فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ ﴿19﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم
مع التشكيل
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ
الرسم العثماني
فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ
النقل الصوتي
Fa<b>i</b>AAlam annahu l<u>a</u> il<u>a</u>ha ill<u>a</u> All<u>a</u>hu wa<b>i</b>staghfir li<u>th</u>anbika walilmumineena wa<b>a</b>lmumin<u>a</u>ti wa<b>A</b>ll<u>a</u>hu yaAAlamu mutaqallabakum wamathw<u>a</u>kum
English
So know (O Muhammad) that there is no Allah save Allah, and ask forgiveness for thy sin and for believing men and believing women. Allah knoweth (both) your place of turmoil and your place of rest.
Français
Sache donc qu'en vérité il n'y a point de divinité à part Allah et implore le pardon pour ton péché, ainsi que pour les croyants et les croyantes. Allah connaît vos activités (sur terre) et votre lieu de repos (dans l'au-delà).
Türkçe
Artık bil ki şüphe yok, Allah'tan başka yoktur tapacak ve kendi suçun ve inanan erkeklerle kadınların suçları için yarlıganma dile ve Allah, sizin dönüp dolaştığınız yeri de, size yurt olacak yeri de bilmektedir.
Deutsch
So stelle es durch Wissen fest, daß es gewiß keine Gottheit außer ALLAH gibt, und bitte um Vergebung für deine Verfehlung und für die Mumin-Männer und Mumin-Frauen! Und ALLAH kennt euer Herumreisen und eure Unterkunft.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
وقوله : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) هذا إخبار : بأنه لا إله إلا الله ، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك ; ولهذا عطف عليه بقوله : ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني . اللهم اغفر لي هزلي وجدي ، وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي " . وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة : " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت إلهي لا إله إلا أنت " . وفي الصحيح أنه قال : " يا أيها الناس ، توبوا إلى ربكم ، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة "
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال : سمعت عبد الله بن سرجس قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلت معه من طعامه ، فقلت : غفر الله لك يا رسول الله ، فقلت : أستغفر لك ؟ فقال : " نعم ، ولكم " ، وقرأ : ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) ، ثم نظرت إلى نغض كتفه الأيمن أو : كتفه الأيسر - شعبة الذي شك - فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل .
رواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طرق ، عن عاصم الأحول به .
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى : حدثنا محرز بن عون ، حدثنا عثمان بن مطر ، حدثنا عبد الغفور ، عن أبي نصيرة ، عن أبي رجاء ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار ، فأكثروا منهما ، فإن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب ، وأهلكوني ب " لا إله إلا الله " والاستغفار ، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء ، فهم يحسبون أنهم مهتدون " .
وفي الأثر المروي : " قال إبليس : وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم . فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني "
والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا .
وقوله : ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) أي : يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم ، كقوله : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) [ الأنعام : 60 ] ، وكقوله : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] . وهذا القول ذهب إليه ابن جريج ، وهو اختيار ابن جرير . وعن ابن عباس : متقلبكم في الدنيا ، ومثواكم في الآخرة .
وقال السدي : متقلبكم في الدنيا ، ومثواكم في قبوركم .
والأول أولى وأظهر ، والله أعلم .
الطبري
الميسر
السعدي
العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه.
وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك. والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا هو أمور: أحدها بل أعظمها: تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلالته فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.
الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.
الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داع إلى العلم، بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلهية ما سواه.
السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه.
السابع: أن خواص الخلق، الذين هم أكمل الخليقة أخلاقا وعقولا، ورأيا وصوابا، وعلما -وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون- قد شهدوا لله بذلك.
الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه.
فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله، وأبداها في كتابه وأعادها عند تأمل العبد في بعضها، لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك، فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت، وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، بحيث يكون كالجبال الرواسي، لا تزلزله الشبه والخيالات، ولا يزداد -على تكرر الباطل والشبه- إلا نموا وكمالا.
هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم، والأمر الكبير -وهو تدبر هذا القرآن العظيم، والتأمل في آياته- فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره.
وقوله: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } أي: اطلب من الله المغفرة لذنبك، بأن تفعل أسباب المغفرة من التوبة والدعاء بالمغفرة، والحسنات الماحية، وترك الذنوب والعفو عن الجرائم.
{ و } استغفر أيضا { للمؤمنين وَالْمُؤْمِنَات } فإنهم -بسبب إيمانهم- كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة.
ومن جملة حقوقهم أن يدعو لهم ويستغفر لذنوبهم، وإذا كان مأمورا بالاستغفار لهم المتضمن لإزالة الذنوب وعقوباتها عنهم، فإن من لوازم ذلك النصح لهم، وأن يحب لهم من الخير ما يحب لنفسه، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه، ويأمرهم بما فيه الخير لهم، وينهاهم عما فيه ضررهم، ويعفو عن مساويهم ومعايبهم، ويحرص على اجتماعهم اجتماعا تتألف به قلوبهم، ويزول ما بينهم من الأحقاد المفضية للمعاداة والشقاق، الذي به تكثر ذنوبهم ومعاصيهم.
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } أي: تصرفاتكم وحركاتكم، وذهابكم ومجيئكم، { وَمَثْوَاكُمْ } الذي به تستقرون، فهو يعلمكم في الحركات والسكنات، فيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه.
البغوي
قوله - عز وجل - : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) قيل : الخطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به غيره ، وقيل : معناه فاثبت عليه . وقال الحسين بن الفضل : فازدد علما على علمك . وقال أبو العالية وابن عيينة : هو متصل بما قبله معناه : إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله . وقيل : فاعلم أنه لا إله إلا الله ، أن الممالك تبطل عند قيامها ، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا لله ( واستغفر لذنبك ) أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن به أمته .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أبي بردة ، عن الأغر المزني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة " .
قوله - عز وجل - : ( وللمؤمنين والمؤمنات ) هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) قال ابن عباس والضحاك : " متقلبكم " متصرفكم [ ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ، " ومثواكم " مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار .
وقال مقاتل وابن جرير : " متقلبكم " منصرفكم ] لأشغالكم بالنهار ، " ومثواكم " مأواكم إلى مضاجعكم بالليل .
وقال عكرمة : " متقلبكم " من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات . " ومثواكم " مقامكم في الأرض .
وقال ابن كيسان : " متقلبكم " من ظهر إلى بطن ، " ومثواكم " مقامكم في القبور .
والمعنى : أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (19)
[ «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. . .» الآية - العلم بتوحيد اللّه تعالى :]
كل علم يوصلك إلى حيث متعلقه ، والشغف من العالم بالمتعلق لا بالعلم ، ولهذا العلم بالذات الإلهية لا يصح أصلا ، لأنه لا يوصلك إليها لعزتها ، وإنما تصل إليها على قدرك في علمك بها ، فالتوحيد هو المطلوب من كل موجود ، ونهانا الشارع أن نتفكر في ذات اللّه ، إذ من ليس كمثله شيء ، كيف يوصل إلى معرفة ذاته ؟ وما منعنا من الكلام في توحيد اللّه ، بل أمر بذلك فقال آمرا بالعلم بتوحيده «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» وهي المعرفة الواجبة بتوحيد اللّه في ألوهيته ، وذلك بأن نعلم أن النفي ورد على أعيان المخلوقات لما وصفت بالألوهية ونسبت إليها وقيل فيها آلهة ، ولهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اللّه الواحد ، فأخبر اللّه عنهم أنهم قالوا : (جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) فسموها آلهة ، وهي ليست بهذه الصفة ، فورد حكم النفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها ، لا في نفس الأمر ، لا على نفي الألوهية ، فكأنه يقول للمشرك : هذا القول الذي قلت لا يصح ، أي ما هو الأمر كما زعمت ، ولا بد من إله ، وقد انتفت الكثرة من الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله «إِلَّا» وأوجبوا هذه النسبة إلى المذكور بعد حرف الإيجاب وهو مسمى «اللَّهُ» فقالوا : «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فلم تثبت نسبة الألوهة للّه بإثبات المثبت ، لأنه سبحانه إله لنفسه ، فأثبت المثبت بقوله «إِلَّا اللَّهُ» هذا الأمر في نفس من لم يكن يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف ، ومن جهة أخرى فقوله تعالى : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» يقول اعلم من إخباري الموافق لنظرك ليصح لك الإيمان علما ، كما صح لك العلم من غير إيمان الذي هو قبل التعريف ، فمن أجل هذا الأمر - على نظر بعض الناس ورأيه
فيه - نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته ؟ فنظرنا على حكم الإنصاف وما أعطاه العقل الكامل بعد جده واجتهاده الممكن منه ، فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته ، لأنا طلبنا أن نعرفه طلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها ، فلما عرفنا أن ثمّ موجودا ليس له مثل ، ولا يتصور في الذهن ، ولا يدرك ، فكيف يضبطه العقل ؟
هذا ما لا يجوز ، مع ثبوت العلم بوجوده ، فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته ، وهذا هو العلم الذي طلب منا ، غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه عليها ، وهو العلم بعدم العلم الذي طلب منا ،
لما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات في نظر العقل ، ولا يشبهه شيء منا ، وفي ذلك قال الصدّيق : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فجعل العلم باللّه هو لا دركه ، من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره ، ولكن دركه من جوده وكرمه ووهبه ،
أما من جهة الدليل فلا يعرف أبدا إلا معرفة الوجود ، وأنه الواحد المعبود لا غير ، فالحق تعالى هو الموصوف بالوجود المطلق ، لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء ولا علة لشيء ، بل هو موجود بذاته ، والعلم به عبارة عن العلم بوجوده ، ووجوده ليس غير ذاته ، مع أنه غير معلوم الذات ، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات ،
أعني صفات المعاني ، وهي صفات الكمال ، وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع ، لا تعلم بدليل ولا برهان عقلي ، ولا يأخذها حد ، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، فكيف يعرف من يشبه الأشياء من لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا ؟
فمعرفتك به إنما هي أنه ليس كمثله شيء ، ويحذركم اللّه نفسه ، وقد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات اللّه ، فلا يعلم من اللّه إلا وجوده ، وتعلم أفعاله وصفاته بضرب من الأمثلة ، ولذلك فإن التوحيد الذي يؤمر به العبد أن يعلمه أو يقوله ، ليس هو التوحيد الذي يوحد الحق به نفسه ، فإن توحيد الأمر مركب ، فإن المأمور بذلك مخلوق ، ولا يصدر عن المخلوق إلا ما يناسبه ، وهو مخلوق عن مخلوق ، فهو أبعد في الخلق عن اللّه الذي وجد عنه هذا التوحيد ، فكيف يليق بالجناب العزيز ما هو مضاف إلى الخلق ؟
وإن كنا تعبدنا به شرعا ، فنقرره في موضعه ، ونقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه ، مع ثبوت قدمنا فيما أشهدنا الحق من المعرفة به ،
من كونه لا يعرف في (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وفيما ذكره في سورة الإخلاص ، وفي عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه (رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)
والعزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته ، فالأمر هنا الأمر
بالتقليد في التوحيد ، لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك ، إلا أن يكون متعلق الأمر الاستدلال ، لا التعريف على طريق التسليم ، أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة ، مثل قوله : (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ)
وكقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)
لذلك نقول : إن العلم باللّه له طريقان : طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع ، وهو يتعلق بأحديته في ألوهته ، وأنه لا شريك له ، وما يجب أن يكون عليه الإله الواجب الوجود ، وليس له تعرض إلى العلم بذاته تعالى ، ومن تعرض بعقله إلى معرفة ذات اللّه فقد تعرض لأمر يعجز عنه ، ويسيء الأدب فيه ، وعرّض نفسه لخطر عظيم ،
وهذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه
(أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلا تَعْقِلُونَ ؟)
فنبههم على أن العلم باللّه من كونه إلها واحدا في ألوهته من مدركات العقول ، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر ، فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه ، والطريق الآخر طريق الشرع بعد ثبوته ، فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله ، وهو إثبات أحدية خالقه وما يجب له عزّ وجل ، والمسلك الآخر من العلم باللّه العلم بما هو عليه في ذاته ، فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وأن لا يضرب له مثل ، بل هو الذي يضرب الأمثال ، لأنه يعلم ونحن لا نعلم ، فنسب إليه تعالى أمورا لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه ،
ولا يتمكن له ردها على من قام الدليل العقلي عنده على عصمته ، فأورثه ذلك حيرة ، فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه وتأييد ، وعضد تأويله ب (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) و (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
ومن العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به أو إلى اللّه ، ومن العقلاء من أهل اللسان من شبّه ، وعذر اللّه كل طائفة ، وما طلب من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد ، لا شريك له في ألوهته لا غير ،
وأن له الأسماء الحسنى بما هي عليه من المعاني في اللسان ، وقرن النجاة والسعادة بمن وقف عندما جاء من عنده عزّ وجل في كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام ، ولا شك أن للّه عبادا عملوا على إيمانهم ، وصدقوا اللّه في أحوالهم ،
ففتح اللّه أعين بصائرهم وتجلى لهم في سرائرهم ، فعرفوه على الشهود ، وكانوا في معرفتهم تلك على بصيرة وبينة بشاهد منهم ، فعليك بعبادة اللّه التي جاء بها الشرع وورد بها السمع ، ولا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدي إلى تصديقه ،
ومن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد في
الكتاب العزيز الذي وحّد بها نفسه ، فلا أعرف من الشيء بنفسه ، فلتنظر بما وصف نفسه ، وتسأل اللّه تعالى أن يفهمك ذلك ، فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد ، ولتعلم أن المراد بتوحيد اللّه الذي أمرنا بالعلم به أنه توحيد الألوهية له سبحانه ، لا إله إلا هو ، فإنه تعالى لم يقل : فاعلم أنه لا تنقسم ذاته ، ولا أنه ليس بمركب ، ولا أنه مركب من شيء ، ولا أنه جسم ، ولا أنه ليس بجسم ؛ بل قال في صفته أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
ولما لم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم ، ولا أمرهم اللّه في كتابه بالنظر الفكري ، إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة ، فلا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ، فزادوا في النظر وخرجوا عن المقصود الذي كلفوه ، فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه ، ونفت طائفة أخرى تلك الصفات ، ولم ينفها عن نفسه ولا نص عليها في كتابه ولا على ألسنة أنبيائه ، ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه ، فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلقه على نفسه وإن كان اسم تنزيه ، ولكنه فضول من القائل به والخائض فيه ، ثم أخذوا يتكلمون في ذاته وقد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل وتعالى ، فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع ، بالخوض فيما نهوا عنه ،
فمن قائل :هو جسم ، ومن قائل : ليس بجسم ، ومن قائل : هو جوهر ،
ومن قائل : ليس بجوهر ، ومن قائل : هو في جهة ، ومن قائل : ليس في جهة ،
وما أمر اللّه أحدا من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة ، لا النافي ولا المثبت ، ولو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها ، فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه ، فإن المدة يسيرة ، والأنفاس نفائس ، وما مضى منها لا يعود ، فاعلم أن اللّه إله واحد ، لا إله إلا هو ، مسمى بالأسماء التي يفهم منها ومن معانيها أنها لا تنبغي إلا له ، ولمن تكون هذه المرتبة له ، ولا تتعرض يا ولي للخوض في الماهية والكمية والكيفية ، فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته ،
[نصيحة خالصة :الزم طريقة الإيمان بالإلهيات ]
والزم طريقة الإيمان والعمل بما فرض اللّه عليك ، واذكر ربك بالغدو والآصال ، بالذكر الذي شرعه لك من تهليل وتسبيح وتحميد ، واتق اللّه ، فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاءه من علمه ، فأحضر عقلك ولبك لقبول ما يعطيك ويهبك من العلم به ،
فذلك هو النافع ، وهو النور الذي يحيى به قلبك ، وتمشي به في عالمك ، وتأمن فيه من ظلم الشبه والشكوك ، فإن ظلم الشبه والشكوك ، تطرأ في العلوم التي تنتجها الأفكار
للمتكلمين في ذات اللّه والخائضين فيه ، من الأشاعرة والمعتزلة ، وكذلك الفلاسفة في مقالاتهم في اللّه وفيما ينبغي أن يعتقد ، ولا يزالون مختلفين ، حتى يختلفوا في أصول المذهب الذي يجمعهم ، ولا نرى الرسل والأنبياء قديما وحديثا - من آدم إلى محمد وما بينهما عليهم الصلاة والسلام - قط اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب اللّه ،
بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضا ، ولا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده وعلمه بربه شبهة قط ، فانفصل عنها بدليل ، ولو كان لنقل ودوّن ونطقت به الكتب ، كما نقل سائر ما تكلم فيه من ذلك ممن تكلم فيه ،
ولا سيما والأنبياء تحكمت في العامة في أنفسها وأموالها وأهليها ، وحجّرت وأباحت ، ولم يكن لغيرها هذه القوة من التحكم ، فكانت الدواعي تتوفر على نقل ما اختلفوا فيه في جانب الحق ، لأنهم ينتمون إليه ويقولون : إنه أرسلهم ، وأتوا بالدلائل على ذلك من المعجزات ، ولا نقل عن أحد منهم أنه طرأت عليه شبهة في علمه بربه ،
ولا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك ، والناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائما ، بل هو في كل وقت بحسب ما يعطيه دليله في زعمه في وقته ، فيخرج من أمر إلى نقيضه ، وما دخل على المتكلمين والنظار ما دخل إلا من الفضول ،
ولهذا وقع الخلاف ولعبت بهم الأفكار والأهواء ، فلو وقفوا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا ، وإنما الإنسان خلق عجولا ،
ورأى في نفسه قوة فكرية ، فتصرف بها في غير محلها ، فتكلم في اللّه بحسب ما أعطاه نظره ، والأمزجة مختلفة ، والقوة المفكرة متولدة من المزاج ، فيختلف نظرها باختلاف مزاجها ، فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته ، فاللّه يحول بيننا وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه ،
فمعرفة اللّه بطريق الخبر أعلى من المعرفة باللّه من طريق النظر ، فإن طريق الخبر في معرفة اللّه إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى من علم الناظر ، فالمعرفة بالأدلة العقلية سلبية ، وبالأدلة الخبرية ثبوتية وسلبية في ثبوت ، ولا يبلغ العقل في تنزيه الحق مبلغ الشرع فيه ،
فأمرنا اللّه أن نعلم أنه لا إله إلا هو بقوله : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فأمرنا أن نعلم أن اللّه واحد في ألوهيته ، فهو واحد في المرتبة ، وما تعرض للذات جملة واحدة ، فإن أحدية الذات تعقل ، فالمعرفة به من كونه إلها ، والمعرفة بما ينبغي للإله أن يكون عليه من الصفات ، التي يمتاز بها عمن ليس بإله وعن المألوه ، هي المأمور بها شرعا «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» وهو هنا ما يخطر
لمن نظر في توحيد اللّه من طلب ماهيته وحقيقته ، وهو معرفة ذاته التي ما تعرف ، وحجر التفكر فيها لعظم قدرها ، وعدم المناسبة بينها وبين ما يتوهم أن يكون دليلا عليها ، فلا يتصورها وهم ولا يقيدها عقل ، بل لها الجلال والتعظيم ،
[ التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن وهو توحيد الذكرى: ]
واعلم أن هذا هو التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن ، وهو توحيد الذكرى ، وهو توحيد اللّه ، فإن الإنسان لما جبله اللّه على الغفلات - رحمة به- فيغفل عن توحيد اللّه بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب ، التي يظهر التكوين عندها ، وليس ثمة إدراك يشهد به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين ، وهو لاستيلاء الغفلة وهذا الغطاء يتخيل أن التكوين من عين الأسباب ، فإذا جاءته الذكرى - على أي وجه - علم بمجيئها أنها تدل لذاتها على أنه لا إله إلا اللّه ، وأن تلك الأسباب لولا وجه الأمر الإلهي فيها ، أو هي عين الأمر الإلهي ، ما تكوّن عنها شيء أصلا ، فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى ، أنتج له أن يسأل ستر اللّه للمؤمنين والمؤمنات ، فقال تعالى : «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» فهي من منن اللّه على عبده ، واعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي ، وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ، ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل ، للصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المجرد عن الشرع ، فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله ، ولهذا يضاف إليه
[ إشارة وتحقيق : الأكابر يلزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (]
-إشارة وتحقيق -الأكابر يلتزمون في الذكر (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) على غير ما يعطيه النظر العقلي ، أي الوجود هو اللّه ، والعدم منفي الذات والعين بالنفي الذاتي ، والثابت ثابت الذات والعين بالإثبات الذاتي ، وتوجه النفي على النكرة وهو «إِلهَ» وتوجه الإثبات على المعرفة وهو «اللَّهُ» وإنما توجه النفي على النكرة وهو «إِلهَ» لأن تحتها كل شيء ، وما من شيء إلا وله نصيب من الألوهة يدعيه ، فلهذا توجه عليه النفي ، لأن الإله من لا يتعين له نصيب ، فله الأنصباء كلها .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

