تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 84 من سورة هود

رقم السجل 1557 · السورة 11 · الآية 84

۞ قراءة النص
۞

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴿84﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط

مع التشكيل

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ

الرسم العثماني

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ

النقل الصوتي

Wail<u>a</u> madyana akh<u>a</u>hum shuAAayban q<u>a</u>la y<u>a</u> qawmi oAAbudoo All<u>a</u>ha m<u>a</u> lakum min il<u>a</u>hin ghayruhu wal<u>a</u> tanqu<u>s</u>oo almiky<u>a</u>la wa<b>a</b>lmeez<u>a</u>na innee ar<u>a</u>kum bikhayrin wainnee akh<u>a</u>fu AAalaykum AAa<u>tha</u>ba yawmin mu<u>h</u>ee<u>t</u><b>in</b>

English

And unto Midian (We sent) their brother Shu'eyb. He said: O my people! Serve Allah. Ye have no other Allah save Him! And give not short measure and short weight. Lo! I see you well-to-do, and lo! I fear for you the doom of a besetting Day.

Français

Et (Nous avons envoyé) aux Madyan, leur frère Chuayb qui leur dit: «O mon peuple, adorez Allah; vous n'avez point de divinité en dehors Lui. Et ne diminuez pas les mesures et le poids. Je vous vois dans l'aisance, et je crains pour vous [si vous ne croyez pas] le châtiment d'un jour qui enveloppera tout.

Türkçe

Medyen'e de, kardeşleri Şuayb'i göndermiştik de ey kavmim demişti, Allah'a kulluk edin, ondan başka bir mabudunuz yok. Ölçeğitartıyı eksik tutmayın, çünkü ben gerçekten de hayırlara uğradığınızı görmedeyim ve şüphe yok ki ben, bir gün sizi çepeçevre kuşatıverecek bir azaba uğramanızdan korkuyorum.

Deutsch

Und zu Madyan (entsandten WIR) ihren Bruder Schu'aib. Er sagte: "Meine Leute! Dient ALLAH! Ihr habt doch keine Gottheit außer Ihm und mindert nicht das Maß und das Wiegen. Ich sehe doch, daß es euch gut geht, auch gewiß, ich fürchte um euch die Peinigung eines alles umfassenden Tages.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«و» أرسلنا «إلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله» وَحّدوه «ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير» نعمة تغنيكم عن التطفيف «وإني أخاف عليكم» إن لم تؤمنوا «عذاب يوم محيط» بكم يهلككم ووصف اليوم به مجاز لوقوعه فيها.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

يقول تعالى : ولقد أرسلنا إلى مدين ، وهم قبيلة من العرب ، كانوا يسكنون بين الحجاز والشام ، قريبا من بلاد معان ، في بلد يعرف بهم ، يقال لها " مدين " فأرسل الله إليهم شعيبا ، وكان من أشرفهم نسبا . ولهذا قال : ( أخاهم شعيبا ) يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده ، وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان ( إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) أي : في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ، ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) أي : في الدار الآخرة .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى‏ {‏وإلى مدين أخاهم شعيبا‏}‏ أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب‏.‏ وفي تسميتهم بذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل‏:‏ مدين والمراد بنو مدين‏.‏ كما يقال مضر والمراد بنو مضر‏.‏ الثاني‏:‏ أنه اسم مدينتهم، فنسبوا إليها‏.‏ قال النحاس‏:‏ لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة؛ وقد تقدم في "‏الأعراف‏"‏ هذا المعنى وزيادة‏.‏ {‏قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏}‏ تقدم‏.‏ {‏ولا تنقصوا المكيال والميزان‏}‏ كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا له بغاية ما يقدرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف‏.‏ ‏{‏إني أراكم بخير‏}‏ أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان سعرهم رخيصا‏.‏ ‏{‏وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط‏}‏ وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك‏:‏ يوم شديد؛ أي شديد حره‏.‏ واختلف في ذلك العذاب؛ فقيل‏:‏ هو عذاب النار في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ عذاب الاستئصال في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ غلاء السعر؛ روي معناه عن ابن عباس‏.‏ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ قوله تعالى‏ {‏ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط‏}‏ أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا‏.‏ والإيفاء الإتمام‏.‏ {‏بالقسط‏}‏ أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيال والموزون لأنه لم يقل‏:‏ أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات‏.‏ ‏{‏ولا تبخسوا الناس أشياءهم‏}‏ أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا‏.‏ ‏{‏ولا تعثوا في الأرض مفسدين‏}‏ بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في ‏"‏الأعراف‏"‏ زيادة لهذا، والحمد لله‏.‏ قوله تعالى‏ {‏بقية الله خير لكم‏}‏ أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم؛ قال معناه الطبري، وغيره‏.‏ وقال مجاهد‏ {‏بقية الله خير لكم‏}‏ يريد طاعته‏.‏ وقال الربيع‏:‏ وصية الله‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مراقبة الله‏.‏ ابن زيد‏:‏ رحمة الله‏.‏ قتادة والحسن‏:‏ حظكم من ربكم خير لكم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ رزق الله خير لكم‏.‏ {‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين‏.‏ وقيل‏:‏ يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا‏.‏ {‏وما أنا عليكم بحفيظ‏}‏ أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق‏.‏ وقيل‏:‏ أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم‏.‏ قوله تعالى‏ {‏قالوا يا شعيب أصلواتك‏}‏ وقرئ ‏"‏أصَلاتُك‏"‏ من غير جمع‏.‏ ‏{‏تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏}‏ {‏أن‏}‏ في موضع نصب؛ قال الكسائي‏:‏ موضعها خفض على إضمار الباء‏.‏ وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونقلها ويقول‏:‏ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة‏.‏ ‏{‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏}‏ زعم الفراء أن التقدير‏:‏ أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏.‏ وقرأ السلمي والضحاك بن قيس ‏{‏أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء‏}‏ بالتاء في الفعلين، والمعنى‏:‏ ما تشاء أنت يا شعيب‏.‏ وقال النحاس‏ {‏أو أن‏}‏ على هذه القراءة معطوفة على ‏{‏أن‏}‏ الأولى‏.‏ وروي عن زيد بن أسلم أنه قال‏:‏ كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى‏.‏ {‏أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء‏}‏ إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه‏؟‏‏!‏‏.‏ ‏{‏إنك لأنت الحليم الرشيد‏}‏ يعنون عند نفسك بزعمك‏.‏ ومثله في صفة أبي جهل‏ {‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏} [‏الدخان‏:‏ 49‏]‏ أي عند نفسك بزعمك‏.‏ وقيل‏:‏ قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة‏.‏ ومنه قولهم للحبشي‏:‏ أبو البيضاء، وللأبيض أبو الجون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل ‏{‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏}‏‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل؛ كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة‏.‏ وقيل‏:‏ هو تعريض أرادوا به السب؛ وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته؛ أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا‏!‏ ويدل عليه‏.‏ ‏{‏أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا‏}‏ أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه‏.‏ قوله تعالى‏ {‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏}‏ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏؟‏‏!‏ وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه‏.‏ ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم‏:‏ ‏(‏يا إخوة القردة‏)‏ فقالوا‏:‏ يا محمد ما علمناك جهولا‏!‏‏.‏ مسألة‏:‏ قال أهل التفسير‏:‏ كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن‏.‏ وقال ابن وهب قال مالك‏:‏ كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم‏.‏ وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبدالله عن أبيه قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها؛ وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك، بالناس؛ ولذلك حرم‏.‏ وقد قيل في تأويل قوله تعالى‏ {‏وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏}‏ [النمل‏:‏ 48‏]‏ أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم‏.‏ قال أبو عمر بن عبدالبر‏:‏ زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي‏.‏ مسألة‏:‏ قال أصبغ قال عبدالرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي‏:‏ من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ابن العربي‏:‏ أما قوله‏:‏ لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله‏:‏ لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك‏.‏ مسألة‏:‏ إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال رجل‏:‏ يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ابن المسيب‏:‏ هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان‏.‏ وقال أبو عبدالرحمن النجيبي‏:‏ كنت قاعدا عند عمر بن عبدالعزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول‏:‏ هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يرد إليه؛ فقال‏:‏ إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع‏.‏ قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء؛ فإن قيل‏:‏ أليس الحرز أصلا في القطع‏؟‏ قلنا‏:‏ يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم‏.‏ وقد قال علماؤنا المالكية‏:‏ إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏ {‏ورزقني منه رزقا حسنا‏}‏ أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به‏.‏ الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه؛ أي أفلا أنهاكم عن الضلال‏!‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏{‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏}‏ أتبع الضلال‏؟‏ وقيل‏:‏ المعنى ‏{‏أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏}‏ أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله عنه‏.‏ {‏وما أريد أن أخالفكم‏}‏ في موضع نصب بـ ‏{‏أريد‏}‏‏.‏ ‏{‏إلى ما أنهاكم عنه‏}‏ أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به‏.‏ {‏إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت‏}‏ أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال‏ {‏ما استطعت‏}‏ لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة‏.‏ و‏{‏ما‏}‏ مصدرية؛ أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي‏.‏ ‏{‏وما توفيقي‏}‏ أي رشدي، والتوفيق الرشد‏.‏ {‏إلا بالله عليه توكلت‏}‏ أي اعتمدت‏.‏ {‏وإليه أنيب‏}‏ أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب‏.‏ وقيل‏:‏ إليه أرجع في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو‏.‏ قوله تعالى‏ {‏ويا قوم لا يجرمنكم‏}‏ وقرأ يحيى بن وثاب ‏"‏يُجْرِمَنَّكُمْ‏"‏‏.‏ لا يدخلنكم في الجرم؛ كما تقول‏:‏ آثمني أي أدخلني في الإثم‏.‏ {‏شقاقي‏}‏ في موضع رفع‏.‏ {‏أن يصيبكم‏}‏ في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم، قاله الحسن وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج‏.‏ وقد تقدم معنى {‏يجرمنكم‏}‏ في ‏"‏المائدة‏"‏ و‏{‏الشقاق‏}‏ في "‏البقرة‏"‏ وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدي، ومنه قول الأخطل‏:‏ ألا من مبلغ عني رسولا ** فكيف وجدتم طعم الشقاق وقال الحسن البصري‏:‏ إضراري‏.‏ وقال قتادة‏:‏ فراقي‏.‏ ‏{‏وما قوم لوط منكم ببعيد‏}‏ وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط‏.‏ وقيل‏:‏ وما ديار قوم لوط منكم ببعيد؛ أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد‏.‏ قال الكسائي‏:‏ أي دورهم في دوركم‏.‏ قوله تعالى‏ {‏واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏}‏ تقدم‏.‏ {‏إن ربي رحيم ودود‏}‏ اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب ‏"‏الأسنى في شرح الأسماء الحسنى"‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال‏:‏ ‏(‏ذاك خطيب الأنبياء‏)‏‏.‏ قوله تعالى‏ {‏قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول‏}‏ أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله‏.‏ وقيل‏:‏ قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه؛ يقال‏:‏ فقه يفقه إذا فهم فقها؛ وحكى الكسائي‏:‏ فقه فقها وفقها إذا صار فقيها‏.‏ {‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏}‏ قيل‏:‏ إنه كان مصابا ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ وقيل‏:‏ كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال، له ضرير؛ أي قد ضر بذهاب بصره؛ كما يقال له‏:‏ مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره‏.‏ قال الحسن‏:‏ معناه مهين‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ضعيف البدن؛ حكاه علي بن عيسى‏.‏ وقال السدي‏:‏ وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا‏.‏ وقيل‏:‏ قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و‏}‏ضعيفا‏}‏ نصب على الحال‏.‏ ‏{‏ولولا رهطك‏}‏ رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم؛ ومنه الراهطاء لجحر اليربوع؛ لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده‏.‏ ومعنى ‏{‏لرجمناك‏}‏ لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏لرجمناك‏}‏ لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي‏:‏ تراجمنا بمُر القول حتى ** نصير كأننا فرسا رهان والرجم أيضا اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم‏.‏ ‏{‏وما أنت علينا بعزيز‏}‏ أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع‏.‏ قوله تعالى‏ {‏قال يا قوم أرهطي‏}‏ ‏{‏أرهطي‏}‏ رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم ‏{‏أعز عليكم من الله‏}‏ وأعظم وأجل وهو يملككم‏.‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏}‏ أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال‏:‏ جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في ‏"‏البقرة‏"‏، ‏{‏إن ربي بما تعملون‏}‏ أي من الكفر والمعصية‏.‏ ‏{‏محيط‏}‏ أي عليم‏.‏ وقيل‏:‏ حفيظ‏.‏ قوله تعالى‏ {‏ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون‏}‏ تهديد ووعيد؛ وقد تقدم في ‏"‏الأنعام‏"‏‏.‏ ‏{‏من يأتيه عذاب يخزيه‏}‏ أي يهلكه‏.‏ و‏{‏من‏}‏ في موضع نصب، مثل ‏{‏يعلم المفسد من المصلح‏} [‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏ {ومن هو كاذب‏}‏ عطف عليها‏.‏ وقيل‏:‏ أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا‏.‏ وقيل‏:‏ في محل رفع؛ تقديره‏:‏ ويخزي من هو كاذب‏.‏ وقيل‏:‏ تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره‏.‏ وزعم الفراء أنهم إنما جاؤوا بـ ‏{‏هو‏} في ‏{‏ومن هو كاذب‏}‏ لأنهم لا يقولون من قائم؛ إنما يقولون‏:‏ من قام، ومن يقوم، ومن القائم؛ فزادوا ‏{‏هو‏}‏ ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويدل على خلاف هذا قوله‏:‏ من رسولي إلى الثريا بأني ** ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ‏{‏وارتقبوا إني معكم رقيب‏}‏ أي انتظروا العذاب والسخطة؛ فإني منتظر النصر والرحمة‏.‏ قوله تعالى‏ {‏ولما جاء أمرنا‏}‏ قيل‏:‏ صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم ‏{‏وأخذت الذين ظلموا الصيحة‏}‏ أي صيحة جبريل‏.‏ وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح‏ {‏وأخذ الذين ظلموا الصيحة‏}‏ فذكر على معنى الصياح‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم‏.‏ {‏فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود‏}‏ تقدم معناه‏.‏ وحكى الكسائي أن أبا عبدالرحمن السلمي قرأ ‏"‏كما بعدت ثمود‏"‏ بضم العين‏.‏ قال النحاس‏:‏ المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ من ضم العين من ‏{‏بعدت‏}‏ فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني‏.‏
عرض مصدر التفسير
الميسر
وأرسلنا إلى "مدين" أخاهم شعيبًا، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده، ليس لكم مِن إله يستحق العبادة غيره جل وعلا، فأخلصوا له العبادة، ولا تنقصوا الناس حقوقهم في مكاييلهم وموازينهم، إني أراكم في سَعَة عيش، وإني أخاف عليكم -بسبب إنقاص المكيال والميزان- عذاب يوم يحيط بكم.
عرض مصدر التفسير
السعدي

: { و ْ} أرسلنا { إِلَى مَدْيَنَ ْ} القبيلة المعروفة، الذين يسكنون مدين في أدنى فلسطين، { أَخَاهُمْْ} في النسب { شُعَيْبًا ْ} لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه.

فـ { قَالَ ْ} لهم { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ْ} أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ْ} بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط.

{ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ْ} أي: بنعمة كثيرة، وصحة، وكثرة أموال وبنين, فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله، فيزيلها عنكم.

{ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ْ} أي: عذابا يحيط بكم, ولا يبقي منكم باقية.

عرض مصدر التفسير
البغوي

قوله عز وجل : ( وإلى مدين ) أي : وأرسلنا إلى ولد مدين ، ( أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان ) أي : لا تبخسوا ، وهم كانوا يطففون مع شركهم ، ( إني أراكم بخير ) قال ابن عباس : موسرين في نعمة . وقال مجاهد : في خصب وسعة ، فحذرهم زوال النعمة ، وغلاء السعر ، وحلول النقمة ، إن لم يتوبوا . فقال : ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) يحيط بكم فيهلككم .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

الأصل أن اللّه خلق لنا ما في الأرض جميعا ، ثم حجّر وأبقى ، فما أبقاه سماه بقية اللّه ، وما حجر سماه حراما ، أي المكلّف ممنوع من التصرف فيه حالا أو زمانا أو مكانا مع التحجير ، فإن الأصل التوقف عن إطلاق الحكم فيه بشيء ، فإذا جاء حكم اللّه فيه ، كنا بحسب الحكم الإلهي الذي ورد به الشرع إلينا ، وليس مسمى رزق اللّه في حق المؤمنين إلا بقية اللّه ، وكل رزق في الكون من بقية اللّه ، وما بقي إلا أن يفرق بينهما ، وذلك أن جميع ما في العالم من الأموال ، لا يخلو إما أن يكون لها مالك معيّن أو لا يكون لها مالك ، فإن كان لها مالك معيّن ،

فهي من بقية اللّه لهذا الشخص ، وإن لم يكن لها مالك معيّن ، فهي لجميع المسلمين ، فمال زيد بقية اللّه لزيد ، لما حجّر اللّه عليه التصرف في مال عمرو بغير إذنه ، ومال عمرو بقية اللّه لعمرو لما حجر عليه التصرف في مال زيد بغير إذنه ، فبقية اللّه ، هو ما أحل لك تناوله من الشيء الذي يقوم به أودك ، لتقوم به في طاعة ربك ، وإنما سماه بقية لأنه بالأصالة خلق لك ما في الأرض جميعا ،

فكنت مطلق التصرف في ذلك تأخذ ما تريد وتترك ما تريد ، ثم في ثاني حال ، حجّر عليك بعض ما كان أطلق فيه تصرفك ، وأبقى لك من ذلك ما شاء أن يبقيه لك ، فذلك بقية اللّه" خَيْرٌ لَكُمْ "

وإنما جعلها خيرا لك ، لأنه علم من بعض عباده أن نفوسهم تعمى عن هذه البقية بما يعطيهم الأصل ، فيتصرفون بحكم الأصل

فقال لهم : البقية التي أبقى اللّه خير لكم «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي مصدقين بأني خلقت لكم ما في الأرض جميعا ، فإن صدقتموني في هذا ، صدقتموني فيما أبقيت لكم من ذلكم ، وإن فصلتم بين الأمرين فآمنتم ببعض وكفرتم ببعض لم تكونوا مؤمنين ، فمن اعتنى به اللّه تعالى ، أوصل إليه من البقية لا من غيرها ، واعلم أن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل وهو الشرع : النوع الأول يسمى حراما ، والنوع الآخر يسمى حلالا ، وهو بقية اللّه التي جاء نصها في القرآن «بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فهذه هي التي بقيت للمؤمنين من قوله : «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» والإيمان لا يقع إلا بالشرع ، وجاء هذا القول في قصة شعيب عليه السلام صاحب الميزان والمكيال ، فرزق اللّه عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال وحرام ،

فإن اللّه يقول : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) وهو ظاهر لا نص ،

وقال : (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) *

[ الفرق بين رزق اللّه وبين الرزق ]

وقد نهانا عن التغذي بالحرام ، فلو كان رزق اللّه

في الحرام ما نهانا عنه ، فإذا ما هو الحرام رزق اللّه ؟ وإنما هو رزق ، ورزق اللّه هو الحلال ، وهو بقية اللّه التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير وتحريم بعض الأرزاق علينا ، ولتعلم من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقه إلا فعل المكلف لا عين الشيء الممنوع التصرف فيه ، فالكل رزق اللّه ، والمتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو ، فإن الرزاق لا يعطيك إلا رزقك ، وما يعطي الرزاق لا يطعن فيه ، فلهذا علّق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي حجّر عليه تناولها ، فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها والحرام لا يملك ، وهذه مسألة طال الخبط فيها بين العلماء ، وأما قوله (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) من العامل في الحال ؟ فظاهر الشرع يعطي أن العامل رزقكم ،

فإن من هنا في قوله (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) للتبيين لا للتبعيض ، فإنه لا فائدة للتبعيض ، فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل ، لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله ، وإذا كانت للتبيين وهي متعلقة بكلوا ، فبيّن أن رزق اللّه هو الحلال الطيب ، فإن أكل ما حرّم عليه فما أكل رزق اللّه ، فتدبر وانظر ما به حياتك ، فذلك رزقك ولا بد ، ولا يصح فيه تحجير ، وسواء كان في ملك الغير أو لم يكن ، فإن المضطر لا حجر عليه ، وما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه ، وإنما تناوله للنعيم به ، وليس الرزق إلا ما تبقى به حياته عليه ، وهذا لا يمكن ردّه من أحد من علماء الشريعة ،

فإن اللّه يقول : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) *بعد التحجير ،

وقال : (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)

وذلك هو الرزق الذي نحن بصدده ، وهو الذي يعطيه الرزاق .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة