وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
مع التشكيل
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
الرسم العثماني
وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
النقل الصوتي
Wam<u>a</u> khalaqtu aljinna wa<b>a</b>linsa ill<u>a</u> liyaAAbudoon<b>i</b>
English
I created the jinn and humankind only that they might worship Me.
Français
Je n'ai créé les djinns et les hommes que pour qu'ils M'adorent.
Türkçe
Ve ben, cinleri ve insanları, ancak bana kulluk etsinler diye yarattım.
Deutsch
Und ICH erschuf die Dschinn und die Menschen nur, um Mir zu dienen.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
ثم قال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) أي : إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي ، لا لاحتياجي إليهم .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إلا ليعبدون ) أي : إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها وهذا اختيار ابن جرير .
وقال ابن جريج : إلا ليعرفون . وقال الربيع بن أنس : ( إلا ليعبدون ) أي : إلا للعبادة . وقال السدي : من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع ، ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] هذا منهم عبادة ، وليس ينفعهم مع الشرك . وقال الضحاك : المراد بذلك المؤمنون .
الطبري
الميسر
السعدي
هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم.
البغوي
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) قال الكلبي والضحاك وسفيان : هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين ، يدل عليه قراءة ابن عباس : " وما خلقت الجن والإنس - من المؤمنين - إلا ليعبدون " ، ثم قال في أخرى : " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس " ، ( الأعراف - 79 ) .
وقال بعضهم : وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي ، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي ، وهذا معنى قول زيد بن أسلم ، قال : هو على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة .
وقال علي بن أبي طالب : " إلا ليعبدون " أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي ، يؤيده قوله - عز وجل - : " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا " . ( التوبة - 31 ) .
وقال مجاهد : إلا ليعرفوني . وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ، دليله : قوله تعالى : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ( الزخرف - 87 ) .
وقيل : معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : التذلل والانقياد ، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه .
وقيل : " إلا ليعبدون " إلا ليوحدوني ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ، بيانه قوله - عز وجل - : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين " . ( العنكبوت - 65 ) .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)
[ «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» الآية ]
لما كانت طبيعة الممكن قبلت الوجود ، فظهر في عينه بعد أن لم يكن ، سماه الحق خلقا ، مشتقا من الخليقة ، وهي طبيعة الأمر وحقيقته ، أي مطبوعا على الصورة ، وهي خليقته ، فلما أوجده اللّه على صورته ، وأوجده لعبادته ، كان ما أوجده عليه خلاف ما أوجده له ، فقال : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فاشترك الجن مع الإنس فيما وجد له لا فيما وجد عنه ، لأن الإنسان خص بما وجد عليه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ خلق اللّه آدم على صورته ]
والخلق عطاء من الحق ليعبد ، فهو عطاء عوض ففيه طلب ، ولذلك قال «لِيَعْبُدُونِ» فخلقهم له لا لهم ، ففي هذه الآية خلقنا له أي لنعبده ، ومعناه لنعلم أنا عبيد له ، فإنا في حال عدمنا لا نعلم ذلك ، لأنه ما ثم وجود يعلم ، فعلل سبحانه بلام العلة ، فيعبدونه لكونه أنعم عليهم بالإيجاد لكمال مرتبة العلم والوجود ، من حيث من ذكر من الأجناس ، لا لكمال مرتبة الوجود والمعرفة من غير هذا التقييد ،
فإن ذلك يكفي فيه خلق محدث واحد ، وإيجاد العلم المحدث فيه المتعلق باللّه والكون ، ولكن لما كانت الأجناس منحصرة عند اللّه وأوجدها وبقي هذان الجنسان ، أوقع الإخبار عنهما بما ذكر ، وابتدأ بلام العلة وختم بياء الإضافة ،
قال عزّ وجل فيما أوحى به إلى موسى عليه السلام : [ يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي ]
وما يلزم نفوذ حكم العلة في كل معلول ، فإن من الجن والإنس من عبده ومنهم من أشرك به ، وقوله تعالى : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ» وهو ما استتر ، فلا يعلم إلا منه «وَالْإِنْسَ» هو ما ظهر فيعلم بذاته ، «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» إثبات للسبب الموجب للخلق ، فاللام في ليعبدون لام الحكمة والسبب شرعا ، لأنه حكيم ، وله في كل شيء حكمة ظاهرة لا تعلم إلا من جهة الشرع في التكليف ،
وأما العلة في التكليف من جهة الحق فمظنونة غير معلومة ، لا يعلمها إلا هو ومن أعلمه اللّه بها ، فتكون لام ليعبدون لام العلة عقلا ، فصرح تعالى بالسبب الذي لأجله أوجدنا ،
وهكذا العالم كله ، فإن الجن كل مستتر من ملك وغيره ، وخصصنا والجن بالذكر ، فإن اللّه تعالى لما خلق العالم له تعالى ، أي لعبادته ، قال فيمن علم أنه جعل في نشأته عزة ، وهما الجن والإنس ، ولما جعل فيهما استعدادا يمكن
أن يسعى به لنفسه ولغير اللّه ، نبه أنه ما خلقهم إلا لعبادته
فقال : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فخص الإنس والجن الناري في هذه الآية ، لأنهما ما جبلا على طاعة الأمر دون معصية مثل باقي الخلق ، وإلا فإنه سبحانه قد أوجد العالم ليظهر سلطان الأسماء ، فإن قدرة بلا مقدور ، وجودا بلا عطاء ، ورازقا بلا مرزوق ، ومغيثا بلا مغاث ، ورحيما بلا مرحوم ، حقائق معطلة التأثير ،
وما اعتبر الحق من العالم في هذه الإضافة إلا هذين النوعين ،
فجعل الظهور للإنس من اسمه الظاهر ، وجعل البطون للجان من اسمه الباطن ،
وما عداهما فمسخر لهما ،
ويحتمل أن قوله تعالى : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» يعني ظاهرا وباطنا ، فما جعل لهم في الربوبية قدما ، وما قال اللّه تعالى ذلك في غير هذين الجنسين ، لأنه ما ادعى أحد الألوهية ، ولا اعتقدها في غير اللّه ، ولا تكبر على خلق اللّه إلا هذان الجنسان ، فلذلك خصهما بالذكر دون سائر المخلوقات
وقال : «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا إليّ ، لما ظهر فيهما من العزة ودعوى الألوهية والإعجاب بنفوسهم ، فمن لطف اللّه بهم أن نبههم على ما أراد بهم في خلقه إياهم ، فمن تنبه كان من الكثير الذي يسجد للّه ، ومن لم يتنبه كان من الكثير الذي حق عليه العذاب ، والشرك - وهو الظلم العظيم - ما ظهر في الوجود إلا من هذا النوع الإنساني ، وما ذكر الجن معه في الخلق للعبادة إلا لكونه أغواه بالشرك ، لا أنه أشرك ، والإنس هو الذي أشرك ، واعلم أن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات ، أن سائر الموجودات توجه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت والكبرياء والعظمة والقهر ،
فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهي ، وتعرف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء ، فلم يتمكن لمن خلق بهذه المثابة أن يرفع رأسه ، ولا أن يجد في نفسه طعما للكبرياء على أحد من خلق اللّه ، فكيف على من خلقه ؟ وقد أشهده أنه في قبضته وتحت قهره ، وشهدوا كشفا نواصيهم ونواصي كل دابة بيده ، والأخذ بالناصية عند العرب إذلال ،
هذا هو المقرر عرفا عندنا ، فمن كان حاله في شهود نظره إلى ربه أخذ النواصي بيده ، ويرى ناصيته من جملة النواصي كيف يتصور منه عز أو كبرياء على خالقه من هذا الكشف ؟ وأما الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف والحنان والرأفة والرحمة والتنزل الإلهي ،
فعند ما خرجوا لم يروا عظمة ولا عزا ولا كبرياء ، ورأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة وعطف وتنزل ، ولم يبد اللّه لهم من جلاله ولا كبريائه ولا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئا يشغلهم عن نفوسهم ،
ألا تراهم في الأخذ الذي عرض لهم من ظهورهم حين قال لهم : (لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) فأقروا له بالربوبية لأنهم في قبضة الأخذ محصورون ، فلو شهدوا أن نواصيهم بيد اللّه شهادة عين ، أو إيمان كشهادة عين - كشهادة الأخذ - ما عصوا اللّه طرفة عين ، وكانوا مثل سائر المخلوقات ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية قالوا : يا ربنا لم خلقتنا ؟
قال : لتعبدون ، أي لتكونوا أذلاء بين يدي ، فلم يروا صفة قهر ولا جناب عزة تذلهم ، ولا سيما وقد قال لهم لتذلوا إلي ، فأضاف فعل الإذلال لهم ، فزادوا بذلك كبرا ،
فلو قال لهم : ما خلقتكم إلا لأذلكم ؛ لفرقوا وخافوا ، فإنها كلمة قهر ، فكانوا يبادرون إلى الذلة من نفوسهم خوفا من هذه الكلمة ، كما قال للسماوات والأرض ائتيا طوعا أو كرها ، فلو لم يقل كرها فإنها كلمة قهر حيثما أتت ، فلهذا قلنا ما أوجد كل ما عدا الثقلين ولا خاطبهم إلا بصفة القهر والجبروت ،
ولا نشك أن كل ما خلق من الملائكة وغيرهم من العالم ما خلقهم إلا مسبحين بحمده ، وما خص بهذه الصفة -أعني صفة العبادة ، وهي الذلة - غير الثقلين ، فما خلقهم حين خلقهم أذلاء ، وإنما خلقهم ليذلوا ، وخلق ما سواهم أذلاء في أصل خلقهم ، فما جعل العلة في سوى الثقلين الذلة كما جعلها فينا ،
فلما قال للثقلين عن السبب الذي لأجله أوجدهم وخلقهم ، نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها ، ولو أنه متوجه عليهم الاسم المذل لأنه خلقهم لعبادته ، فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم وعقوبتهم إن عصوا أمره ونهيه ، وتكبروا على أمره ، فلم يطيعوه وعصوه ، فما تكبر أحد من خلق اللّه على أمر اللّه غير الثقلين ، ولا عصى اللّه أحد من خلق اللّه سوى الثقلين ، فعصى آدم ربه وهو أول الناس ، وعصى إبليس ربه ،
فسرت المخالفة من هذين الأصلين في جميع الثقلين ، فجعل الحق العبادة بأيديهم ، وجعلها المقصودة منه بخلقهم ، فمنهم من قام بما قصد له ، فكان طائعا مطيعا لأمر اللّه الوارد عليه بالأعمال والعبادة ، فإنه قال لهم) فَاعْبُدُونِ)
كما أخبر (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) هذا أمر بعبادة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)
هذا أمر بعمل ، والعمل ما هو عبادة ، فالعمل صورة والعبادة روحها ، فالعبادة مقبولة عند اللّه على كل حال ، اقترنت بعمل أو لم تقترن ،
والعمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال ، من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة . ولما خلق اللّه الثقلين في هذا المقام الذي قصده بخلقهم ، وهو أجلية الحق ، فرغهم لذلك ، حتى لا يقوم لهم حجة بالاشتغال
بما به قوامهم ، فخلق الأشياء التي بها قوامهم ، خاصة من أجلهم ، ليتفرغوا لما قصد بهم ، فقامت عليهم حجة اللّه إذا لم يقوموا بما خلقوا له ، وكونهم ما فعل بعضهم ما خلق له لا يلزم منه بالقصد أنه خلق لما تصرف فيه ، ولذلك يسأل ويحاسب ،
- الوجه الثاني -ما خلقنا اللّه لعبادته إلا ليعود ثواب ذلك العمل وفضله إلينا ، ولذلك ما خص بهذا الخطاب إلا الثقلين ، فتدل هذه الآية من هذا الوجه على أن اللّه سبحانه ما أوجدنا إلا لنا ، لا لنفسه ، فإنه هو الغني عن العالمين ، هذا إذا لم يكن الجن عبارة عن باطن الإنسان ، وهو–الوجه الثالث -في تفسير قوله تعالى : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ» فذكر تعالى ما ظهر ، وهو مسمى الإنس ، وما استتر ، وهو مسمى الجن ، فأعلم أنه أوجدك له لا لك ، فما أنت المقصود لعينك ،
فكأنه يقول : «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ» وهو ما استتر من الإنسان وما بطن منه «وَالْإِنْسَ»
وهو ما يبصر منه لظهوره «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ظاهرا وباطنا ، فقد يريد الحق بهذه الآية الإنسان وحده ، من حيث ما له ظاهر وباطن ، فمن حيث ما له ظاهر هو إنس ، من آنست الشيء إذا أبصرته ، والجن باطن الإنسان ، فإنه مستور عنه ،
فكأنه قال :ما خلقت ما ظهر من الإنسان وما بطن إلا ليعبدون ظاهرا وباطنا ، فإن المنافق يعبده ظاهرا لا باطنا ، والمؤمن يعبده ظاهرا وباطنا ، والكافر المعطل لا يعبده لا في الظاهر ولا في الباطن ، وبعض العصاة يعبده باطنا لا ظاهرا ، وما ثمّ قسم خامس ، وما أخرجنا الجن الذين خلقهم من نار من هذه الآية ، وجعلناها في الإنسان وحده من جهة ما ظهر منه وما استتر إلا لقول اللّه لما ذكر السجود أنه ذكر جميع من يسجد له ممن في السماوات ومن في الأرض ، وقال في الناس : (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) فما عمهم ،
ودخل الشياطين في قوله : (مَنْ فِي الْأَرْضِ) ، وذلك أن الشيطان ، وهو البعيد من الرحمة ،
يقول للإنسان إذا أمره بالكفر فكفر (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ)
فأبان اللّه لنا عن معرفة الشيطان بربه وخوفه منه ، فلذلك كان صرف الجن إلى ما استتر من الإنسان أولى من إطلاقه على الجان ، واللّه أعلم .
وأما قوله تعالى : «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا لي ، فإن اللّه تعالى لم يقل «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ» ليأنس بعضهم ببعض ، ولا يتعشق بعضهم ببعض ، ولا يتعرف بعضهم أسرار بعض ، وإنما خلق المكلف من أجله ، فلا ينظر إلى غيره فقال : «لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا لي ، ولا يتذللون لي حتى يعرفوني في الأشياء ، فيذلوا لي ، لا لمن ظهرت فيهم ، من حيث
إنه قال عزّ وجل : (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ) فلا يتذللون لي حتى يعرفوا مكانتي وعزتي ، فيتذللون لعزتي ويعرفون منزلتي من منزلتهم ، لذلك قال : «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ولا يعبدونه حتى يعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، قال ابن عباس «لِيَعْبُدُونِ» معناه ليعرفون ، فما فسر بحقيقة ما تعطيه دلالة اللفظ ، وإنما تفسيره ليذلوا لي ، فالعبد معناه الذليل ، يقال :
أرض معبدة أي مذللة ، ولا يذل له من لا يعرفه ، فلا بد من المعرفة به أولا ، وأنه ذو العزة التي تذل الأعزاء لها ، فلذلك عدل ابن عباس في تفسير العبادة إلى المعرفة ، هذا هو الظن به ، وما خلق الجن والإنس من بين الخلق إلا لمحبته ، فإنه ما يعبده ويتذلل إليه إلا محب ، وما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده ، لأنه ما شهده فيحبه ، فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان وفي الإنسان في علمي ، فلهذا ما فني وهام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

