نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابوأما الأصول التي استندت إليها في ذلك فكثيرة جدا:
روينا عن أبي بكر الصديق (رضي اللّه عنه) أنه قال يوم فتح مكة في القرن الفاضل لما فقد عقد من عنق بعض أهله تأوه وقال ارتفعت الأمانة اليوم من بين الناس وحكم بتلك النازلة الواحدة على الزمان (ذكره في السير في غزوة فتح مكة) والأصل الآخر بنته عائشة (رضي اللّه عنها) لما نظرت لزمانها وأهله وما هم فيه من البخل والحرام تأوهت، وقالت يرحم اللّه لبيدا حيث يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ثم قالت كيف به لو أدرك زماننا قدمت زمانها وأهله وقد روينا عن غير واحد عن ابن القشيري وعن ابن أنمي كلاهما عن القشيري (رحمه اللّه) أنه قال في رسالته ندم أهل زمانه وقد سمعها هذا المعترض علي واستحسن ذلك منه، ثم قال لم يبق في زماننا من أهل الطريقة إلّا أثرهم:
أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائه
حصلت الفترة في الطريقة لا بل اندرست الطريقة وذمهم بأشد الذم في أول الرسالة ولتداولها بين أيدي الناس أضربنا عن حكاية قوله. وروينا عن أبي حامد وغيره عن أبي المغيث في كتابه المنقطعين له من حديث أبي المهلب قال مررت بالساحل فرأيت شابا قد احتفر لنفسه حفرة في الرمل فسألته فتأوه وقال يذم أهل زمانه توعرت السبل وقل السالكون لها قد افترشوا الرخص ومهدوا الزلل واعتلوا بزلل الماضين... (إلى مثل هذا الكلام) ثم قام فمشى على الماء حتى غاب عني أرأيت قط هذ يتفق لمن تكلم فيما لا يعنيه. وروينا عن غير واحد من حديث عبد الرحمن بن الحسن عن هارون عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح قال لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر (رضي اللّه عنه) هكذا كنا ثم قست القلوب.
وثبت أيضا تقريع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المعذبين بمكة على إسلامهم، ومنهم خباب (رضي اللّه عنه) وقاسى بلاء شديدا من أجل إسلامه قال (رضي اللّه عنه) شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما نلقاه من البلاء وقلنا أل تدعو اللّه لنا ألا تستنصر لنا فجلس محمر، وجهه ثم قال: "واللّه من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه عن دينه شيء ويمشط بأمشاط الحديد ما بين عصب ولحم ما يصرفه عن دينه شيء“.
يا أيها المعترض هذه الأصول التي استندت إليها في ذم أهل وقتي لا حشرني اللّه معهم ولا أماتني على حالتهم هلا كنت ناصري في قولي هذا وتعرف أنه الحق وإن اليوم الحال على ما وصفناه وكنت تأتيني باكيا على نفسك وأنا أيضا كذلك، عسى اللّه يرحمنا ألا رضيت لنفسك أن تكون منافقا مداهنا وللمداهنين إمام واللّه لا أرضى بهذه الحالة فتب إلى اللّه وارجع إليه فإنه يرجع إليك، وتعال نقم مأتما ومناحة على التقصير في العمر اليسير وعلى الاشتغال بالترهات والفرح بالخزعبلات بل أضل أهل الأباطيل ونقول واللّه إنه كل من ثقل عليه هذا الكلام فهو بتلك الصفة التي وصفنا.
ولهذا قلق ولو كان بريئا منها سكن كما سكن عند ذكرنا ذم السراق والقطاع وأشباههم ولما كان له في هؤلاء مدخل فر إلى الاعتراض ليزداد من اللّه بعدا في رده الحق وليس اعتراضه علينا في هذا بأول دفع جرى على طلل فإنه لم يزل أبدا كل من تكلم في معايب النفس وأحوالها ويبدي نقائصها ويذم شأنها على التعيين وعلى غير التعيين في كل زمان مذموما في زمانه لعدم موافقة أغراض النفوس فإذا انقرض زمانه ومات ونشأت طائفة أخرى بعده عند ذلك يعرف قدر ما جاء به ويقال قال فلان (رضي اللّه عنه) هكذ كان الناس.
رابط دائم لهذا المقطع: /books/ruh.php?id=5
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

