نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتاب[الشيخ أبو محمد عبد الله القطان]
ومنهم (رضي اللّه عنهم) أبو محمد عبد اللّه القطان المفتوح عليه في القرآن كان يصدع بالأمر لا تأخذه في اللّه لومة لائم يرد كلام السلاطين في وجوههم أقبح الرد، له صولة يرمي من شاء بالحق ولا يبالي عرض بنفسه للقتل من كثرة سبه لأفعال السلاطين وما هم عليه من مخالفة الشريعة.
له مجالس معهم يضيق الوقت عن ذكرها لا يتكلم إلّا بالقرآن ولا يرى غيره لم يكتسب كتابا.
سمعته يقول بمدينة قرطبة في جماعة مساكين “ أصحاب المصنفات والتآليف ما أطول حسابهم “ في كتاب اللّه مقنع وفي حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على صاحبه لم يتنعم قط ولا جمع بين درهمين وجه السلطان فيه ليقتله فأخذه الأعوان دخلوا به على الوزير فأقعد بين يديه فقال ي ظالم يا عدو اللّه وعدو نفسه فيما وجهت، فقال قد أمكن اللّه منك ما تعيش بعد هذ أبد، فقال له الشيخ لا تقرب أجلا ولا تدفع مقدورا كل ذلك لا يكون، أنا واللّه أشهد جنازتك فقال الوزير لو زعته اسجنوه حتى أشاور السلطان في قتله فسجن تلك الليلة فانصرف وهو يقول عجبا لم يزل المؤمن في سجن وإنما هذا بيت من بيوت السجن فلما كان في اليوم الثاني جلس السلطان وأخبره الوزير بقصة الشيخ وكلامه فأمر به فحضر بين يديه، فرأى رجلا دميم الخلقة لا يؤبه له وما أحد من أهل الدنيا يريد له خير، وهذا كله لقوله الحق وإظهار معايبهم وما هم عليه من الجور والفساد، فقال له السلطان بعد ما سأله عن اسمه ونسبه أتحفظ توحيدك فتلا عليه من القرآن بتقاسيمه فتعجب الملك وانبسط له إلى أن دخل معه في المملكة وشأنه، فقال له السلطان ما تقول في ملكي هذا فضحك فقال له مما تضحك فقال منك تسمي الزمان الذي أنت فيه ملكا وتسمي نفسك ملكا أنت، كمن قال اللّه تعالى فيه:
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً إنما كان الملك اليوم الذي يصلى اليوم بنارها ويجزي بها وأما أنت، فرجل عجنت لك خبزة وقيل لك كله ثم أغلظ عليه في القول بكل ما يكرهه ويغيظه وفي المجلس الوزراء والفقهاء، فسكت السلطان وخجل وقال هذا رجل موفق يا عبد اللّه أجلس مجلسنا قال لا فإن مجلسك مغضوب ودارك التي تسكنها أخذتموها بغير حق ولولا أني مجبور ما دخلت هنا حال اللّه بيني وبينك وبين أمثالك، فأمر له بأعطية وعفاه في نفسه فرد له الأعطية وقبل العفو وخرج فأمر السلطان أن تدفع إلى أهله، وما مضى زمن قليل إلّا والوزير قد مات وخرج أبو محمد وحضر جنازته وقال بررت في قسمي.
وكان يصيح ويرفع صوته أمام أرباب الدولة ويقول هؤلاء الفجار بغوا في الأرض (عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ. صاحبت هذا الرجل وكان يحبني كثيرا استدعيته ليلة ليبيت عندي فلما أخذ مجلسه جاء والدي (رحمه اللّه) ، وكان من أصحاب السلطان فلما دخل سلم عليه وكان والدي قد أنقا فلم صلين العشاء قدمت له الطعام وقعدت آكل وانضم والدي يغتنم بركته فرد إليه وجهه (رضي اللّه عنه) وقال يا شيبة منحوسة أما آن لك أن تستحيي من اللّه إلى متى تصحب هؤلاء الظلمة ما أقل حياءك أأمنت من الموت أن يأتيك وأنت على شر حالة أمالك في ابنك هذ - وأشار إلي - موعظة شاب صغير في شهوته قمع هواه وطرد شيطانه وعدل إلى اللّه تعالى يصاحب أهل اللّه وأنت شيخ سوء على شفا حفرة من النار فبك والدي واعترف وأنا في ذلك كله أتعجب. وله أخبار كثيرة وشأنه عجيب جمعت بينه وبين صاحبي عبد اللّه بدر الحبشي بقرطبة ومشينا معه إلى منزله (رضي اللّه عنه).
سمعته يوما يقول عجبت لمن يطلب ما يركب وهو لم يشرع في شكر ما أكل وم لبس. كان لا يزيد على الحاجة شيئا في مأكله وملبسه، كان قاصما للجبارين ما تفوته غزوة قط في الروم راحلا بغير زاد.
ومنهم (رضي اللّه عنه) ابن جعدون الحناوي مات بفاس سنة سبع وتسعين وخمسمائة جمعت بينه وبين صاحبي عبد اللّه الحبشي كان (رضي اللّه عنه) واحدا من الأربعة الأوتاد يمسك اللّه العوالم بهم، سأل اللّه تعالى أن يسقط حرمته من قلوب العالم فكان إذا غاب لم يفتقد وإذ حضر لم يستشر وإذا جاء لا يوسع له وإذا تكلم بين قوم ضرب وسخف، كان سبب اجتماعي به ما أذكره الآن وذلك أني لما وصلت مدينة فاس فكان ذكرى قد بلغ من بها فأحب من بلغه ذلك الاجتماع بي، فكنت أفر من الدار إلى الجامع فلا أوجد في الدار فأطلب في الجامع وأن أراهم فيأتوني فيسألوني عني، فأقول لهم اطلبوه حتى تجدوه فبينما أنا قاعد وعلي ثياب رفيعة جد، وإذا بهذا الشيخ قد قعد بين يدي ولم أكن أعرفه قبل ذلك، فقال لي السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، فرددت عليه ففتح كتاب “ شرح المعرفة “ للمحاسبي فقرأ منه كلمات، ثم قال لي أشرح وبين ما قال فخوطبت بأحواله ومن هو ومقامه وأنه من الأوتاد الأربعة وأن ابنه يرث مقامه، فقلت له عرفتك فأنت فلان فأغلق كتابه وقام واقف، وقال الستر الستر إني أحبك فأحببت أن أتعرف إليك فقد صح المقصود ثم انصرف فلم أكن أجالسه قط إلّ إذا لم يكن معن أحد وكان معقود اللسان لا يتكلم إلّا عن مشقة فإذا تلى القرآن كان من أحسن الناس صوتا وأبدعهم مساقا، كان كثير الاجتهاد وكان ينخل الحنا بالأجرة، قل ما تراه إلّا مكحول العينين أشعث أغبر.
وإنما كان يكحل عينيه من أجل غبار الحن.
رابط دائم لهذا المقطع: /books/ruh.php?id=34
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

