تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 18 من سورة محمد

رقم السجل 4563 · السورة 47 · الآية 18

۞ قراءة النص
۞

فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ ﴿18﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم

مع التشكيل

فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ

الرسم العثماني

فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ

النقل الصوتي

Fahal yan<i><u>th</u></i>uroona ill<u>a</u> a<b>l</b>ss<u>a</u>AAata an tatiyahum baghtatan faqad j<u>a</u>a ashr<u>at</u>uh<u>a</u> faann<u>a</u> lahum i<u>tha</u> j<u>a</u>athum <u>th</u>ikr<u>a</u>hum

English

Await they aught save the Hour, that it should come upon them unawares? And the beginnings thereof have already come. But how, when it hath come upon them, can they take their warning?

Français

Qu'est-ce qu'ils attendent sinon que l'Heure leur vienne à l'improviste? Or ses signes avant-coureurs sont certes déjà venus. Et comment pourront-ils se rappeler quand elle leur viendra (à l'improviste)?

Türkçe

Onlar, kıyametin gelmesinden, apansızın başlarına kopuvermesinden başka bir şey mi bekliyorlar? Gerçekten de alametleri geldi; onlara gelip çatınca ibret almaları neye yarar?

Deutsch

Warten sie etwa auf anderes als auf die Stunde, daß sie plötzlich zu ihnen kommt?! Also bereits kamen ihre Vorzeichen. Und wie werden sie sich erinnern, wenn sie (die Stunde so) zu ihnen kommt?!

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«فهل ينظرون» ما ينتظرون، أي كفار مكة «إلا الساعة أن تأتيهم» بدل اشتمال من الساعة، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم «بغتة» فجأة «فقد جاء أشرطها» علاماتها: منها النبي صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر والدخان «فأنَّى لهم إذا جاءتهم» الساعة «ذكراهم» تذكرهم، أي لا ينفعهم.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

وقوله : ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) أي : وهم غافلون عنها ، ( فقد جاء أشراطها ) أي : أمارات اقترابها ، كقوله تعالى : ( هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ) [ النجم : 56 ، 57 ] ، وكقوله : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) [ القمر : 1 ] وقوله : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) [ النحل : 1 ] ، وقوله : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) [ الأنبياء : 1 ] فبعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة ; لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين ، وأقام به الحجة على العالمين . وقد أخبر - صلوات الله وسلامه عليه - بأمارات الساعة وأشراطها ، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله ، كما هو مبسوط في موضعه .

وقال الحسن البصري : بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة . وهو كما قال ; ولهذا جاء في أسمائه عليه السلام ، أنه نبي التوبة ، ونبي الملحمة ، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه ، والعاقب الذي ليس بعده نبي .

وقال البخاري : حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثنا أبو حازم ، حدثنا سهل بن سعد قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بأصبعيه هكذا ، بالوسطى والتي تليها : " بعثت أنا والساعة كهاتين " .

ثم قال تعالى : ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) أي : فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة ، حيث لا ينفعهم ذلك ، كقوله تعالى : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) [ الفجر : 23 ] ،

( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) [ سبأ : 52 ] .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} أي فجأة. وهذا وعيد للكفار. {فقد جاء أشراطها} أي أماراتها وعلاماتها. وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فبعثه من أشراطها وأدلتها، قاله الضحاك والحسن. وفي الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بعثت أنا والساعة كهاتين) وضم السبابة والوسطى، لفظ مسلم : وخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه. ويروى (بعثت والساعة كفرسي رهان). وقيل : أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها. ومنه يقال للدون من الناس : الشرط. وقيل : يعني علامات الساعة انشقاق القمر والدخان، قال الحسن أيضا. وعن الكلبي : كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام. وقد أتينا على هذا الباب في كتاب التذكرة مستوفى والحمد لله. وواحد الأشراط شرط، وأصله الأعلام. ومنه قيل الشرط، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. ومنه الشرط في البيع وغيره. قال أبو الأسود : فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ** فقد جعلت أشراط أوله تبدو ويقال : أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له. قال أوس بن حجر يصف رجلا تدلى بحبل من رأس جبل إلى نبعة يقطعها ليتخذ منها قوسا : فأشرط نفسه فيها وهو معصم ** وألقى بأسباب له وتوكلا {أن تأتيهم بغتة} {أن}بدل اشتمال من {الساعة}، نحو قوله {أن تطؤوهم} [الفتح : 25] من قوله {رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} [الفتح : 25]. وقرئ {بغتة} بوزن جربة، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها، وهي مروية عن أبي عمرو. الزمخشري : وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصواب {بغتة} بفتح الغين من غير تشديد، كقراءة الحسن. وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة {إن تأتهم بغتة}. قال المهدوي : ومن قرأ {إن تأتهم بغتة}كان الوقف على {الساعة} ثم استأنف الشرط. وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق، كأنه قال : إن شكوا في مجيئها {فقد جاء أشراطها}. قوله تعالى{فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} {ذكراهم}ابتداء و{أنى لهم} الخبر. والضمير المرفوع في {جاءتهم} للساعة، التقدير : فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة، قال معناه قتادة وغيره. وقيل : فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة، قاله ابن زيد. وفي الذكرى وجهان : أحدهما : تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر. الثاني : هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا وتخويفا، روى أبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك) ذكره الماوردي.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا الساعة التي وُعدوا بها أن تجيئهم فجأةً، فقد ظهرت علاماتها ولم ينتفعوا بذلك، فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟
عرض مصدر التفسير
السعدي

أي: فهل ينظر هؤلاء المكذبون أو ينتظرون { إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة، وهم لا يشعرون { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } أي: علاماتها الدالة على قربها.

{ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } أي: من أين لهم، إذا جاءتهم الساعة وانقطعت آجالهم أن يتذكروا ويستعتبوا؟ قد فات ذلك، وذهب وقت التذكر، فقد عمروا ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءهم النذير.

ففي هذا الحث على الاستعداد قبل مفاجأة الموت، فإن موت الإنسان قيام ساعته.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة )

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي ، حدثنا الحسين بن الحسن ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا معمر بن راشد ، عمن سمع المقبري يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيا ، أو فقرا منسيا ، أو مرضا مفسدا ، أو هرما مفندا ، أو موتا مجهزا ، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر " .

قوله - عز وجل - : ( فقد جاء أشراطها ) أي أماراتها وعلاماتها ، واحدها : شرط ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا فضل بن سليمان ، حدثنا أبو حازم ، حدثنا سهل بن سعد قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بأصبعيه هكذا ، بالوسطى والتي تلي الإبهام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حفص بن عمر الحوضي ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس قال : لأحدثنكم بحديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحدثنكم به أحد غيري ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر الجهل ، ويكثر الزنا ، ويكثر شرب الخمر ، ويقل الرجال ويكثر النساء ، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثني هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال . وقال بعضهم : بل لم يسمع ، حتى إذا قضى حديثه ، قال : " أين السائل عن الساعة ؟ " قال : ها أنا يا رسول الله ، قال : " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " . قال : كيف إضاعتها ؟ قال : " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " .

قوله - عز وجل - : ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة ؟ نظيره : " يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى " ( الفجر - 2323 ) .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (19)

[ «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. . .» الآية - العلم بتوحيد اللّه تعالى :]

كل علم يوصلك إلى حيث متعلقه ، والشغف من العالم بالمتعلق لا بالعلم ، ولهذا العلم بالذات الإلهية لا يصح أصلا ، لأنه لا يوصلك إليها لعزتها ، وإنما تصل إليها على قدرك في علمك بها ، فالتوحيد هو المطلوب من كل موجود ، ونهانا الشارع أن نتفكر في ذات اللّه ، إذ من ليس كمثله شيء ، كيف يوصل إلى معرفة ذاته ؟ وما منعنا من الكلام في توحيد اللّه ، بل أمر بذلك فقال آمرا بالعلم بتوحيده «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» وهي المعرفة الواجبة بتوحيد اللّه في ألوهيته ، وذلك بأن نعلم أن النفي ورد على أعيان المخلوقات لما وصفت بالألوهية ونسبت إليها وقيل فيها آلهة ، ولهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اللّه الواحد ، فأخبر اللّه عنهم أنهم قالوا : (جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) فسموها آلهة ، وهي ليست بهذه الصفة ، فورد حكم النفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها ، لا في نفس الأمر ، لا على نفي الألوهية ، فكأنه يقول للمشرك : هذا القول الذي قلت لا يصح ، أي ما هو الأمر كما زعمت ، ولا بد من إله ، وقد انتفت الكثرة من الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله «إِلَّا» وأوجبوا هذه النسبة إلى المذكور بعد حرف الإيجاب وهو مسمى «اللَّهُ» فقالوا : «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فلم تثبت نسبة الألوهة للّه بإثبات المثبت ، لأنه سبحانه إله لنفسه ، فأثبت المثبت بقوله «إِلَّا اللَّهُ» هذا الأمر في نفس من لم يكن يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف ، ومن جهة أخرى فقوله تعالى : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» يقول اعلم من إخباري الموافق لنظرك ليصح لك الإيمان علما ، كما صح لك العلم من غير إيمان الذي هو قبل التعريف ، فمن أجل هذا الأمر - على نظر بعض الناس ورأيه


فيه - نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته ؟ فنظرنا على حكم الإنصاف وما أعطاه العقل الكامل بعد جده واجتهاده الممكن منه ، فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته ، لأنا طلبنا أن نعرفه طلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها ، فلما عرفنا أن ثمّ موجودا ليس له مثل ، ولا يتصور في الذهن ، ولا يدرك ، فكيف يضبطه العقل ؟

هذا ما لا يجوز ، مع ثبوت العلم بوجوده ، فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته ، وهذا هو العلم الذي طلب منا ، غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه عليها ، وهو العلم بعدم العلم الذي طلب منا ،

لما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات في نظر العقل ، ولا يشبهه شيء منا ، وفي ذلك قال الصدّيق : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فجعل العلم باللّه هو لا دركه ، من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره ، ولكن دركه من جوده وكرمه ووهبه ،

أما من جهة الدليل فلا يعرف أبدا إلا معرفة الوجود ، وأنه الواحد المعبود لا غير ، فالحق تعالى هو الموصوف بالوجود المطلق ، لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء ولا علة لشيء ، بل هو موجود بذاته ، والعلم به عبارة عن العلم بوجوده ، ووجوده ليس غير ذاته ، مع أنه غير معلوم الذات ، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات ،

أعني صفات المعاني ، وهي صفات الكمال ، وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع ، لا تعلم بدليل ولا برهان عقلي ، ولا يأخذها حد ، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، فكيف يعرف من يشبه الأشياء من لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا ؟

فمعرفتك به إنما هي أنه ليس كمثله شيء ، ويحذركم اللّه نفسه ، وقد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات اللّه ، فلا يعلم من اللّه إلا وجوده ، وتعلم أفعاله وصفاته بضرب من الأمثلة ، ولذلك فإن التوحيد الذي يؤمر به العبد أن يعلمه أو يقوله ، ليس هو التوحيد الذي يوحد الحق به نفسه ، فإن توحيد الأمر مركب ، فإن المأمور بذلك مخلوق ، ولا يصدر عن المخلوق إلا ما يناسبه ، وهو مخلوق عن مخلوق ، فهو أبعد في الخلق عن اللّه الذي وجد عنه هذا التوحيد ، فكيف يليق بالجناب العزيز ما هو مضاف إلى الخلق ؟

وإن كنا تعبدنا به شرعا ، فنقرره في موضعه ، ونقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه ، مع ثبوت قدمنا فيما أشهدنا الحق من المعرفة به ،

من كونه لا يعرف في (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وفيما ذكره في سورة الإخلاص ، وفي عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه (رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)

والعزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته ، فالأمر هنا الأمر


بالتقليد في التوحيد ، لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك ، إلا أن يكون متعلق الأمر الاستدلال ، لا التعريف على طريق التسليم ، أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة ، مثل قوله : (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ)

وكقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)

لذلك نقول : إن العلم باللّه له طريقان : طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع ، وهو يتعلق بأحديته في ألوهته ، وأنه لا شريك له ، وما يجب أن يكون عليه الإله الواجب الوجود ، وليس له تعرض إلى العلم بذاته تعالى ، ومن تعرض بعقله إلى معرفة ذات اللّه فقد تعرض لأمر يعجز عنه ، ويسيء الأدب فيه ، وعرّض نفسه لخطر عظيم ،

وهذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه

(أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلا تَعْقِلُونَ ؟)

فنبههم على أن العلم باللّه من كونه إلها واحدا في ألوهته من مدركات العقول ، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر ، فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه ، والطريق الآخر طريق الشرع بعد ثبوته ، فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله ، وهو إثبات أحدية خالقه وما يجب له عزّ وجل ، والمسلك الآخر من العلم باللّه العلم بما هو عليه في ذاته ، فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وأن لا يضرب له مثل ، بل هو الذي يضرب الأمثال ، لأنه يعلم ونحن لا نعلم ، فنسب إليه تعالى أمورا لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه ،

ولا يتمكن له ردها على من قام الدليل العقلي عنده على عصمته ، فأورثه ذلك حيرة ، فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه وتأييد ، وعضد تأويله ب (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)

ومن العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به أو إلى اللّه ، ومن العقلاء من أهل اللسان من شبّه ، وعذر اللّه كل طائفة ، وما طلب من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد ، لا شريك له في ألوهته لا غير ،

وأن له الأسماء الحسنى بما هي عليه من المعاني في اللسان ، وقرن النجاة والسعادة بمن وقف عندما جاء من عنده عزّ وجل في كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام ، ولا شك أن للّه عبادا عملوا على إيمانهم ، وصدقوا اللّه في أحوالهم ،

ففتح اللّه أعين بصائرهم وتجلى لهم في سرائرهم ، فعرفوه على الشهود ، وكانوا في معرفتهم تلك على بصيرة وبينة بشاهد منهم ، فعليك بعبادة اللّه التي جاء بها الشرع وورد بها السمع ، ولا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدي إلى تصديقه ،

ومن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد في


الكتاب العزيز الذي وحّد بها نفسه ، فلا أعرف من الشيء بنفسه ، فلتنظر بما وصف نفسه ، وتسأل اللّه تعالى أن يفهمك ذلك ، فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد ، ولتعلم أن المراد بتوحيد اللّه الذي أمرنا بالعلم به أنه توحيد الألوهية له سبحانه ، لا إله إلا هو ، فإنه تعالى لم يقل : فاعلم أنه لا تنقسم ذاته ، ولا أنه ليس بمركب ، ولا أنه مركب من شيء ، ولا أنه جسم ، ولا أنه ليس بجسم ؛ بل قال في صفته أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)

ولما لم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم ، ولا أمرهم اللّه في كتابه بالنظر الفكري ، إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة ، فلا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ، فزادوا في النظر وخرجوا عن المقصود الذي كلفوه ، فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه ، ونفت طائفة أخرى تلك الصفات ، ولم ينفها عن نفسه ولا نص عليها في كتابه ولا على ألسنة أنبيائه ، ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه ، فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلقه على نفسه وإن كان اسم تنزيه ، ولكنه فضول من القائل به والخائض فيه ، ثم أخذوا يتكلمون في ذاته وقد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل وتعالى ، فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع ، بالخوض فيما نهوا عنه ،

فمن قائل :هو جسم ، ومن قائل : ليس بجسم ، ومن قائل : هو جوهر ،

ومن قائل : ليس بجوهر ، ومن قائل : هو في جهة ، ومن قائل : ليس في جهة ،

وما أمر اللّه أحدا من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة ، لا النافي ولا المثبت ، ولو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها ، فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه ، فإن المدة يسيرة ، والأنفاس نفائس ، وما مضى منها لا يعود ، فاعلم أن اللّه إله واحد ، لا إله إلا هو ، مسمى بالأسماء التي يفهم منها ومن معانيها أنها لا تنبغي إلا له ، ولمن تكون هذه المرتبة له ، ولا تتعرض يا ولي للخوض في الماهية والكمية والكيفية ، فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته ،

[نصيحة خالصة :الزم طريقة الإيمان بالإلهيات ]

والزم طريقة الإيمان والعمل بما فرض اللّه عليك ، واذكر ربك بالغدو والآصال ، بالذكر الذي شرعه لك من تهليل وتسبيح وتحميد ، واتق اللّه ، فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاءه من علمه ، فأحضر عقلك ولبك لقبول ما يعطيك ويهبك من العلم به ،

فذلك هو النافع ، وهو النور الذي يحيى به قلبك ، وتمشي به في عالمك ، وتأمن فيه من ظلم الشبه والشكوك ، فإن ظلم الشبه والشكوك ، تطرأ في العلوم التي تنتجها الأفكار


للمتكلمين في ذات اللّه والخائضين فيه ، من الأشاعرة والمعتزلة ، وكذلك الفلاسفة في مقالاتهم في اللّه وفيما ينبغي أن يعتقد ، ولا يزالون مختلفين ، حتى يختلفوا في أصول المذهب الذي يجمعهم ، ولا نرى الرسل والأنبياء قديما وحديثا - من آدم إلى محمد وما بينهما عليهم الصلاة والسلام - قط اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب اللّه ،

بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا ، ولا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده وعلمه بربه شبهة قط ، فانفصل عنها بدليل ، ولو كان لنقل ودوّن ونطقت به الكتب ، كما نقل سائر ما تكلم فيه من ذلك ممن تكلم فيه ،

ولا سيما والأنبياء تحكمت في العامة في أنفسها وأموالها وأهليها ، وحجّرت وأباحت ، ولم يكن لغيرها هذه القوة من التحكم ، فكانت الدواعي تتوفر على نقل ما اختلفوا فيه في جانب الحق ، لأنهم ينتمون إليه ويقولون : إنه أرسلهم ، وأتوا بالدلائل على ذلك من المعجزات ، ولا نقل عن أحد منهم أنه طرأت عليه شبهة في علمه بربه ،

ولا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك ، والناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما ، بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته ، فيخرج من أمر إلى نقيضه ، وما دخل على المتكلمين والنظار ما دخل إلا من الفضول ،

ولهذا وقع الخلاف ولعبت بهم الأفكار والأهواء ، فلو وقفوا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا ، وإنما الإنسان خلق عجولا ،

ورأى في نفسه قوة فكرية ، فتصرف بها في غير محلها ، فتكلم في اللّه بحسب ما أعطاه نظره ، والأمزجة مختلفة ، والقوة المفكرة متولدة من المزاج ، فيختلف نظرها باختلاف مزاجها ، فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته ، فاللّه يحول بيننا وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه ،

فمعرفة اللّه بطريق الخبر أعلى من المعرفة باللّه من طريق النظر ، فإن طريق الخبر في معرفة اللّه إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى من علم الناظر ، فالمعرفة بالأدلة العقلية سلبية ، وبالأدلة الخبرية ثبوتية وسلبية في ثبوت ، ولا يبلغ العقل في تنزيه الحق مبلغ الشرع فيه ،

فأمرنا اللّه أن نعلم أنه لا إله إلا هو بقوله : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فأمرنا أن نعلم أن اللّه واحد في ألوهيته ، فهو واحد في المرتبة ، وما تعرض للذات جملة واحدة ، فإن أحدية الذات تعقل ، فالمعرفة به من كونه إلها ، والمعرفة بما ينبغي للإله أن يكون عليه من الصفات ، التي يمتاز بها عمن ليس بإله وعن المألوه ، هي المأمور بها شرعا «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» وهو هنا ما يخطر


لمن نظر في توحيد اللّه من طلب ماهيته وحقيقته ، وهو معرفة ذاته التي ما تعرف ، وحجر التفكر فيها لعظم قدرها ، وعدم المناسبة بينها وبين ما يتوهم أن يكون دليلا عليها ، فلا يتصورها وهم ولا يقيدها عقل ، بل لها الجلال والتعظيم ،

[ التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن وهو توحيد الذكرى: ]

واعلم أن هذا هو التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن ، وهو توحيد الذكرى ، وهو توحيد اللّه ، فإن الإنسان لما جبله اللّه على الغفلات - رحمة به- فيغفل عن توحيد اللّه بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب ، التي يظهر التكوين عندها ، وليس ثمة إدراك يشهد به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين ، وهو لاستيلاء الغفلة وهذا الغطاء يتخيل أن التكوين من عين الأسباب ، فإذا جاءته الذكرى - على أي وجه - علم بمجيئها أنها تدل لذاتها على أنه لا إله إلا اللّه ، وأن تلك الأسباب لولا وجه الأمر الإلهي فيها ، أو هي عين الأمر الإلهي ، ما تكوّن عنها شيء أصلا ، فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى ، أنتج له أن يسأل ستر اللّه للمؤمنين والمؤمنات ، فقال تعالى : «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» فهي من منن اللّه على عبده ، واعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي ، وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ، ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل ، للصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المجرد عن الشرع ، فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله ، ولهذا يضاف إليه

[ إشارة وتحقيق : الأكابر يلزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (]

-إشارة وتحقيق -الأكابر يلتزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) على غير ما يعطيه النظر العقلي ، أي الوجود هو اللّه ، والعدم منفي الذات والعين بالنفي الذاتي ، والثابت ثابت الذات والعين بالإثبات الذاتي ، وتوجه النفي على النكرة وهو «إِلهَ» وتوجه الإثبات على المعرفة وهو «اللَّهُ» وإنما توجه النفي على النكرة وهو «إِلهَ» لأن تحتها كل شيء ، وما من شيء إلا وله نصيب من الألوهة يدعيه ، فلهذا توجه عليه النفي ، لأن الإله من لا يتعين له نصيب ، فله الأنصباء كلها .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة