنبياء : 35] وقال تعالى {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } [الرعد : 11]. مسألة : وقد تجاذب بعض جهال أهل السنة هذه الآية واحتج بها؛ كما تجاذبها القدرية واحتجوا بها، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية يقولون : إن الحسنة ههنا الطاعة، والسيئة المعصية؛ قالوا : وقد نسب المعصية في قوله تعالى{وما أصابك من سيئة فمن نفسك} إلى الإنسان دون الله تعالى ؛ فهذا وجه تعلقهم بها. ووجه تعلق الآخرين منها قوله تعالى {قل كل من عند الله } قالوا : فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعا؛ لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن قالوا { ما أصابك من حسنة }أي من طاعة { فمن الله } فليس هذا اعتقادهم؛ لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسيء. وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول : ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره. نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم. قوله تعالى {وأرسلناك للناس رسولا} مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة {وكفى بالله شهيدا} نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا على صدق رسالة نبيه وأنه صادق.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ما أصابك -أيها الإنسان- مِن خير ونعمة فهو من الله تعالى وحده، فضلا وإحسانًا، وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك.
عرض مصدر التفسير
السعدي

{ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } أي: في الدين والدنيا { فَمِنَ اللَّهِ } هو الذي مَنَّ بها ويسرها بتيسير أسبابها. { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ } في الدين والدنيا { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله عنه أكثر. فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه وأمرهم بالدخول لبره وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن إلا نفسه فإنه المانع لنفسه عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } على أنك رسول الله حقا بما أيدك بنصره والمعجزات الباهرة والبراهين الساطعة، فهي أكبر شهادة على الإطلاق، كما قال تعالى: { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فإذا علم أن الله تعالى كامل العلم، تام القدرة عظيم الحكمة، وقد أيد الله رسوله بما أيده، ونصره نصرا عظيما، تيقن بذلك أنه رسول الله، وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين.

عرض مصدر التفسير
البغوي

قوله عز وجل : ( ما أصابك من حسنة ) خير ونعمة ( فمن الله وما أصابك من سيئة ) بلية أو أمر تكرهه ، ( فمن نفسك ) أي : بذنوبك ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، نظيره قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( الشورى - 30 ) ويتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية ، فقالوا : نفى الله تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد فقال : ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ولا متعلق لهم فيه ، لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيآته من الطاعات والمعاصي ، بل المراد منهم ما يصيبهم من النعم والمحن ، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم ، فقال : ( ما أصابك ) ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني ، إنما يقال : أصبتها ، ويقال في النعم : أصابني ، بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا ، فهو كقوله تعالى ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) ( الأعراف - 131 ) ، ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه ، ووعد عليها الثواب والعقاب ، فقال ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) ( الأنعام - 160 ) .

وقيل : معنى الآية : ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله ، أي : من فضل الله ، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أحد فمن نفسك ، أي : بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم .

فإن قيل كيف وجه الجمع بين قوله ( قل كل من عند الله ) وبين قوله ( فمن نفسك ) قيل : قوله ( قل كل من عند الله ) أي : الخصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله ، وقوله : ( فمن نفسك ) أي : ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك ، كما قال الله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( الشورى - 30 ) يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قرأ ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) وأنا كتبتها عليك .

وقال بعضهم : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والقول فيه مضمر تقديره : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، يقولون : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ( قل كل من عند الله ) ( وأرسلناك ) يا محمد ( للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ) على إرسالك وصدقك ، وقيل : وكفى بالله شهيدا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)

فرفعت الاحتمال أو نصصت على الأمر بما هو عليه ، فأضاف السوء إليك والحسن إليه ، وقوله صدق وإخباره حق . وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، لا من محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فما أعطيتك إلا على قدر قبولك . والسيئة في هذه الآية ظاهر الاسم وما هي السيئة شرعا فتكون فجورا ، وإنما هو ما يسوءه ولا يوافق غرضه ، وهو في الظاهر قولهم (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) فأمره سبحانه أن يقول «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» فيعلم العالم باللّه أنه أراد الحكم والإعلام بذلك أنه من عند اللّه لا عين السوء . ولما علم ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : [ الخير كله بيديك والشر ليس إليك ] -مسئلة نسبة الأفعال - إن للّه بلا شك رائحة اشتراك في الفعل بالخبر الإلهي ، فأضاف العمل وقتا إلينا ووقتا إليه ، فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك .

[ نسبه الافعال ]

قال تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) فأضاف الكل إلينا ، وقال (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) فقد يكون عطاؤه الإلهام ، وقد يكون خلق العمل . وقال تعالى : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فأضاف الكل إليه ، وهذه مسئلة لا يتخلص فيها توحيد أصلا ، لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر ، فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق وخلق ، غير مخلص لأحد الجانبين ، فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات . فما ثمّ إلا وجود عين الحق لا غيره ، والتغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات ، فلولا العين ما ظهر الحكم ، ولولا الممكن ما ظهر التغيير ، فلا بد في الأفعال من حق وخلق . وفي مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال اللّه وموضع جريانها ، فلا يشهدها الحسّ إلا من الأكوان ، ولا تشهدها بصيرتهم إلا من اللّه من وراء حجاب هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها ، فهو لها مكتسب باختياره ، وهذا مذهب الأشاعرة . ومذهب بعض العامة أيضا أن الفعل للعبد حقيقة ، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول ، فإن هؤلاء يقولون : إن القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل أن اللّه خلق له القدرة عليها ، فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق اللّه فيه من القدرة عليه ، فما زال الاشتراك ، وهذا مذهب أهل الاعتزال ، فهؤلاء ثلاثة أصناف : أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ما زال منهم وقوع

الاشتراك ، وما ثمّ عقل يدل على خلاف هذا ولا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين ، فلنقره كما أقره اللّه على علم اللّه فيه ، وما ثمّ إلا كشف وشرع وعقل ، وهذه الثلاثة ما خلصت شيئا ولا يخلص أبدا دنيا ولا آخرة . فالأمر في نفسه واللّه أعلم ما هو إلا كما وقع ، ما يقع فيه تخليص ، لأنه في نفسه غير مخلص ، إذ لو كان في نفسه مخلصا ، لا بد أن كان يظهر عليه بعض هذه الطوائف ؛ ولا يتمكن لنا أن نقول : الكل على خطأ ، فإن في الكل الشرائع الإلهية ، ونسبة الخطأ إليها محال ، وما يخبر بالأشياء على ما هي عليه إلا اللّه ، وقد أخبر ، فما هو الأمر إلا كما أخبر ، لأن مرجوع الكل إليه ، فما خلص فهو مخلص ، وما لم يخلص فما هو في نفسه مخلص ، فاتفق الحق والعالم جميعه في هذه المسألة على الاشتراك ، وهو موضع الحيرة فلا يرجح . ولما كان المتكلمون في هذا الشأن على قسمين : الواحد أضاف الأفعال كلها إلى الأكوان ، فقال لسان الغيرة الإلهية (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) أي حادثا ، وأما القسم الثاني فأضاف الأفعال الحسنة كلها إلى اللّه وأضاف الأفعال القبيحة إلى الأكوان ، فقال لسان الجود الإلهي (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لا تكذيبا لهم بل ثناء جميلا ، وما ثمّ من قال إن الأفعال كلها للّه ولا إلى الأكوان من غير رائحة اشتراك ، فمن السعادة أن يستعمل الإنسان الحضور مع اللّه في جميع حركاته وسكناته ، وأن تكون مشاهدة نسبة الأفعال إلى اللّه تعالى من حيث الإيجاد والارتباط المحمود منها ، وأما الارتباط المذموم منها فإن نسبه إلى اللّه ، فقد أساء الأدب ، وجهل علم التكليف وبمن تعلق ، ومن المكلف الذي قيل له افعل ، إذ لو لم يكن للمكلّف نسبة إلى الفعل بوجه ما ، لما قيل له افعل ، وليس متعلقها الإرادة كالقائلين بالكسب ، وإنما هو سبب اقتداري لطيف مدرج في الاقتدار الإلهي ، الذي يعطيه الدليل ، كاندراج نور الكواكب في نور الشمس ، فتعلم بالدليل أن للكواكب نورا منبسطا على الأرض ، لكن ما ندركه حسا لسلطان نور الشمس ، كما يعطي الحس في أفعال العباد أن الفعل لهم حسا وشرعا ، وأن الاقتدار الإلهي مندرج فيه ، يدركه العقل ولا يدركه الحس ، كاندراج نور الشمس في نور الكواكب ، فإن نور الكواكب هو عين نور الشمس ، والكواكب لها مجلى ، فالنور كله للشمس ، والحسّ يجعل النور للكواكب ، فيقول اندرج نور الكواكب في نور الشمس ، وعلى الحقيقة ما ثم إلا نور الشمس ، فاندرج نوره في نفسه إذ لم يكن ثمّ نور





ص 528

غيره ، والمرائي وإن كان لها أثر فليس ذلك من نورها ، وإنما النور يكون له أثر من كونه بلا واسطة في الكون ، ويكون له أثر آخر في مرآة تجليه ، بحكم يخالف حكمه من غير تلك الواسطة . فنور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر ، لا شك في ذلك . كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبيد فظهرت الأفعال عن الخلق ، فهو وإن كان بالاقتدار الإلهي ، ولكن يختلف الحكم ، لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه . وكما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحس ، والفعل لنور البدر وهو للشمس ، فكذلك ينسب الفعل للخلق في الحسّ ، والفعل إنما هو للّه في نفس الأمر ، ولاختلاف الأثر تغير الحكم النوري في الأشياء ، فكان ما يعطيه النور بواسطة البدر خلاف ما يعطيه بنفسه بلا واسطة . كذلك يختلف الحكم في أفعال العباد ، ومن هنا يعرف التكليف على من توجه وبمن تعلق . وكما تعلم عقلا أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأنّ الشمس ما انتقلت إليه بذاتها ، وإنما كان لها مجلى ، وأن الصفة لا تفارق موصوفها والاسم مسماه ، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه ، وإنما هو مجلى له خاصة ومظهر له ، وكما ينسب نور الشمس إلى البدر ، كذلك ينسب الاقتدار إلى الخلق حسا ، والحال الحال . وإذا كان الأمر بين الشمس والبدر بهذه المثابة من الخفاء ، وأنه لا يعلم ذلك كل أحد ، فما ظنك بالأمر الإلهي في هذه المسألة مع الخلق ، أخفى وأخفى .وأما المشرك فإنه جاهل على الإطلاق ، فإن الشركة لا تصح بوجه من الوجوه ، فإن إيجاد الفعل لا يكون بالشركة ، ولهذا لم تلتحق المعتزلة بالمشركين ، فإنهم وحدوا أفعال العباد للعباد ، فما جعلوهم شركاء ، وإنما أضافوا الفعل إليهم عقلا وصدقهم الشرع في ذلك . والأشاعرة وحدوا فعل الممكنات كلها من غير تقسيم للّه عقلا ، وساعدهم الشرع على ذلك ، لكن ببعض محتملات وجوه ذلك الخطاب ، فكانت حجج المعتزلة فيه أقوى في الظاهر ، وما ذهبت إليه الأشاعرة في ذلك أقوى عند أهل الكشف ، أهل اللّه ، وكلا الطائفتين صاحب توحيد ، والمشرك إنما جهّلناه لكون الموجود لا يتصف إلا بإيجاد واحد ، والقدرة ليس لها في الأعيان إلا الإيجاد ، فلا يكون الموجود موجودا بوجودين ، فلا يصح أن يكون الوجود عن تعلق قدرتين ؛ فإن كل واحد منهما تعطي الوجود للموجود ، فإذا أعطته الواحدة منهما وجوده فما للأخرى فيه من أثر ، فبطل إذا حققت الشركة في الفعل . فالمشرك الخاسر

المشروع نعته ، هو من أضاف ما يستحقه الإله إلى غير اللّه ، فعبده على أنه إله ، فكأنه جعله شريكا في المرتبة ، ولذلك قال تعالى : «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» ،فهو إنكار عن نسبة الفعل الذي ظهر على العبد من الأمور التي نهى أن يعملها إلى اللّه ، والسيئة هو ما يسوؤك فأنت محل أثر السوء . فمن حيث هو فعل لا يتصف بالسوء ، هو للاسم الإلهي الذي أوجده ، فإنه يحسن منه إيجاد مثل هذا الفعل ، فلا يكون سوءا إلا من يجده سوءا أو من يسوءه وهو نفس الإنسان ، إذ لا يجد الألم إلا من يوجد فيه ؛ ففيه يظهر حكمه لا من يوجده ، فإنه لا حكم له في فاعله ، فهذا معنى قوله «وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» وإن كانت الحسنة كذلك ، فذلك يحسن عند الإنسان ، فإنها أيضا تحسن في جانب الحق الموجد لها ، فأضيفت الحسنة إلى اللّه الموجد لها ابتداء وإن كانت بعد الإيجاد تحسن أيضا فيك ، ولكن لا تسمى حسنة إلا من كونها مشروعة ، ولا تكون مشروعة إلا من قبل اللّه ، فلا تضاف إلا إلى اللّه ، والسيئة من قبل الحق حسنة ، لأنه بيّنها لتجتنب ، فتسوء من قامت به إما في الدنيا وإما في العقبى .

سورة النساء (4) : آية 80

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)

لأن اللّه وكلّه على عباده ، فأمر ونهى ، وتصرف بما أراه اللّه الذي وكلّه في التبليغ عنه ، فهو صلّى اللّه عليه وسلم لا ينطق إلا عن اللّه ، بل لا ينطق إلا باللّه ، بل لا ينطق إلا اللّه منه ، فإن اللّه سمعه وبصره ولسانه ، وما خصّ الاسم اللّه من غيره من الأسماء في قوله «فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» إلا لكونه الاسم الجامع ، فله معاني جميع الأسماء كلها . واعلم أن كل ما أمر به الحق سمعنا وأطعنا في حال عدمنا ووجودنا إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال ، فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال وألسنة الإرسال ؛ فمن كان مشهوده ما وراء الحجاب ، وهو المثل والرسول سمع فأطاع من حينه ، ومن كان مشهوده المثل ، سمع ضرورة ولم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدّم أمثاله عليه ، فظهر المطيع والعاصي . ولهذا قال بعضهم : إنما احتجب اللّه في الدنيا عن عباده لأنه سبق في علمه أن يكلفهم ويأمرهم وينهاهم ، وقد قدّر عليهم بمخالفة أمره وبموافقته في أوقات ، فلا بد من ظهور المخالفة والموافقة ، فخاطبهم على ألسنة الرسل عليهم السلام ، وحجب ذاته سبحانه عنهم في صورة الرسول ، وذلك لأنه قال «مَنْ يُطِعِ

الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» ،وقال (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) فوقعت المخالفة بالقدر السابق والحكم القضائي ولا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف ؛ فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب ، فإن اللّه تعالى يظهرنا وقتا ويستر نفسه فيما هو له ، ووقتا يظهر نفسه ويسترنا بحسب المواطن حكمة منه «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» فجلاه باسمه وكان ظاهرا فستره كما قال (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) فأظهره بكاف الخطاب ثم ستره ، فانظر إلى سريان اللطف الإلهي ما أعجبه وحكمه الظاهر كيف أبان أن طاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم طاعته ، وقد ورد في الخبر الصدق والنبأ الحق أنه يجب اتباعه ، وما يتبعه إلا من أطاعه ، واتباع الرسول اتباع الإله ، لأنه قال عزّ وجلّ «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً» فصلوا عليه وسلّموا تسليما ، فإن اللّه يصلي عليه وينظر إليه ، ومن لم يمتثل أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يمتثل أمر اللّه ؛ فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر اللّه ، فإنه لا ينطق عن الهوى ، فمن يطع الرسول ، فقد أطاع اللّه ، فإن هويته سمعه وبصره وجميع قواه .

سورة النساء (4) : الآيات 81 إلى 82

وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)

«فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» أي يتفكرون في معانيه «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» الوجه الأول - يعني في نعت الحق وما يجب له ، فإن الناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما ، بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته ، فيخرج من أمر إلى نقيضه ، فعلوم المتكلمين في ذات اللّه والخائضين فيه ، ليست أنوارا ، وهم يتخيلون قبل ورود الشبه أنهم في نور وعلى بينة من ربهم في ذلك ، فلا يبدو لهم نقصهم حتى ترد عليهم الشبهة ، وما يدريك لعل تلك الشهبة التي يزعمون أنها شبهة هي الحقّ والعلم ، فإنك تعلم قطعا أن دليل الأشعري في إثبات المسألة التي ينفيها المعتزلي هو الحق وأنه شبهة عند المعتزلي ، ودليل المعتزلي الذي ينفي به ما يثبته الأشعري شبهة عند الأشعري ، ثم أنه ما من مذهب إلا وله أئمة يقومون به ، وهم فيه مختلفون ، وإن اتصفوا

جميعهم مثلا بالأشاعرة فلا يزالون مختلفين ، مع كون كل طائفة يجمعها مقام واحد واسم واحد ، وهم مختلفون في أصول ذلك المذهب الذي جمعهم ، ورأينا المسمين رسلا وأنبياء قديما وحديثا من آدم إلى محمد ومن بينهما عليهم الصلاة والسلام ، ما رأينا - أحدا منهم قط - قد اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب اللّه ، بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا ، ولا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده وعلمه بربه شبهة قط ، ولا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك ، فاللّه يحول بيننا وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه ، الوجه الثاني - لما كان الوحي ينزل لترتيب الأمور التي تقتضيها حكمة الوجود ، لذلك قال تعالى : «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» يخالف ترتيب حكمة الوجود ، وليس إلا من اللّه ، فهو في غاية الإحكام والإتقان الذي لا يمكن غيره ، فلا يؤمن بما جاء به هذا الرسول إلا من خاطبه الرسول في سره ، وإن لم يشعر به المخاطب ، ولا يعرف من كلمه ، وإنما يجد التصديق بما جاء به في قلبه . وأهل الكشف والحضور يعرفون عن سماع بقلوب وآذان وأبصار كلام الرسول بأن هذا جاء من عند اللّه ، فيؤمنون به على بصيرة .

سورة النساء (4) : آية 83

وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)

اعلم أن الناس يفضل بعضهم بعضا ، فأدناهم منزلة من هو إنسان حيواني ، وأعلاهم من هو ظل اللّه وهو الإنسان الكامل نائب الحق ، يكون الحق لسانه وجميع قواه ، وما بين هذين المقامين مراتب . ففي زمان الرسل يكون الكامل رسولا ، وفي زمان انقطاع الرسالة يكون الكامل وارثا ، ولا ظهور للوارث مع وجود الرسول ، إذ الوارث لا يكون وارثا إلا بعد موت من يرثه ، فلم يتمكن للصاحب مع وجود الرسول أن تكون له هذه المرتبة ، والأمر ينزل من اللّه على الدوام لا ينقطع ، فلا يقبله إلا الرسل خاصة على الكمال ، فإذا

فقدوا حينئذ ، وجد ذلك الاستعداد في غير الرسل ، فقبلوا ذلك التنزل الإلهي في قلوبهم ، فسموا ورثة ، لم ينطلق عليهم اسم رسل مع كونهم يخبرون عن اللّه بالتنزل الإلهي . فإن كان في ذلك التنزل الإلهي حكم أخذه هذا المنزل عليه وحكم به ، وهو المعبر عنه بلسان علماء الرسوم المجتهد الذي يستنبط الحكم عندهم ، وهو العالم بقول اللّه «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» ،فهذا حظ الناس اليوم من التشريع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ونحن نقول به ، ولكن لا نقول بأن الاجتهاد هو ما ذكره علماء الرسوم ، بل الاجتهاد عندنا بذل الوسع في تحصيل الاستعداد الباطن الذي به يقبل هذا التنزل الخاص ، الذي لا يقبله في زمان النبوة والرسالة إلا نبي أو رسول ، إلا أنه لا سبيل إلى مخالفة حكم ثابت قد تقرر من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في نفس الأمر ، فإن لم يكن ذلك في نفس الأمر فلا يلقى إلى هذا المجتهد الذي ذكرناه إلا ما هو الحكم عليه في نفس الأمر ، حتى إنه لو كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حيا لحكم به ، مع أنه قرر حكم المجتهد وإن أخطأ .

فما أخطأ المجتهد إلا في الاستعداد كما ذكرناه ، فلو أصاب في الاستعداد ما أخطأ مجتهد أبدا ، بل لا يكون مجتهدا في الحكم ، وإنما هو ناقل ما قبله من الحق النازل عليه في تجليه ، وهذا عزيز في الأمة ما يوجد إلا في أفراد ، وعلامتهم أنهم ما يختلفون في الحكم أصلا لوحدانية الرسالة في هذا الزمان ، فإذا اختلفوا فما هم الذين ذكرناهم ، فيكون صاحب الحق إذا كانت الأحكام منحصرة القسمة واحدا منهم ، فإن بقي قسم لم يقع به حكم ربما كان الحق فيه ، ومع هذا تعبد كل واحد بما أعطاه دليله ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، فوقع الاجتهاد في الاجتهاد ، فإن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية ، فأنت وارث نبوة شرعية ، فإنه تعالى قد شرع ذلك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك ودليلك من الحكم أن تشرعه لنفسك وتفتي به غيرك إذا سئلت ، وإن لم تسئل فلا .

واعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكما ، هذا غلط ، وإنما الاجتهاد المشروع طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ، وفهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل الذي اجتهدت في تحصيله والعلم به في زعمك ، هذا هو الاجتهاد ، فإن اللّه تعالى ورسوله ما ترك شيئا إلا وقد نصّ عليه ولم يتركه مهملا ، فإن اللّه تعالى يقول (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وبعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة ، فإن الزيادة في الدين نقص من الدين ، وذلك هو الشرع الذي لم يأذن به اللّه .


ص 533



الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة