تجاوز إلى المحتوى
✦ محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

مثل سائر: أجود من كعب بن أمامة

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 310

مثل سائر: أجود من كعب بن أمامة

طويلة. فاحذر هذه الدنيا الصارعة الخاذلة القاتلة التي قد تزينت بخدعها، وقتلت بغرورها، وخدعت بآمالها فأصبحت كالعروس المجليّة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب إليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي يعتبر، ولا الآخر لما رأى من أثرها بالأول يزدجر، ولا العارف بالله المصدق له حين أخبره عنها مذكر. قد أبت القلوب لها إلا حبا، وأبت النفوس لها إلا عشقا. ومن عشق شيئا لم يعرف غيره، ولم يعقل سواه، ومات في طلبه، وكان آثر الأشياء عنده، فهما عاشقان طالبان مجتهدان. فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى ونسي ولهى، فغفل عن مبتدأ خلقه، ووضع ما إليه معاده، وقلّ في الدنيا لبثه، حتى زلّت عنه قدمه، وجاءته منيته على شرّ ما كان عليها حالا، وأطول ما كان فيها أملا، فعظم ندمه، وكثرت حسرته مع ما عالج من سكرته، فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته، وحسرة الفوت بغصّته، فغير موصوف ما نزل به، وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فمات بغمّه وكمده، ولم يدرك فيها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب، فخرجوا جميعا بلا زاد، وقدما على غير مهاد.

فالحذر يا أمير المؤمنين، الحذر كله منها، فإنما مثلها مثل الحيّة، ليّن مسّها وتقتل بسمّها، فاعرض عما يعجبك فيها القلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما قد أيقنت به من فراقها، واجعل شدة ما اشتدّ منها رجاء ما ترجو بعدها، وكن عند أسرّ ما تكون فيها.

احذر ما يكون منها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صبّحته من سرورها بما يسوؤه، و كلما ظفر منها بما يحبّ انقلبت عليه بما يكره.

فالسارّ منها لأهلها غارّ، والنافع منها غدا ضارّ، وقد وصل الرجاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى الفناء، فسرورها بالحزن مشوب، والناعم فيها مسلوب. فانظر يا أمير المؤمنين إليها انظر الزاهد المفارق، ولا تنظر إليها نظر المبتلي العاشق.

واعلم يا أمير المؤمنين نزيل البلوى الساكن، وتفجّع المترف الآمن. ولا يرجع فيها إلى ما ولّى منها، ولا يتبع ما صفا منها إلا ما كدر. فاحذرها، فإن أمانيها كاذبة، و آمالها باطلة، وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، أو بليّة نازلة، أو مصيبة فادحة، أو منية قاضية.

فلقد كدرت المعيشة لمن عقل، فهو من نعيمها على خطر، ومن بليته على حذر، ومن المنية على يقين. فلو كان الخالق تبارك اسمه لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثل، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدنيا أيقظت النائم، ونبّهت الغافل، وكيف وقد جاء عن الله عز وجل منها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عنده قدر، ولا وزن من الصغر، وهي عنده أصغر من حصاة في الحصى، ومن مقدار نواة في النوى. ما خلق الله عز وجل فيما بلغنا

رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=310

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.