تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 29 من سورة الحج

رقم السجل 2624 · السورة 22 · الآية 29

۞ قراءة النص
۞

ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴿29﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق

مع التشكيل

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ

الرسم العثماني

ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ

النقل الصوتي

Thumma lyaq<u>d</u>oo tafathahum walyoofoo nu<u>th</u>oorahum walya<u>tt</u>awwafoo bi<b>a</b>lbayti alAAateeq<b>i</b>

English

Then let them make an end of their unkemptness and pay their vows and go around the ancient House.

Français

Puis qu'ils mettent fin à leurs interdits (qu'ils nettoient leurs corps), qu'ils remplissent leurs vœux, et qu'ils fassent les circuits autour de l'Antique Maison».

Türkçe

Sonra ihramdayken yapılmayan şeyleri yapıp temizlensinler, adaklarını yerine getirsinler ve tavaf etsinler Beytalatıyk'ı.

Deutsch

Dann sollen sie ihren Schmutz entfernen, ihre Gelübde erfüllen und öfters Tawaf um das Ehrwürdige Haus vollziehen.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«ثم ليقضوا تفثهم» أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر «وليوفوا» بالتخفيف والشديد «نذورهم» من الهدايا والضحايا «وليطوفوا» طواف الإفاضة «بالبيت العتيق» أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

وقوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو وضع [ الإحرام ] من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظفار ، ونحو ذلك . وهكذا روى عطاء ومجاهد ، عنه . وكذا قال عكرمة ، ومحمد بن كعب القرظي .

وقال عكرمة ، عن ابن عباس : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : التفث : المناسك .

وقوله : ( وليوفوا نذورهم ) ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني : نحر ما نذر من أمر البدن .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وليوفوا نذورهم ) : نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج .

وقال إبراهيم بن ميسرة ، عن مجاهد : ( وليوفوا نذورهم ) قال : الذبائح .

وقال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد : ( وليوفوا نذورهم ) كل نذر إلى أجل .

وقال عكرمة : ( وليوفوا نذورهم ) ، قال : [ حجهم .

وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان في قوله : ( وليوفوا نذورهم ) قال : ] نذر الحج ، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه : الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وعرفة ، والمزدلفة ، ورمي الجمار ، على ما أمروا به . وروي عن مالك نحو هذا .

وقوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) : قال مجاهد : يعني : الطواف الواجب يوم النحر .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن أبي حمزة قال : قال لي ابن عباس : أتقرأ سورة الحج؟ يقول الله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) ، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت .

قلت : وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ يرمي الجمرة ، فرماها بسبع حصيات ، ثم نحر هديه ، وحلق رأسه ، ثم أفاض فطاف بالبيت . وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف ، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض .

وقوله : ( بالبيت العتيق ) : فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر; لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم ، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت ، حين قصرت بهم النفقة; ولهذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجر ، وأخبر أن الحجر من البيت ، ولم يستلم الركنين الشاميين; لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة; ولهذا قال ابن أبي حاتم :

حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر العدني ، حدثنا سفيان ، عن هشام بن حجر ، عن رجل ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) ، طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه .

وقال قتادة ، عن الحسن البصري في قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) [ قال ] : لأنه أول بيت وضع للناس . وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وعن عكرمة أنه قال : إنما سمي البيت العتيق; لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح .

وقال خصيف : إنما سمي البيت العتيق; لأنه لم يظهر عليه جبار قط .

وقال ابن أبي نجيح وليث عن مجاهد : أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه . وكذا قال قتادة .

وقال حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن بن مسلم ، عن مجاهد : لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن الزبير قال : إنما سمي البيت العتيق; لأن الله أعتقه من الجبابرة .

وقال الترمذي : حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد ، حدثنا عبد الله بن صالح ، أخبرني الليث ، عن عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن عروة ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما سمي البيت العتيق; لأنه لم يظهر عليه جبار " .

وكذا رواه ابن جرير ، عن محمد بن سهل النجاري ، عن عبد الله بن صالح ، به . وقال : إن كان صحيحا وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، ثم رواه من وجه آخر عن الزهري ، مرسلا .

عرض مصدر التفسير
الطبري
فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى {ليشهدوا} أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا؛ أي ليحضروا. والشهود الحضور. {منافع لهم} أي المناسك، كعرفات والمشعر الحرام. وقيل المغفرة. وقيل التجارة. وقيل هو عموم؛ أي ليحضروا منافع لهم، أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة؛ قال مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي؛ فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى. ولا خلاف في أن المراد بقوله{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم}[البقرة : 198] التجارة. الثانية: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} قد مضى في {البقرة} الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات. والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر؛ مثل قولك : باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك. ومثل قولك عند الذبح {إن صلاتي ونسكي}[الأنعام : 162] الآية. وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله؛ وقد مضى في {الأنعام}. الثالثة: واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر؛ فقال مالك رضي الله عنه : بعد صلاة الإمام وذبحه؛ إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة، هذه رواية المزني عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال قال الشافعي : ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد : إذا انصرف الإمام فاذبح. وهو قول إبراهيم. وأصح هذه الأقوال قول مالك؛ لحديث جابر بن عبدالله قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم خرجه مسلم والترمذي وقال : وفي الباب عن جابر وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وابن عمر وأبي زيد الأنصاري، وهذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يصلي الإمام. وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء، وفيه : (ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين). خرجه مسلم أيضا. فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح، وحديث جابر يقيده. وكذلك حديث البراء أيضا، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا) الحديث. وقال أبو عمر بن عبدالبر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح؛ لقوله عليه السلام : (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم). الرابعة: وأما أهل البوادي ومن لا إمام له فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر. وهو قول ابن المبارك، ذكره عنه الترمذي. وتمسكوا بقوله تعالى{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}، فأضاف النحر إلى اليوم. وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس، قولان. ولا خلاف أنه لا يجزى ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر. الخامسة: واختلفوا كم أيام النحر؟ فقال مالك : ثلاثة، يوم النحر، ويومان بعده. وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما. وقال الشافعي : أربعة، بيوم النحر وثلاثة بعده. وبه قال الأوزاعي، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وروي عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد. وقيل : (هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذي الحجة)؛ وروي عن ابن سيرين. وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أنهما قالا : النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام. وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات : إحداها كما قال مالك، والثانية كما قال الشافعي، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة؛ فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى. قلت : وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبدالرحمن، ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني : الضحايا إلى هلال ذي الحجة؛ ولم يصح، ودليلنا قوله تعالى{في أيام معلومات} الآية، وهذا جمع قلة؛ لكن المتيقن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به. قال أبو عمر بن عبدالبر : أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذه إلا قولان : أحدهما : قول مالك والكوفيين. والآخر : قول الشافعي والشاميين؛ وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. وقد روي عن قتادة قول سادس، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده؛ وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له. السادسة: واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا ؛ فروي عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا يجوز الذبح بالليل. وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى{ويذكروا اسم الله في أيام} فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ويجزى الذبح فيها. وروي عن مالك وأشهب نحوه، ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلا ولم يجز الضحية ليلا. السابعة: قوله تعالى{على ما رزقهم} أي على ذبح ما رزقهم. {من بهيمة الأنعام} والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم. وبهيمة الأنعام هي الأنعام، فهو كقولك صلاة الأولى، ومسجد الجامع. الثامنة: قوله تعالى{فكلوا منها} أمر معناه الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل. وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية. ولقول عليه السلام : (فكلوا وادخروا وتصدقوا). قال الكيا : قوله تعالى{فكلوا منها وأطعموا} يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. التاسعة: دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها. ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث : جزاء الصيد، ونذر المساكين وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا، ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار. العاشرة: فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا؛ قولان في مذهبنا، وبالأول قال ابن الماجشون. قال ابن العربي : وهو الحق، لا شيء عليه غيره. وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل - خلافا للمدونة - لأن النحر قد وقع، والتعدي إنما هو على اللحم، فيغرم قدر ما تعدى فيه. قوله تعالى{وليوفوا نذورهم} يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل. والله أعلم. الحادية عشرة: هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما؛ ففي كتاب محمد عن عبدالملك أنه يغرم طعاما. والأول أصح؛ لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة، وليس حكم التعدي حكم العبادة. الثانية عشرة: فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئا. قال إسماعيل بن إسحاق : لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله، ولذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم. فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم؛ لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل. وروى أبو داود عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي وقال : (إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس). وبهذا الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع : لا يأكل منها سائقها شيئا، ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها. وفي صحيح مسلم : (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك). وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس والشافعي في قوله الآخر، واختاره ابن المنذر، فقالا : لا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقته. قال أبو عمر : قوله عليه السلام (ولا يأكل منها أحد ولا أحد من أهل رفقتك) لا يوجد إلا في حديث ابن عباس. وليس ذلك في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية. وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس، وعليه العمل عند الفقهاء. ويدخل في قوله عليه السلام : (خل بينها وبين الناس) أهل رفقته وغيرهم. وقال الشافعي وأبو ثور : ما كان من الهدي أصله واجبا فلا يأكل منه، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق. والمتعة والقران عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه : يأكل من هدي المتعة والتطوع، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام. وحكي عن مالك : لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر؛ كقول الشافعي والأوزاعي. تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى{أو كفارة طعام مساكين}[المائدة : 95]. وقال في فدية الأذى{ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}[البقرة : 196]. وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : (أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام أو انسك شاة). ونذر المساكين مصرح به، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله{والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} إلى قوله {فكلوا منها}[الحج : 36]. وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه من الهدي الذي جاء به وشربا من مرقه. وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال والروايات؛ فكان هديه على هذا واجبا، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. والله أعلم. وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم؛ فلا جرم كذلك شرع وبلغ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم صلى الله عليه وسلم. الثالثة عشرة: {فكلوا منها} قال بعض العلماء : قوله تعالى{فكلوا منها} ناسخ لفعلهم، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها - كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله{فكلوا منها} وبقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من ضحى فليأكل من أضحيته) ولأنه عليه السلام أكل من أضحيته وهديه. وقال الزهري : من السنة أن تأكل أولا من الكبد. الرابعة عشرة: ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويأكل هو وأهله الثلث. وقال ابن القاسم عن مالك : ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف. قال مالك في حديثه : وبلغني عن ابن مسعود، وليس عليه العمل. روى الصحيح وأبو داود قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ثم قال : (يا ثوبان، أصلح لحم هذه الشاة) قال : فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة. وهذا نص في الفرض. واختلف قول الشافعي؛ فمرة قال : يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى{فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير{ فذكر شخصين. وقال مرة : يأكل ثلثا ويهدي ثلثا ويطعم ثلثا، لقوله تعالى{فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}الحج : 36] فذكر ثلاثة. الخامسة عشرة: المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها، وهو قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة والنخعي، وروي عن علي؛ والحديث حجة عليهم. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية، وبه قال النخعي. وروي ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي. فإذا أراد أن يضحي جعله هديا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم. السادسة عشرة: اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال. روي عن علي وابن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث. وروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي. وقالت جماعة : ما روي من النهي عن الادخار منسوخ؛ فيدخر إلى أي وقت أحب. وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي، وقالت فرقة : يجوز الأكل منها مطلقا. وقالت طائفة : إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر، لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله عليه السلام : (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وتنشأ هنا مسألة أصولية : وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته. أعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة؛ فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى؛ ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة. وقد جاء المنع والإباحة معا؛ كما هو منصوص في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري رواها الصحيح. وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال : ثم صليت العيد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قال : فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال سالم : فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وروى أبو داود عن نبيشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا إلا أن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل). قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تضاد، ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان محصور، لأن الناس كانوا في شدة محتاجين، ففعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمت الدافة. والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك قال : حدثنا أحمد قال حدثنا ليث قال حدثني الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن لحوم الأضاحي فقالت : قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال(كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة). وقال الشافعي : من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار. ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. والله أعلم. وسيأتي في سورة {الكوثر} الاختلاف في وجوب الأضحية وندبيتها وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم، إن شاء الله تعالى. التاسعة عشرة: قوله تعالى{وأطعموا البائس الفقير} {الفقير} من صفة البائس، وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر؛ يقال : بئس يبأس بأسا إذا افتقر؛ فهو بائس. وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا؛ ومنه قوله عليه السلام : (لكن البائس سعد بن خولة). ويقال : رجل بئيس أي شديد. وقد بؤس يبؤس بأسا إذ اشتد؛ ومنه قوله تعالى{وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس}[الأعراف : 165] أي شديد. وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر. وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه؛ فقيل النصف؛ لقوله{فكلوا}، {وأطعموا} وقيل الثلثان؛ لقوله : (ألا فكلوا وادخروا واتجروا) أي اطلبوا الأجر بالإطعام. واختلف في الأكل والإطعام؛ فقيل واجبان. وقيل مستحبان. وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام؛ فالأكل مستحب والإطعام واجب؛ وهو قول الشافعي. الموفية عشرين: قوله تعالى{ثم ليقضوا تفثهم} أي ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج؛ كالحلق ورمي الجمار وإزالة شعث ونحوه. قال ابن عرفة : أي ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهري : التفث الأخذ من الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة؛ وهذا عند الخروج من الإحرام. وقال النضر بن شميل : التفث في كلام العرب إذهاب الشعث وسمعت الأزهري يقول : التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير. وقال الحسن : (هو إزالة قشف الإحرام. وقيل : التفث مناسك الحج كلها)، رواه ابن عمر وابن عباس. قال ابن العربي : لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة، قال : وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ولا أحاطوا بها خبرا؛ لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال : إنه قص الأظفار وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال : ولم يجيء فيه شعر يحتج به. وقال صاحب العين : التفث هو الرمي والحلق والتقصير والذبح وقص الأظفار والشارب والإبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب : تفث الرجل إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت : حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ** ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا وما أشار إليه قطرب هو الذي قال ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث. وهذه صورة إلقاء التفث لغة، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه ووفى نذره؛ والنذر ما لزم الإنسان والتزمه. قلت : ما حكاه عن قطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي وذكر بيتا آخر فقال : قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا ** إلى نجد وما انتظروا عليا وقال الثعلبي : وأصل التفث في اللغة الوسخ؛ تقول العرب للرجل تستقذره : ما أتفثك؛ أي ما أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبي الصلت : ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا ** وينزعوا عنهم قملا وصئبانا الماوردي : قيل لبعض الصلحاء ما المعنى في شعث المحرم؟ قال : ليشهد الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. الحاديةوالعشرون: قوله تعالى{وليوفوا نذورهم} أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية؛ لقوله عليه السلام : (لا وفاء لنذر في معصية الله)، وقوله : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) {وليطوفوا بالبيت العتيق} الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري : لا خلاف بين المتأولين في ذلك. الثانية والعشرون: للحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق : طواف القدوم سنة، وهو ساقط عن المراهق وعن المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة. قال : والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة؛ قال الله تعالى{ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق}. قال : فهذا هو الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله. قال الحافظ أبو عمر : ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل المدينة، وهي رواية ابن وهب وابن نافع وأشهب عنه. وهو قول جمهور أهل العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق. وقد روى ابن القاسم وابن عبدالحكم عن مالك أن طواف القدوم واجب. وقال ابن القاسم في غير موضع من المدونة ورواه أيضا عن مالك : الطواف الواجب طواف القادم مكة. وقال : من نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطا منه، أو نسي السعي أو شوطا منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدي. وإن أصاب النساء رجع فطاف وسعى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة سواء. فعلى هذه الرواية الطوافان جميعا واجبان، والسعي أيضا. وأما طواف الصدر وهو المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء : أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوع بعد ذلك. وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من طوافه. وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا تطوع به من عمل الحج، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع؛ بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة، إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أو بعده للوداع. ورواية ابن عبدالحكم عن مالك بخلاف ذلك؛ لأن فيها أن طواف الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدي، كما ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدي أيضا عن طواف القدوم. ومن قال هذا قال : إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لأن بعضهما ينوب عن بعض، ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا، ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافا واحدا بقوله{وأذن في الناس بالحج}، وقال في سياق الآية{وليطوفوا بالبيت العتيق} والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف. وأسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال : سألت زهيرا عن قوله تعالى{وليطوفوا بالبيت العتيق} فقال : هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه عليه السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا يرخص إلا في الواجب. الثالثة والعشرون: اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق؛ فقال مجاهد والحسن : العتيق القديم. يقال : سيف عتيق، وقد عتق أي قدم؛ وهذا قول يعضده النظر. وفي الصحيح (أنه أول مسجد وضع في الأرض). وقيل عتيقا لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان؛ قال معناه ابن الزبير مجاهد. وفي الترمذي عن عبدالله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار) قال : هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له : إنما أعتقها عن كفار الجبابرة؛ لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا. فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء؛ فقصر الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد، ولم يتجاوزه إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار، وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. وقالت طائفة : سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة : سمي عتيقا لأن الله عز وجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل : سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان؛ قال ابن جبير. وقيل : العتيق الكريم. والعتق الكرم. قال طرفة يصف أذن الفرس : مؤللتان تعرف العتق فيهما ** كسامعتي مذعورة وسط ربرب وعتق الرقيق : الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء؛ كما قال عمر : حملت على فرس عتيق؛ الحديث. والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح. قال مجاهد : خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام، وسمي عتيقا لهذا؛ والله أعلم.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ثم ليكمل الحجاج ما بقي عليهم من النُّسُك، بإحلالهم وخروجهم من إحرامهم، وذلك بإزالة ما تراكم مِن وسخ في أبدانهم، وقص أظفارهم، وحلق شعرهم، وليوفوا بما أوجبوه على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، وليطوفوا بالبيت العتيق القديم، الذي أعتقه الله مِن تسلُّط الجبارين عليه، وهو الكعبة.
عرض مصدر التفسير
السعدي

{ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } أي: يقضوا نسكهم، ويزيلوا الوسخ والأذى، الذي لحقهم في حال الإحرام، { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } التي أوجبوها على أنفسهم، من الحج، والعمرة والهدايا، { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق: من تسلط الجبابرة عليه. وهذا أمر بالطواف، خصوصا بعد الأمر بالمناسك عموما، لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه.

ولعله -والله أعلم أيضا- لفائدة أخرى، وهو: أن الطواف مشروع كل وقت، وسواء كان تابعا لنسك، أم مستقلا بنفسه.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( ثم ليقضوا تفثهم ) التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث تقول العرب لمن تستقذره : ما أتفثك : أي ما أوسخك والحاج أشعث أغبر لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره فقضاء التفث : إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم أي ليزيلوا أدرانهم والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط والاستحداد وقلم الأظفار ولبس الثياب قال ابن عمر وابن عباس : قضاء التفث مناسك الحج كلها . وقال مجاهد : هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار . وقيل التفث هاهنا رمي الجمار قال الزجاج : لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن

قوله تعالى : ( وليوفوا نذورهم ) قال مجاهد : أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي ليتموها بقضائها وقيل : المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره وقيل : أراد به الخروج عما وجب عليه نذر أو لم ينذر والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى بنذره وقرأ عاصم برواية أبي بكر " وليوفوا " بنصب الواو وتشديد الفاء

( وليطوفوا بالبيت العتيق ) أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق

والطواف ثلاثة : طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد هو أبو عيسى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال : قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة ثم عمر مثل ذلك ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا أنس بن عياض ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعا ثم يصلي سجدتين ، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعا .

والطواف الثاني : هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، أخبرنا الأعمش ، أخبرنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : حاضت صفية ليلة النفر فقالت : ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله عليه وسلم " عقرى حلقى أطافت يوم النحر؟ قيل نعم ، قال فانفري " فثبت بهذا أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر

والطواف الثالث : هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس عن ابن عباس ، قال أمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض .

والرمل مختص بطواف القدوم ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع

قوله : ( بالبيت العتيق ) اختلفوا في معنى " العتيق " قال ابن عباس ، وابن الزبير ومجاهد وقتادة : سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه فلم يظهر عليه جبار قط . قال سفيان بن عيينة : سمي عتيقا لأنه لم يملك قط ، وقال الحسن وابن زيد : سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس يقال : دينار عتيق أي قديم ، وقيل سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام الطوفان .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

" ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» أي ليلقوا الوسخ ، وإزالة الشعث من الحاج لحفظ القوى مما ينالها من الضرر لسد المسام وانعكاس الأبخرة ، المؤذية لها المؤثرة فيها وما في معناها ، لأن الطهارة والنظافة مقصودة للشارع لأنه القدوس ، «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» التطوع قد يكون واجبا بإيجاب اللّه إذا أوجبه العبد على نفسه كالنذر ، فإن اللّه أوجبه بإيجاب العبد

- نصيحة -لا تزد في العهود ويكفيك ما جبرت عليه ، ولهذا كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم النذر وأوجب الوفاء به ،لأنه من فضول الإنسان

"وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " الطواف ثلاثة ، طواف القدوم وطواف الإفاضة ويقال له طواف الزيارة وطواف الوداع ،

وقد أجمع العلماء على أن الواجب من هذه الأطواف الثلاثة هو طواف الإفاضة ، فإن المعرّف إذا قدم مكة بعد الرمي أجزأه طواف الإفاضة عن طواف القدوم وصح حجه وإن المودع إذا طاف في زعمه طواف الوداع ولم يكن طاف طواف الإفاضة كان ذلك الطواف طواف إفاضة أجزأ عن طواف الوداع ، لأنه طواف بالبيت معمول به في وقت طواف الوجوب الذي هو الإفاضة ، فقبله اللّه طواف إفاضة وأجزأ عن طواف الوداع ، والمتمتع إن لم يكن قارنا فعليه طوافان ، وإن كان قارنا فطواف واحد ، والمكي عليه طواف واحد ،

وليست الطهارة شرطا في صحة الطواف ، فإنه يجوز الطواف بغير وضوء للرجل والمرأة ، إلا أن تكون حائضا فإنها لا تطوف ، وإن طافت لا يجزئها وهي عاصية لورود النص في ذلك ، وما ورد شرع بالطهارة للطواف إلا ما ورد في الحائض خاصة ، وما كل عبادة يشترط فيها هذه الطهارة الظاهرة ، ويجوز الطواف


في الأوقات كلها وبعد صلاة الصبح والعصر ، إلا أني أكره الدخول في الصلاة حال الطلوع وحال الغروب إلا أن يكون قد أحرم بها قبل حال الطلوع والغروب ، وصفة الطواف أن يجعل البيت على يساره ويبتدئ فيقبل الحجر الأسود إن قدر عليه ، ثم يسجد عليه أو يشير إليه إن لم يتمكن له الوصول إليه ، ويتأخّر عنه قليلا بحيث أن يدخله في الطواف بالمرور عليه ، ثم يمشي إلى أن ينتهي إليه يفعل ذلك سبع مرات ، يقبل الحجر في كل مرة ويمس الركن اليماني الذي قبل ركن الحجر بيده ولا يقبله ، فإن كان في طواف القدوم فيرمل ثلاثة أشواط ويمشي أربعة أشواط ، ولكن في أشواط رمله يمشي قليلا بين الركنين اليمانين ويقول : «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ» إلى أن تفرغ الأشواط السبعة ، كل ذلك بقلب حاضر مع اللّه ويتخيل أنه في تلك العبادة كالحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، فيلزم التسبيح في طوافه والتحميد والتهليل وقول لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، جاء في الخبر أن جبريل طاف بآدم حين أنزله اللّه بالكعبة ، فسأله آدم ما كنتم تقولون في طوافكم بهذا البيت ، فقال جبريل عليه السلام كنا نقول في طوافنا بهذا البيت سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، فقال آدم لجبريل عليهما السلام وأزيدكم أن

[ ولا حول ولا قوة إلا باللّه ]

فبقيت سنة في الذكر في الطواف لبنيه ولكل طائف به إلى يوم القيامة ، فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن هذه الكلمة أعطيها آدم من كنز من تحت العرش .

واعلم أن اللّه لما نسب العرش إلى نفسه وجعله محل الاستواء الرحماني جعل الملائكة حافين به من حول العرش بمنزلة الحرس حرس الملك والملازمين بابه لتنفيذ أوامره ، وجعل اللّه الكعبة بيته ، ونصب الطائفين به على ذلك الأسلوب ، وتميز البيت على العرش وعلى الضراح وسائر البيوت الأربعة عشر بأمر ، ما نقل إلينا أنه في العرش ولا في غير هذا من البيوت ، وهو الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض لنبايعه في كل شوط مبايعة رضوان وبشرى بقبول ما كان منا في كل شوط مما هو لنا أو علينا ، فما لنا فقبول وما علينا فغفران ، فإذا انتهينا إلى اليمين الذي هو الحجر استشعرنا من اللّه سبحانه بالقبول فبايعناه وقبلنا يمينه المضافة إليه قبلة قبول وفرح واستبشار ، هكذا في كل شوط ، فإن كثر الازدحام أشرنا إليه إعلاما بأنا نريد تقبيله ، وإعلاما بعجزنا عن الوصول إليه ولا نقف ننتظر النوبة حتى تصل إلينا فنقبله ، لأنه لو أراد ذلك منا ما شرع لنا الإشارة إليه إذا لم نقدر عليه فعلمنا أنه يريد منا اتصال المشي في السبعة


الأشواط من غير أن يتخللها وقوف إلا قدر التقبيل في مرورنا إذا وجدنا السبيل إليه ، وكل طواف قدوم فيه رمل هكذا السنة لمن أراد أن يتبعها ، وأجمع العلماء على أن الركوع بعد الطواف من سنن الطواف ، وهو أن يركع ركعتين ، والأولى أن يصلي عند انقضاء كل أسبوع (أي سبعة أشواط) فإن جمع أسابيع فلا ينصرف إلا عن وتر ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما انصرف من الطواف إلا عن وتر فإنه انصرف عن سبعة أشواط أو عن طواف واحد ، فإن زاد فينصرف عن ثلاثة أسابيع وهي واحد وعشرون شوطا ولا ينصرف عن أسبوعين ، فإنه شفع ، وبالأشواط الأربعة عشر شوطا وهي شفع فجاء بخلاف السنة في طوافه من كل وجه ، والأولى أن لا يؤخر الركعتين عن أسبوعهما ، وليصلهما عند انقضاء الأسبوع

- إشارة-طواف القدوم يقابل طواف الوداع ، فهو كالاسم الأول والآخر ، وطواف الإفاضة بينهما برزخ ، فلطواف الزيارة وجه إلى طواف الوداع ووجه إلى طواف القدوم ، كالعقل إذا أقبل على اللّه بالاستفادة ، وطواف الوداع إذا أراد الخروج إلى النفس بالإفادة ، والبرزخ أبدا أقوى في الحكم لجمعه بين الطرفين ، فيتصور في أي صورة شاء ، ويقوم في حكم أي طرف أراد ، ويجزئ عنهما ، فله الاقتدار التام ، والرمل إسراع في نفس الخير إلى الخير فهو خير في خير.

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة