وقوله : ( يتيما ) أي : أطعم في مثل هذا اليوم يتيما ، ( ذا مقربة ) أي : ذا قرابة منه . قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، والسدي . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد :
حدثنا يزيد ، أخبرنا هشام ، عن حفصة بنت سيرين ، عن سليمان بن عامر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان ، صدقة وصلة " .
قوله تعالى {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} أي مجاعة. والسغب : الجوع. والساغب الجائع. وقرأ الحسن {أو إطعام في يوم ذا مسغبة} بالألف في {ذا} - وأنشد أبو عبيدة : فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم ** لما بت شبعانا وجارك ساغبا وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال النخعي في قوله تعالى {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} قال : في يوم عزيز فيه الطعام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان]. {يتيما ذا مقربة} أي قرابة. يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وأهل اللغة يقولون : سمي يتيما لضعفه. يقال : يتم الرجل يتما : إذا ضعف. وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب. وفي البهائم من قبل الأمهات. وقد مضى في سورة [البقرة] مستوفى، وقال بعض أهل اللغة : اليتيم الذي يموت أبواه. وقال قيس بن الملوح : إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا ** إلى الله فقد الوالدين يتيم قوله تعالى {أو مسكينا ذا متربة} أي لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس : هو المطروح على الطريق، الذي لا بيت له. مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة : إنه ذو العيال. عكرمة : المديون. أبو سنان : ذو الزمانة. ابن جبير : الذي ليس له أحد. وروى عكرمة عن ابن عباس : ذو المتربة البعيد التربة؛ يعني الغريب البعيد عن وطنه. وقال أبو حامد الخارزنجي : المتربة هنا : من التريب؛ وهي شدة الحال. يقال ترب : إذا افتقر. قال الهذلي : وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا ** سفكنا دماء البدن في تربة الحال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي {فكَ} بفتح الكاف، على الفعل الماضي. {رقبة} نصبا لكونها مفعولا {أو أَطعم} بفتح الهمزة نصب الميم، من غير ألف، على الفعل الماضي أيضا؛ لقوله {ثم كان من الذين آمنوا} فهذا أشكل بـ {فك وأطعم}. وقرأ الباقون {فك} رفعا، على أنه مصدر فككت. {رقبة} خفض بالإضافة. {أو إطعام} بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه تفسير لقوله تعالى {وما أدراك ما العقبة}؟ ثم أخبره فقال {فك رقبة أو إطعام}. المعنى : اقتحام العقبة : فك رقبة أو إطعام. ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى؛ أي ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة؛ فكيف يجاوز العقبة. وقرأ الحسن وأبو رجاء {ذا مسغبة} بالنصب على أنه مفعول {إطعام} أي يطعمون ذا مسغبة و{يتيما} بدل منه. الباقون {ذي مسغبة} فهو صفة لـ {يوم}. ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لأن قوله {في يوم} ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ.
في القسم الإلهي أقوال : هل أقسم بنفسه ، أو بمخلوقاته ، أو بهذا وقتا وبهذا وقتا آخر ، فإن كان قسمه بمخلوقاته هل أضمر أم لا ؟ وعلى كل حال فلها شرف عظيم بإضافتها إليه ، سواء أظهر الاسم أو لم يظهر ، وإذا كان القسم بالمخلوقات كان سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدالة على اللّه ،
سواء كان الدليل سعيدا أو شقيا ، وعدما أو وجودا ، أي ذلك كان ، وإن كان القصد الإلهي بالقسم نفسه لا الأشياء ، وأضمر الأسماء الإلهية لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهية ، فما تخرج عن الدلالة وشرفها ،
وعلم من اللّه ما ينبغي أن يطلق عليه من الأسماء في المعنى فيما أضمر ، وفي اللفظ فيما أطلق ، إذ لو أراد إطلاق ما أضمره عليه لأظهره ،
كما أظهره في قوله (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)
وقال تعالى في القسم بأسمائه المضمرة من حيث المعنى .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.