قوله تعالى {ثم كان من الذين آمنوا} يعني : أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبة، أو أطعم في يوم ذا مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا؛ أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله. فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان، قال الله تعالى في المنافقين {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله}. [التوبة : 54]. وقالت عائشة : يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال : [لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين]. وقيل {ثم كان من الذين آمنوا} أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة؛ نظيره قوله تعالى {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}[طه : 82]. وقيل : المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى. وقيل : أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم، يا رسول الله، إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام : [أسلمت على ما أسلفت من الخير]. وقيل : إن {ثم} بمعنى الواو؛ أي وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة، من الذين أمنوا. {وتواصوا} أي أوصى بعضهم بعضا. {بالصبر} أي بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه؛ وعلى ما أصابهم من البلاء والمصايب. {وتواصوا بالمرحمة} بالرحمة على الخلق؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين. قوله تعالى {أولئك أصحاب الميمنة} أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم؛ قال محمد بن كعب القرظي وغيره. وقال يحيى بن سلام : لأنهم ميامين على أنفسهم. ابن زيد : لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقيل : لأن منزلتهم عن اليمين؛ قاله ميمون بن مهران. {والذين كفروا بآياتنا} أي كفروا بالقرآن. {هم أصحاب المشأمة} أي يأخذون كتبهم بشمائلهم؛ قال محمد بن كعب. يحيى بن سلام : لأنهم مشائيم على أنفسهم. ابن زيد : لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر. ميمون : لأن منزلتهم عن اليسار. قلت : ويجمع هذه الأقوال أن يقال : إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشأمة أصحاب النار؛ قال الله تعالى {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود}، وقال {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال. في سموم وحميم}[الواقعة : 42]. وما كان مثله. ومعنى {مؤصدة} أي مطبقة مغلقة. قال : تحن إلى جبال مكة ناقتي ** ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده وقيل : مبهمة، لا يدري ما داخلها. وأهل اللغة يقولون : أوصدت الباب وأصدته؛ أي أغلقته. فمن قال أوصدت، فالاسم الوصاد، ومن قال آصدته، فالاسم الإصاد. وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ويعقوب والشيزري عن الكسائي {موصدة} بالهمز هنا، وفي {الهمزة}. الباقون بلا همز. وهما لغتان. وعن أبي بكر بن عياش قال : لنا إمام يهمز {مؤصدة} فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها.
في القسم الإلهي أقوال : هل أقسم بنفسه ، أو بمخلوقاته ، أو بهذا وقتا وبهذا وقتا آخر ، فإن كان قسمه بمخلوقاته هل أضمر أم لا ؟ وعلى كل حال فلها شرف عظيم بإضافتها إليه ، سواء أظهر الاسم أو لم يظهر ، وإذا كان القسم بالمخلوقات كان سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدالة على اللّه ،
سواء كان الدليل سعيدا أو شقيا ، وعدما أو وجودا ، أي ذلك كان ، وإن كان القصد الإلهي بالقسم نفسه لا الأشياء ، وأضمر الأسماء الإلهية لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهية ، فما تخرج عن الدلالة وشرفها ،
وعلم من اللّه ما ينبغي أن يطلق عليه من الأسماء في المعنى فيما أضمر ، وفي اللفظ فيما أطلق ، إذ لو أراد إطلاق ما أضمره عليه لأظهره ،
كما أظهره في قوله (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)
وقال تعالى في القسم بأسمائه المضمرة من حيث المعنى .
الطبعة والمصدر
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.