(اذهب أنت وأخوك بآياتي ) أي : بحججي وبراهيني ومعجزاتي ، ( ولا تنيا في ذكري ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لا تبطئا .
وقال مجاهد ، عن ابن عباس : لا تضعفا .
والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله ، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون ، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه ، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له ، كما جاء في الحديث : " إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قرنه " .
قوله تعالى{اذهب أنت وأخوك بآياتي} قال ابن عباس يريد التسع الآيات التي أنزلت عليه. {ولا تنيا في ذكري} قال ابن عباس : تضعفا أي في أمر الرسالة؛ وقاله قتادة. وقيل : تفترا. قال الشاعر : فما ونى محمد مذ أن غفر ** له الإله ما مضى وما غبر والونى الضعف والفتور، والكلال والإعياء. وقال امرؤ القيس : مسح إذا ما السابحات على الونى ** أثرن غبارا بالكديد المركل ويقال : ونيت في الأمر أني ونى ونيا أي ضعفت فأنا وان وناقة وانية وأونيتها أنا أضعفتها وأتعبتها : وفلان لا يني كذا، أي لا يزال، وبه فسر أبان معنى الآية واستشهد بقول طرفة : كأن القدور الراسيات أمامهم ** قباب بنوها لا تني أبدا تغلي وعن ابن عباس أيضا : لا تبطئا. وفي قراءة ابن مسعود {ولا تهنا في ذكري} وتحميدي وتمجيدي وتبليغ رسالتي. قوله تعالى{اذهبا إلى فرعون إنه طغى ،فقولا له قولا لينا لعله يذكر أو يخشى} فيه اربع مسائل: الأولى :قوله تعالى{اذهبا} قال في أول الآية{اذهب أنت وأخوك بآياتي} وقال هناك {اذهبا} فقيل أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون، وخاطب أولا موسى وحده تشريفا له؛ ثم كرر للتأكيد. وقيل بين بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل : الأول أمر بالذهاب إلى كل الناس، والثاني بالذهاب إلى فرعون. الثانية: قوله تعالى{فقولا له قولا لينا} دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال{فقولا له قولا لينا} وقال{لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى}[طه : 46] فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه؛ وهذا واضح. الثالثة: واختلف الناس في معنى قوله {لينا} فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة : معناه كنياه؛ وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي. ثم قيل : وكنيته أبو العباس. وقيل : أبو الوليد. وقيل : أبو مرة؛ فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف وطمع بإسلامه. وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه، لأن الطمع ليس بحقيقة توجب عملا. وقد قال صلى الله عليه وسلم (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) ولم يقل وإن طمعتم في إسلامه، ومن الإكرام دعاؤه بالكنية. وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية : (أنزل أبا وهب) فكناه. وقال لسعد : (ألم تسمع ما يقول أبو حباب) يعني عبدالله بن أبي. وروي في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قام على باب فرعون سنة، لا يجد رسولا يبلغ كلاما حتى خرج. فجرى له ما قضى الله من ذلك، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين، وربك أعلم بالمهتدين. وقيل قال له موسى تؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين؛ على أن لك شبابا لا يهرم إلى الموت، وملكا لا ينزع منك إلى الموت، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة. فهذا القول اللين. وقال ابن مسعود : القول اللين قوله تعالى {فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى}[النازعات : 18 - 19]. وقد قيل أن القول اللين قول موسى : يا فرعون إنا رسولا ربك رب العالمين. فسماه بهذا الاسم لأنه أحب إليه مما سواه مما قيل له، كما يسمى عندنا الملك ونحوه. قلت : القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه؛ يقال : لان الشيء يلين لينا؛ وشيء لين ولين مخفف منه؛ والجمع أليناء. فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا، فمن دونه أحرى بأن يقتدى بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه. وقد قال تعالى {وقولوا للناس حسنا}[البقرة : 83]. على ما تقدم في {البقرة} بيانه والحمد لله. الرابعة: قوله تعالى{لعله يتذكر أو يخشى} معناه : على رجائكما وطمعكما؛ فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر؛ قال كبراء النحويين : سيبويه وغيره. وقد تقدم. قال الزجاج{لعل} لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون. وقيل {لعل} ها هنا بمعنى الاستفهام، والمعنى فانظر هل يتذكر. وقيل : هل يتذكر. وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن قول هارون لموسى لعله يتذكر أو يخشى؛ قاله الحسن. وقيل : إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع. وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي فقال{آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}[يونس : 90] ولكن لم ينفعه ذلك؛ قاله أبو بكر الوراق وغيره وقال يحيي بن معاذ في هذه الآية : هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله؟ !. وقد قيل : إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان فقال : لا تفعل؛ بعد أن كنت مالكا تصير مملوكا، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا. وقال له : أنا أردك شابا فخضب لحيته بالسواد فهو أول من خضب.
اذهب - يا موسى - أنت وأخوك هارون بآياتي الدالة على ألوهيتي وكمال قدرتي وصدق رسالتك، ولا تَضْعُفا عن مداومة ذكري. اذهبا معًا إلى فرعون؛ إنه قد جاوز الحد في الكفر والظلم، فقولا له قولا لطيفًا؛ لعله يتذكر أو يخاف ربه.
لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: { اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ } هارون { بِآيَاتِي } أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، { وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } أي: لا تفترا، ولا تكسلا، عن مداومة ذكري بل استمرَّا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها.
( اذهب أنت وأخوك بآياتي ) بدلائلي ، وقال ابن عباس : يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى ( ولا تنيا ) لا تضعفا ، وقال السدي : لا تفترا . وقال محمد بن كعب : لا تقصرا ( في ذكري )
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.