مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة الشورى — الآيات 51
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
[ «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً . . .» الآية :]
اعلم أن المناجاة والمشاهدة لا يجتمعان ، فإن المشاهدة للبهت والكلام للفهم ، فالعبد في حال الكلام مع ما يتكلّم به لا مع المتكلم ، أي شيء كان . واعلم أن خطاب اللّه تعالى أو كلام اللّه تعالى لمن شاء من عباده في حالتي اليقظة والمنام على ثلاثة أنواع : نوع يسمى وحيا ، ونوع يسمعه كلامه من وراء حجاب ، ونوع بوساطة رسول ، فيوحي ذلك الرسول من ملك أو بشر بإذن اللّه ما يشاء اللّه لمن أرسله إليه ، وهو كلام اللّه ، إذ كان هذا الرسول إنما يترجم عن اللّه ، فالإنسان لا يسمع كلام الحق من كونه بشرا إلا بهذه الضروب التي ذكرها الحق في هذه الآية أو بأحدها ، فإذا زال في نظره عن بشريته وتحقق بمشاهدة روحه كلمه اللّه بما كلم به الأرواح المجردة عن المواد ، وذلك لأن للبشر ما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح التي له من حيث روحانيته ، فإن ارتقى عن درجة البشرية كلمه اللّه من حيث كلم الأرواح إذ كانت الأرواح أقوى في التشبه ، لكونها لا تقبل التحيز والانقسام ، وتتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن وظاهر ، فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها ، وهي عين ذاتها ، والبشر من نشأته ليس كذلك ، ففيه ما يقتضي المباشرة والتحيز والانقسام ، وفيه ما لا يطلب ذلك وهو روحه المنفوخ فيه ، ولذلك قال تعالى : «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ» وهو بشر «إِلَّا وَحْياً» وهو الخطاب الإلهي ، والوحي هو السرعة ، والوحي هو المفهوم الأول والإفهام الأول ، ولا أعجل من أن يكون
عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه ، ولا سرعة أسرع مما ذكرناه ، فإن لم تحصل لك هذه النكتة فلست صاحب وحي ، فالوحي ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع ، وقد يكون الوحي إسراع الروح الإلهي الأمري بالإيمان بما يقع به الإخبار ، والمفطور عليه كل شيء مما لا كسب له فيه من الوحي أيضا ، كالمولود يتلقى ثدي أمه ، ذلك من أثر الوحي الإلهي إليه ، وقال تعالى : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ) فلو لا ما فهمت من اللّه وحيه لما صدر منها ما صدر ، ولهذا لا يتصور المخالف إذا كان الكلام وحيا ، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) وكذا فعلت ولم تخالف ، مع أن الحالة تؤذن أنها ألقته في الهلاك ، ولم تخالف ولا ترددت ولا حكمت عليها البشرية ، بأن إلقاءه في اليم في تابوت من أخطر الأشياء ، فدل على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه ، فإذا زعمت أن اللّه أوحى إليك ، فانظر في نفسك في التردد أو المخالفة ، فإن وجدت لذلك أثرا بتدبير أو تفضيل أو تفكر فلست صاحب وحي ، فإن حكم عليك وأصمك وحال بين فكرك وتدبيرك وأمضى حكمه فيك ، فذلك هو الوحي ، وأنت عند ذلك صاحب وحي ، والوحي على ضربين - الوجه الأول - الوحي منه ما يلقيه الحق إلى قلوب عباده من غير واسطة ، فأسمعهم في قلوبهم حديثا لا يكيف سماعه ، ولا يأخذه حدّ ولا يتصوره خيال ، ومع هذا يعقله ولا يدري كيف جاء ، ولا من أين جاء ، ولا ما سببه ، فقوله تعالى : «إِلَّا وَحْياً» يعني من الوجه الخاص ، بما يلقي اللّه برفع الوسائط ، وهو ما يلقيه في القلب على جهة الحديث ، فيحصل من ذلك علم بأمر ما ، وهو الذي تضمنه ذلك الحديث ، وإن لم يكن كذلك فليس بوحي ولا خطاب ، فإن بعض القلوب يجد أصحابها علما بأمر ما من العلوم الضرورية عند الناس ، فذلك علم صحيح ليس عن خطاب ، وكلامنا إنما هو في الخطاب الإلهي المسمى وحيا ، فإن اللّه تعالى جعل مثل هذا الصنف من الوحي كلاما ، ومن الكلام يستفيد العلم بالذي جاء له ذلك الكلام ، وبهذا يفرق إذا وجد ذلك ، وهؤلاء البشر منهم المحدثون الذي ورد الخبر الصحيح أن عمر بن الخطاب منهم - الوجه الثاني - «إِلَّا وَحْياً» يريد إلهاما بعلامة يعلم بها أن ربه كلمه ، حتى لا يلتبس عليه الأمر «أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ» فهو خطاب إلهي يلقيه على السمع لا على
93
القلب ، فيدركه من ألقي عليه فيفهم منه ما قصد به من أسمعه ذلك ، وقد يحصل له ذلك في صورة التجلي حيث كان ، فيكلمه من وراء حجاب صورة ما يكلمه به ، فتخاطبه تلك الصورة الإلهية وهي عين الحجاب ، فيفهم من ذلك الخطاب علم ما يدل عليه ، ويعلم أن ذلك حجاب ، وأن المتكلم من وراء ذلك الحجاب ، ورد في الصحيح تجلي الحق في الصور وتحوله فيها ، وقد يكون من وراء حجاب يريد إسماعه إياه لحجاب الحروف المقطعة والأصوات ، كما سمع الأعرابي القرآن المتلو الذي هو كلام اللّه ، أو حجاب الآذان أيضا من السامع ، فيكون الحجاب صورة بشرية لتقع المناسبة بين الصورتين بالخطاب ، وقد يكون الحجاب بشريته مطلقا ، فيكلمه في الأشياء كما كلم موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن في البقعة المباركة ، (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ) فوقع الحد بالجهة ، وتعين البقعة ، فكان الحجاب صورة النار التي وقع فيها التجلي ، «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» من جنسك وغير جنسك ، فمن
- الوجه الأول -يكلمه بواسطة بشر ،
وهو قوله (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) فأضاف الكلام إلى اللّه ، وما سمعته الصحابة ولا هذا الأعرابي إلا من لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو إذا أوحى اللّه إلى الرسول البشري من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط ، وألقاه الرسول علينا ، فهو كلام الحق لنا من وراء حجاب تلك الصورة المسماة رسولا إن كان مرسلا إلينا أو نبيا ، فإن الحق لا يكلم عباده ولا يخاطبهم إلا من وراء حجاب صورة يتجلى لهم فيها ، تكون تلك الصورة حجابا عنه ودليلا عليه ، ألا ترى كلام اللّه موسى عليه السلام وقد تجلى له في صورة حاجته وهي النار ، ومن- الوجه الثاني – "أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا " يعني لذلك البشر ، فهو ترجمان الحق في قلب العبد ، فيكلمه بوساطة رسول من ملك ، كقوله (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ) يعني القرآن الذي هو كلام اللّه ، على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون قوله تعالى على كلا الوجهين «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» ينوب عنه في الكلام ، وهو الترجمان ، فهو ما ينزل به الملك ، أو ما يجيء به الرسول البشري إلينا إذا نقلا كلام اللّه خاصة مثل التالي «فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ» اللّه تعالى ما أمره أن يوحي به إليه «إِنَّهُ عَلِيٌّ» أي عليم بما تقتضيه المراتب التي ذكرها وأنزلها منزلتها «حَكِيمٌ» يريد بإنزال ما علمه منزلته - تحقيق - البشرية حجاب لا يرتفع أبدا ، - انظر في بشريتك تجدها عين سترك الذي كلمك من ورائه ، فقد يكلمك منك فأنت حجاب نفسك عنك وستره عليك ، ومن المحال
أن تزول عن كونك بشرا ، فإنك بشر لذاتك ولو غبت عنك أو فنيت بحال يطرأ عليك ، فبشريتك قائمة العين ، فالستر مسدل ، ولذلك أخطأ من قال : ما دام في بشريته فالكلام له من وراء حجاب ، ولكن إذا خرج عن بشريته ارتفع الحجاب ؛ والخطأ هنا في قوله:
ارتفع الحجاب ؛ ولم يقيد ، وإنما يقال : ارتفع حجاب بشريته ، ولا شك أن خلف حجاب بشريته حجبا أخر ، فقد يرتفع حجاب البشرية ويقع الكلام من اللّه لهذا العبد خلف حجاب آخر ، أعلاها من الحجب ، وأقربها إلى اللّه ، وأبعدها من المخلوق ، المظاهر الإلهية التي يقع فيها التجلي إذا كانت محدودة معتادة المشاهدة ، كظهور الملك في صورة رجل ، فيكلمه على الاعتدال للعادة والحد ، وقد تجلى له وقد سد الأفق ، فغشي عليه لعدم المعتاد ، وإن وجد الحد ، فكيف بمن لم ير حدا ولا اعتاد ؟ فقد تكون المظاهر غير محدودة ولا معتادة ، وقد تكون محدودة لا معتادة ، وقد تكون محدودة معتادة ، ومن هذا نعلم أن اللّه ما جمع لأحد بين مشاهدته وبين كلامه في حال مشاهدته ، فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون التجلي الإلهي في صورة مثالية ، فحينئذ يجمع بين المشاهدة والكلام ، ولذلك قال تعالى : «وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ» وما زال البشر عن حكم بشريته كمسألة موسى ، والحجاب عين الصورة التي يناديه منها ، وما يزال البشر عن بشريته وإن فني عن شهودها ، فعين وجودها لا يزول والحد يصحبه
[ مسألة :الفرق بين الكلام والقول ]
- مسألة الفرق بين الكلام والقول - الكلام ، ما أثر ولا يدخله انقسام ، فإذا دخله الانقسام فهو القول ، وفيه المنة الإلهية والطول ، القرآن كله قال اللّه ، وما فيه تكلم اللّه ، وإن كان قد ورد فيه ذكر الكلام ، ولكن تشريفا لموسى عليه السلام ، ولو جاء بالكلام ما كفر به أحد ، لأنه من الكلم ، فيؤثر فيمن أنكره وجحد ، ألا ترى إلى قوله (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً) كيف سلك به نهجا قويما ؟ فأثر فيه كلامه ، وظهرت عليه أحكامه ، فإذا أثر القول ، فما هو لذاته بل هو من الامتنان الإلهي والطول ، ففرّق بين القول والكلام ، تكن من أهل الجلال والإكرام ، كما تفرق بين الوحي والإلهام ، وبين ما يأتي في اليقظة والمنام ، ولما أخبر الحق تعالى نبيه بالمراتب كلها التي تطلبها البشرية من كلام الحق قال له : -
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=1658
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

