قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴿87﴾
أشكال النص المحفوظة
دون تشكيل
قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد
مع التشكيل
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
الرسم العثماني
قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ
النقل الصوتي
Q<u>a</u>loo y<u>a</u> shuAAaybu a<u>s</u>al<u>a</u>tuka tamuruka an natruka m<u>a</u> yaAAbudu <u>a</u>b<u>a</u>on<u>a</u> aw an nafAAala fee amw<u>a</u>lin<u>a</u> m<u>a</u> nash<u>a</u>o innaka laanta al<u>h</u>aleemu a<b>l</b>rrasheed<b>u</b>
English
They said: O Shu'eyb! Doth thy way of prayer command thee that we should forsake that which our fathers (used to) worship, or that we (should leave off) doing what we will with our own property. Lo! thou art the mild, the guide to right behaviour.
Français
Ils dirent: «O Chuayb! Est-ce que ta prière te demande de nous faire abandonner ce qu'adoraient nos ancêtres, ou de ne plus faire de nos biens ce que nous voulons? Est-ce toi l'indulgent, le droit?»
Türkçe
Ey Şuayb dediler, kıldığın namaz mı, tuttuğun din mi emrediyor sana da bizi atalarımızın taptıklarından vazgeçirmeye uğraşıyor, mallarımızı da dilediğimiz gibi tasarruf etmemize mani olmaya kalkışıyorsun? Halbuki sen, şüphe yok ki halimselim ve aklı başında bir adamsın.
Deutsch
Sie sagten: "Schu'aib! Sind es etwa deine Gebete, die dir gebieten, daß wir das unterlassen, was unsere Ahnen angebetet haben, oder daß wir mit unserem Vermögen das tun, was wir wollen?! Gewiß, du bist doch der Nachsichtige, der Verständige.
روابط التفسير لهذه الآية
الجلالين
ابن كثير
يقولون له على سبيل التهكم ، قبحهم الله : ( أصلاتك ) ، قال الأعمش : أي : قرآنك ( تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) أي : الأوثان والأصنام ، ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) فنترك التطفيف على قولك ، هي أموالنا نفعل فيها ما نريد .
[ قال الحسن ] في قوله : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) إي والله ، إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم .
وقال الثوري في قوله : ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) يعنون الزكاة .
وقولهم : ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) قال ابن عباس ، وميمون بن مهران ، وابن جريج ، وابن أسلم ، وابن جرير : يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء ، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته ، وقد فعل .
الطبري
الميسر
السعدي
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ْ} أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له.
ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله, وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك، ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟!
وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا ْ} ما قلت لنا، من وفاء الكيل، والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا، لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف.
ولهذا قالوا في تهكمهم: { إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ْ} أي: أئنك أنت الذي، الحلم والوقار، لك خلق، والرشد لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رشد، ولا تأمر إلا برشد، ولا تنهى إلا عن غي، أي: ليس الأمر كذلك.
وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!!
وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن الأمر بعكسه, ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه. إن صلاته تأمره أن ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير الله، ومن منع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل والموازين، وهو عليه الصلاة والسلام الحليم الرشيد.
البغوي
( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) من الأوثان . قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة . لذلك قالوا هذا . وقال الأعمش : يعني : أقراءتك . ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) من الزيادة والنقصان .
وقيل : كان شعيب عليه السلام نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه محرم عليهم ، فقالوا : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها .
( إنك لأنت الحليم الرشيد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : أرادوا السفيه الغاوي ، والعرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم وللفلاة مفازة . وقيل قالوا على وجه الاستهزاء .
وقيل : معناه الحليم الرشيد بزعمك .
وقيل : هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد ، لا يجمل بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم ، كما قال قوم صالح عليه السلام : ( قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ) ( هود - 62 ) .
إشارات تفسيرية في فهرس الموقع
ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.
قالُوا يا شُعَيْبُ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)
من هنا نعلم أن عطاء اللّه كله فضل ، لأن التوفيق منه فالحاصل عن العمل بالموازنة ، وإن كان جزاء فهو فضل بالأصالة قال من جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه
[ التوفيق - كماله وعمومه وخصوصه ]
«وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ» فأسنده سبحانه إلى الاسم الجامع الذي هو للتعلق لا للتخلق ، وفي إسناده إليه سر شريف ، فإن التوفيق مفتاح السعادة الأبدية ، والهادي بالعبد إلى سلوك الآثار النبوية ، والقائد له إلى التخلق بالأخلاق الإلهية ، من قام به غنم ومن فقده حرم ، وهو خارج عن كسب العبد ، وإنما هو نور يضعه اللّه في قلب من اصطنعه لنفسه ، واختصه لحضرته ، به تحصل النجاة ، وبه تنال الدرجات ، ومع أنه سر موهوب ، ونور في قلب العبد موضوع ، فإن إرادة العبد من جهة العلم بخصائصه وحقائقه متعلقة بجود اللّه سبحانه وتعالى في تحصيله منة ، والاتصاف به ، فقد يحصل للعبد بتلك الإرادة ، فيتخيل أنه كسبي وأن دعاءه اللّه فيه وإرادته إياه سبب في حصوله ، وما علم أن تلك الإرادة التي حركته لطلب التوفيق من التوفيق ، فإنها من آثاره ولولاه لم يكن ذلك فإن إرادة التوفيق من التوفيق ، ولكن لا يشعر لذلك أكثر الناس ، فإذا تقرر هذا فيكون الإنسان إنما يطلب على الحقيقة كمال التوفيق من الموفق الواهب الحكيم ، ومعنى كمال التوفيق استصحابه للعبد في جميع أحواله من اعتقاداته وخواطره وأسراره ومطالع أنواره ومكاشفاته ومشاهداته ومسامراته وأفعاله كلها ، لا أنه يتجزى ويتبعض فإنه معنى من المعاني القائمة بالنفس ، فنقصه الذي يطلق عليه إنما هو أن يقوم بالعبد في فعل ما من الأفعال ، ويحرمه في فعل آخر وكذلك زيادته استصحابه لجميع أفعال العبد ، وقد بان علة سؤاله في التوفيق من اللّه سبحانه وتعالى ، وتبين أن التوفيق لم يكن عنده معدوما عند سؤاله للّه سبحانه فيه ، والتوفيق تفعيل من الموافقة ، وهو معنى يقوم بالنفس عند طروّ فعل من أفعاله الصادرة عنه على اختلافها ، يمنعه من المخالفة للحدّ المشروع له في ذلك الفعل لا غير ، فكل معنى كان حكمه هذا يسمى التوفيق وقد يقوم بالعبد التوفيق في فعل ما ، والمخالفة في فعل آخر في زمن واحد كالمصلي في الدار المغصوبة ، أو كمن يتصدق وهو يغتاب ، أو يضرب أحدا في حال واحد وأشباهه ، فلهذا ما سأل العبد من مولاه إلا كمال التوفيق ، يريد استصحابه له في جميع أحواله كلها حتى لا تكون منه مخالفة أصلا ، فإذا كمل التوفيق للعبد على ما ذكرناه فهو المعبر عنه بالعصمة والحفظ الإلهي ، حفظ اللّه علينا الأوقات ، وعصمنا من نتائج الغفلات ، إنه جواد بالخيرات ، فالتوفيق هو العناية التي للعبد عند اللّه
قبل كونه المتفضل به عليه عند إيجاده إياه وتعلق خطابه به ، فالموفقون لما أوجدهم الحق تعالى في أعيانهم بصفة الجود وأبرزهم في الوجود ، تولاهم بلطفه فحققهم بحقائق التوفيق ، وبيّن لهم الطريق الموصل إليه كما بيّنه لأنبيائه بواسطة ملائكته ولأوليائه بواسطة أنبيائه ولملائكته بالجبلة التي أوجدهم عليها ، فاهتدوا على أوضح منهاج ، وعرجوا على أنجح معراج ، فما زال التوفيق يصحبهم في كل حال ، ويقودهم إلى كل عمل مقرب إلى اللّه تعالى من أعمال القلوب والنفوس والمعاملات المتوجهة على الحواس ، حتى انته بهم فوق الهمم وأنزلهم في حضرة الجود والكرم ، فغرقوا في بحار المنن والآلاء ، من نعيم جنان ومضاهاة استواء ، على قدر ما أراد تعالى أن يمنحهم من نعماه ، وأن يهبهم من رحماه ، فعاينوا عند ذلك تولي الحق لهم في ذلك ، ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ثم استصحاب التولي لهم في محال الدعاوى بتقديسهم عنها ، فالتوفيق قائد إلى كل فضيلة وهاد إلى كل صفة منجية وجالب كل خلق رضي ، يجلو البصائر ويصلح السرائر ويخلص الضمائر ، ويفتح أقفال القلوب ويزيل ريونها ، ويخرجها عن أكنتها ويهبها أسرار وجودها ويعرفها بما تجهله من جلال معبودها ، هو الباعث المحرك لطلب الاستقامة والهادي إلى طريق السلامة ، ما اتصف به عبد إلا اهتدى وهدى ، ولا فقده شخص إلا تردى وأردى ، فنعوذ باللّه من الخلاف ، والتوفيق له مبدأ وموسط وغاية ، فمبدؤه يعطيك الإسلام وموسطه يعطيك الإيمان وغايته تعطيك الإحسان ، فالإسلام يحفظ الدماء والأموال ، والإيمان يحفظ النفوس من ظلم الضلال والإضلال ، والإحسان يحفظ الأرواح من رؤية الأغيار ، ويهبها المراقبة والحياء على الكمال ، فمن دعا لك بالتوفيق في جميع الأحوال فما ترك شيئا من الخير إلا أعطاك إياه ، والتوفيق مبدؤه يعطيك العلم والعمل ، ووسطه يطهر ذاتك من دنس الأغراض والعلل ، وغايته تمنحك أسرار الوجود والأزل ، وليس وراء اللّه مؤمل يؤمل .
والتوفيق على قسمين في أصله:عام وخاص ،
فالعام هو الذي يشترك فيه جميع الناس كافة من المسلمين وغيرهم
وهو على ضربين :
منه ما يوافق الحكمة بما هي حكمة ،
ومنه ما يوافق الأغراض ،
والخاص هو الذي يخرجك من الظلمات إلى النور ، وينتهي بك إلى السعادة الأبدية على مراتبها ، وإن دخل النار ،
وهذا أيضا عام وخاص :
فالعام كالإيمان باللّه ورسوله وما جاء به ، والخاص كالعمل بالعلم المشروع ،
وهو أيضا عام وخاص : فالعام كأداء الفرائض ، والخاص هو الذي يؤديك
إلى تصفية القلب وتفريغه والرياضات والمجاهدات ، وهذا الضرب أيضا من التوفيق فيه عام وخاص : فالعام هو الذي يثمر لك جميع الأخلاق العلوية والأوصاف الربانية القدسية ، والخاص هو الذي يثمر لك أسرار الخلق ومعاني التحقيق ،
وكلاهما على ضربين :عام وخاص،
فالعام ما أعطاك جميع ما تتخلق به وأسراره ، والخاص ما أعطاك الفناء عن ملاحظة الفناء ، فكل توفيق يستصحب العبد في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة هو توفيق العارفين الوارثين العالمين ، وكل توفيق يصحب العبد في بعضها فهو منسوب لذلك البعض ، ومضاف لما يعطيه المقام في مراتب الوجود ،
فيقال : هذا توفيق العارفين والزاهدين والعابدين وغيرهم من أصحاب المقامات وأرباب السلوك ،
والتوفيق عند المحققين على نوعين:
توفيق أوجده الحق سبحانه فيك منك ، وتوفيق أوجده فيك على يد غيرك ، فالتوفيق الذي فيك من غيرك كالإسلام الذي أبقاه عليك أبواك وربياك عليه ، فكل مولود يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما جاء في الحديث ، أو كشخص قيّضه اللّه لك على مدرجتك من غير قصد منك إليه فوعظك بموعظة زجرك بها فانتبهت من سنة الغفلة ، فقذف اللّه سبحانه لك عند انتباهك نور التوفيق في قلبك فقبلتها ونظرت في تخليص نفسك فقادك إلى الانتظام في شمل السعداء ،
والتوفيق الذي فيك منك هو أن ترزق النظر ابتداء في عيوبك وذم ما أنت عليه من الأفعال القبيحة وتمقيتك نفسك وتبغيض حالك لك ، فإذا تقوى عليك هذا الخاطر وتأيد ، نهض بك في طريق النجاة وسارع بك إلى الخيرات على قدر ما قدر لك أزلا وقسم لك في شربك ،
وأول مقامات التوفيق الاختصاصي اشتغالك بالعلم المشروع الذي ندبك الشارع صلّى اللّه عليه وسلم إلى الاشتغال بتحصيله ، وآخرها حيث يقف بك فإن تممت لك المقامات حصلت في التوحيد الموحد نفسه بنفسه الذي لا يصح معه معقول فلا حياة مع الجهل ولا مقام ، فالتوفيق إذا صح ، وتصحيحه بتحصيل العلم ،
فإذا حصل له وصح توفيقه أنتج الإنابة والإنابة منتجة للتوبة ، والتوبة تنتج الحزن والحزن ينتج الخوف ، والخوف ينتج الاستيحاش من الخلق ، والاستيحاش ينتج الخلوة ، والخلوة تنتج الفكرة ، والفكرة تنتج الحضور ، والحضور ينتج المراقبة ، والمراقبة تنتج الحياء ، والحياء ينتج الأدب ، والأدب ينتج مراعاة الحدود ، ومراعاة الحدود تنتج القرب ، والقرب ينتج الوصال ، والوصال ينتج الأنس ، والأنس ينتج الإدلال ، والإدلال ينتج السؤال ، والسؤال ينتج الإجابة ، ولا يصح
شيء من هذه المقامات إلا بعد تحصيل العلم الرسمي والذوقي ، فالرسمي كعلوم النظر وهو ما يتعلق بإصلاح العقائد ، وكعلوم الخبر وهو ما يتعلق بك من الأحكام الشرعية ، ولا يؤخذ منها إلا قدر الحاجة ، والذوقي علم نتائج المعاملات والأسرار ، وهو نور يقذفه اللّه تعالى في قلبك ، تقف به على حقائق المعاني الوجودية ، وأسرار الحق في عباده ، والحكم المودعة في الأشياء .
واعلم أن المشي في الظلمة بغير سراج وضوء في طريق كثيرة المهالك والحفر والأوحال والمهاوي والحشرات المؤذية التي لا يتقى شيء من هذا كله إلا أن يكون الماشي فيها بضوء يرى به حيث يجعل قدمه ، ويجتنب به ما ينبغي أن يجتنب مما يضره ، من مهواة يهوي فيها أو مهلك يحصل فيه أو حية تلدغه ، وليس له ضوء سوى نور الشرع الذي قال فيه تعالى (نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) وقال : (نُورٌ عَلى نُورٍ) فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق والهداية بان الطريق بالنورين ، فلو كان نورا واحدا لما ظهر له ضوء ، ولا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس ، ولكن الأعمى لا يبصره ، كذلك من أعمى اللّه بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به ، ولو كان نور عين البصيرة موجودا ، ولم يظهر للشرع نور بحيث أن يجتمع النوران فيحدث الضوء في الطريق لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك ؛ لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها ولا أين ينتهي به من غير دليل وموقّف ؟
فهذا الشخص الماشي في هذه الطريق إن لم يحفظ سراجه من الأهواء ، أن تطفئه بهبوبها ، وإلا هبت عليه رياح زعازع ، فأطفأت سراجه ، وذهب نوره ، وهو كل ريح يؤثر في نور توحيده وإيمانه ، فإن هبت ريح لينة تميل لسان سراجه وتحيره ، حتى يتحير عليه الضوء في مشاهدة الطريق ،
فتلك الريح كمتابعة الهوى في فروع الشريعة ، وهي المعاصي التي لا يكفر بها الإنسان ولا تقدح في توحيده وإيمانه ، فلقد خلقنا لأمر عظيم ، ولكن إذا اقتحمنا هذه الشدائد ، وقاسينا هذه المكاره ، حصلنا على أمر عظيم ، وهو سعادة الأبد التي لا شقاء فيها ،
فإنه لما تبينت طرق السعادة بالرسل قال تعالى (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) وما بقي بعد هذا إلا أن يوفق اللّه عباده للعمل بما أمرهم به من اتباع رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فيما أمر ونهى ، والوقوف عند حدوده ومراسمه ؛ فإن الحق خصّ بعض عباده بالتوفيق ، ولم يعمّ كما عمّ في الرزق ، فيا ربنا خاطبتنا
فسمعنا وفهمتنا ففهمنا ، فيا ربنا وفقنا واستعملنا فيما طلبته منا من عبادتك وتقواك ، إذ لا حول لنا ولا قوة إلا بك ، فاللّه هو الموفق وبيده الهداية ، وليس لنا من الأمر شيء ، ولقد صدق الكذوب إبليس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حين اجتمع به فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما عندك ؟ فقال إبليس : لتعلم يا رسول اللّه أن اللّه خلقك للهداية ، وما بيدك من الهداية شيء ، وأن اللّه خلقني للغواية ، وما بيدي من الغواية شيء ، لم يزده على ذلك وانصرف ، وحالت الملائكة بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن التوفيق من رحمة الامتنان للعمل الصالح الموجب لرحمة الاختصاص - مناجاة - يا حنان يا منان ، يا رؤوف يا قديم الإحسان ، يا من جعل معدن النبوة أشرف المعادن ، وموطن الأحكام أرفع المواطن ، أنت الذي سويت فعدلت ، وفي أي صورة ما شئت ركبت ما سويت ، يا واهب إذ لا واهب ، ويا مانح المثوبات أهل المكاسب ، أنت الذي وهبت التوفيق ، وأخذت بناصية عبدك ومشيت به على الطريق ، وخلقت فيه الأعمال الرضية ، والأقوال الزكية ، وأنطقته بالتوحيد والشهادة ، ويسرت له أسباب السعادة ، ثم أدخلته دارك ، ومنحته جوارك ، وقلت له : هذا لعملك بعلمك ، ولك ما انته إليه خاطر أملك .
[سورة هود (11) : الآيات 89 إلى 90]
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)
من البشرى ورود اسم الودود للّه تعالى ، فإن المودة هي الثبوت على المحبة ، ولا معنى لثبوتها ، إلا حصول أثرها بالفعل في الدار الآخرة ، وفي النار لكل طائفة بما تقتضيه حكمة اللّه فيهم .
النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

