تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 107 من سورة هود

رقم السجل 1580 · السورة 11 · الآية 107

۞ قراءة النص
۞

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿107﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد

مع التشكيل

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

الرسم العثماني

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

النقل الصوتي

Kh<u>a</u>lideena feeh<u>a</u> m<u>a</u> d<u>a</u>mati a<b>l</b>ssam<u>a</u>w<u>a</u>tu wa<b>a</b>lar<u>d</u>u ill<u>a</u> m<u>a</u> sh<u>a</u>a rabbuka inna rabbaka faAAAA<u>a</u>lun lim<u>a</u> yureed<b>u</b>

English

Abiding there so long as the heavens and the earth endure save for that which thy Lord willeth. Lo! thy Lord is Doer of what He will.

Français

Pour y demeurer éternellement tant que dureront les cieux et la terre - à moins que ton Seigneur en décide autrement - car ton Seigneur fait absolument tout ce qu'Il veut.

Türkçe

Rabbinin dilediğinden başka hepsi de orada ebedi kalır göklerle yeryüzü durdukça; şüphe yok ki Rabbin, dilediğini dilediği gibi yapar.

Deutsch

Darin bleiben sie ewig, wie die Himmel und die Erde (des Jenseits) bleiben - außer was dein HERR will. Gewiß, dein HERR macht, was ER will.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض» أي مدة دوامهما في الدنيا «إلا» غير «ما شاء ربك» من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له والمعنى خالدين فيها أبدا «إن ربك فعال لما يريد».
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير : من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت : " هذا دائم دوام السموات والأرض " ، وكذلك يقولون : هو باق ما اختلف الليل والنهار ، وما سمر ابنا سمير ، وما لألأت العفر بأذنابها . يعنون بذلك كلمة : " أبدا " ، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم ، فقال : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) .

قلت : ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض : الجنس; لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض ، كما قال تعالى : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) [ إبراهيم : 48 ] ; ولهذا قال الحسن البصري في قوله : ( ما دامت السماوات والأرض ) قال : تبدل سماء غير هذه السماء ، وأرض غير هذه الأرض ، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ( ما دامت السماوات والأرض ) قال : لكل جنة سماء وأرض .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما دامت الأرض أرضا ، والسماء سماء .

وقوله : ( إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) كقوله تعالى : ( النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) [ الأنعام : 128 ] .

وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء ، على أقوال كثيرة ، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير " وغيره من علماء التفسير ، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله ، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان ، والضحاك ، وقتادة ، وأبي سنان ، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا : أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين ، من الملائكة والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون في أصحاب الكبائر ، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر : لا إله إلا الله . كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمضمون ذلك من حديث أنس ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وغيرهم من الصحابة ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها . وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة . وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وجابر ، وأبي سعيد ، من الصحابة . وعن أبي مجلز ، والشعبي ، وغيرهما من التابعين . وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة ، أقوال غريبة . وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير ، عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي ، ولكن سنده ضعيف ، والله أعلم .

وقال قتادة : الله أعلم بثنياه .

وقال السدي : هي منسوخة بقوله : ( خالدين فيها أبدا ) [ النساء : 57 ] .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى‏ {‏ذلك من أنباء القرى نقصه عليك‏}‏ ‏{‏ذلك‏}‏ رفع على إضمار مبتدأ، أي الأمر ذلك‏.‏ وإن شئت بالابتداء؛ والمعنى‏:‏ ذلك النبأ المتقدم من أنباء القرى نقصه عليك‏.‏ ‏{‏منها قائم وحصيد‏}‏ قال قتادة‏:‏ القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا أثر له‏.‏ وقيل‏:‏ القائم العامر، والحصيد الخراب؛ قاله ابن عباس‏:‏ وقال مجاهد‏:‏ قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل؛ يعني محصودا كالزرع إذا حصد؛ قال الشاعر‏:‏ والناس في قسم المنية بينهم ** كالزرع منه قائم وحصيد وقال آخر‏:‏ إنما نحن مثل خامة زرع ** فمتى يأن يأت محتصده قال الأخفش سعيد‏:‏ حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض؛ قال‏:‏ يكون فيمن يعقل حصدى، مثل قتيل وقتلى‏.‏ {‏وما ظلمناهم‏}‏ أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم في ‏{‏البقرة‏}‏ مستوفى‏.‏ ‏{‏ولكن ظلموا أنفسهم‏}‏ بالكفر والمعاصي‏.‏ وحكى سيبويه أنه يقال‏:‏ ظلم إياه {‏فما أغنت‏}‏ أي دفعت‏.‏ ‏{‏عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء‏}‏ في الكلام حذف، أي التي كانوا يعبدون؛ أي يدعون‏.‏ ‏{‏وما زادوهم غير تتبيب‏}‏ أي غير تخسير؛ قاله مجاهد وقتاده‏.‏ وقال لبيد‏:‏ فلقد بليت وكل صاحب جدة ** لبلى يعود وذاكم التتبيب والتباب الهلاك والخسران؛ وفيه إضمار؛ أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف؛ أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة‏.‏ قوله تعالى‏ {‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى‏}‏ أي كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة‏.‏ وقرأ عاصم الجحدري وطلحة بن مصرف ‏{‏وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى‏}‏ وعن الجحدري أيضا ‏{‏وكذلك أخذ ربك‏}‏ كالجماعة ‏{‏إذ أخذ القرى‏}‏‏.‏ قال المهدوي من قرأ ‏{‏وكذلك أخذ ربك إذ أخذ‏}‏ فهو إخبار عما جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم؛ والمعنى‏:‏ وكذلك أخذ ربك من أخذه من الأمم المهلكة إذ أخذهم‏.‏ وقراءة الجماعة على أنه مصدر؛ والمعنى‏:‏ كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه؛ فإذ لما مضى؛ أي حين أخذ القرى؛ وإذا للمستقبل ‏{‏وهي ظالمة‏}‏ أي وأهلها ظالمون؛ فحذف المضاف مثل‏ {‏واسأل القرية‏} [‏يوسف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ {‏إن أخذه أليم شديد‏}‏ أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة‏.‏ وفي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته‏)‏ ثم قرأ {‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى‏}‏ الآية‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح غريب‏.‏ قوله تعالى‏ {‏إن في ذلك لآية‏}‏ أي لعبرة وموعظة‏.‏ {‏ذلك يوم‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ ‏{‏مجموع‏}‏ من نعته‏.‏ قوله تعالى‏ {‏له الناس‏}‏ اسم ما لم يسم فاعله؛ ولهذا لم يقل مجموعون، فإن قدرت ارتفاع ‏{‏الناس‏}‏ بالابتداء، والخبر ‏{‏مجموع له‏}‏ فإنما لم يقل‏:‏ مجموعون على هذا التقدير؛ لأن {‏له‏}‏ يقوم مقام الفاعل‏.‏ والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم‏.‏ ‏{‏وذلك يوم مشهود‏}‏ أي يشهده البر والفاجر؛ ويشهده أهل السماء‏.‏ وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من أسماء القيامة في كتاب ‏{‏التذكرة‏}‏ وبيناهما والحمد الله‏. قوله تعالى‏ {‏وما نؤخره‏}‏ أي ما نؤخر ذلك اليوم‏.‏ {‏إلا لأجل معدود‏}‏ أي لأجل سبق به قضاؤنا، وهو معدود عندنا‏.‏ ‏{يوم يأتي‏}‏ وقرئ ‏{‏يوم يأت‏}‏ لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة؛ تقول‏:‏ لا أدر؛ ذكره القشيري‏.‏ قال النحاس‏:‏ قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج؛ وحذفها في الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرآ ‏{‏يوم يأتي‏}‏ بالياء في الوقف والوصل‏.‏ وقرأ الأعمش وحمزة ‏{‏يوم يأت‏}‏ بغير باء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس‏:‏ الوجه في هذا ألا يوقف عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين قالوا‏:‏ لا تحذف الياء، ولا يجزم الشيء بغير جازم؛ فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي؛ قال‏:‏ لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما تحذف الضمة‏.‏ وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما‏:‏ أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء‏.‏ والحجة الأخرى‏:‏ أنه حكى أنها لغة هذيل؛ تقول‏:‏ ما أدر؛ قال النحاس‏:‏ أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يرده عليه أكثر العلماء؛ قال مالك بن أنس رحمه الله‏:‏ سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب؛ وأما حجته بقولهم‏ {‏ما أدر‏}‏ فلا حجة فيه؛ لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء، وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه‏.‏ وأنشد الفراء في حذف الياء‏.‏ كفَّاك كف ما تُليق درهما ** جودا وأخرى تعط بالسيف الدما أي تعطي‏.‏ وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول‏:‏ لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والأجود في النحو إثبات الياء؛ قال‏:‏ والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء؛ لأن القراءة سنة؛ وقد جاء مثله في كلام العرب‏.‏ {‏لا تكلم نفس إلا بإذنه‏}‏ الأصل تتكلم؛ حذفت إحدى التاءين تخفيفا‏.‏ وفيه إضمار؛ أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام؛ لأنهم ملجوؤون إلى ترك القبيح‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه‏.‏ وقيل‏:‏ إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه‏.‏ وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين‏.‏ فيقول لم قال‏ {‏لا تكلم نفس إلا بإذنه‏}‏ و‏{‏هذا يوم لا ينطقون‏.‏ ولا يؤذن لهم فيعتذرون‏} [‏المرسلات‏:‏ 36‏]‏‏.‏ وقال في موضع من ذكر القيامة‏ {‏وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون‏} [‏الصافات‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقال‏ {‏يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها‏} [‏النحل‏:‏ 111‏]‏‏.‏ وقال‏ {‏وقفوهم إنهم مسؤولون‏} [‏الصافات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وقال ‏{‏فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان‏} [‏الرحمن‏:‏ 39‏]‏‏.‏ والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض؛ فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا؛ وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا، وخطابه فارغ عن الحجة‏:‏ ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم‏.‏ وقال‏:‏ قوم‏:‏ ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام؛ فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه‏.‏ ‏{‏فمنهم شقي وسعيد‏}‏ أي من الأنفس، أو من الناس؛ وقد ذكرهم قوله‏ {‏يوم مجموع له الناس‏}‏‏.‏ والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة‏.‏ والسعيد الذي كتبت عليه السعادة؛ قال لبيد‏:‏ فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ** ومنهم شقي بالمعيشة قانع وروى الترمذي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية {‏فمنهم شقي وسعيد‏}‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا نبي الله فعلام نعمل‏؟‏ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن عمر؛ وقد تقدم في ‏{‏الأعراف‏}‏‏.‏ قوله تعالى‏ {‏فأما الذين شقوا‏}‏ ابتداء‏.‏ {‏ففي النار‏}‏ في موضع الخبر، وكذا ‏{‏لهم فيها زفير وشهيق‏}‏ قال أبو العالية‏:‏ الزفير من الصدر‏.‏ والشهيق من الحلق؛ وعنه أيضا ضد ذلك‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الزفير من شدة الأنين، والشهيق من الأنين المرتفع جدا؛ قال‏:‏ وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في الشهيق‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه؛ قال‏:‏ الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف‏.‏ وقال الضحاك ومقاتل‏:‏ الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته؛ قال الشاعر‏:‏ حشرج في الجوف سحيلا أو شهيق ** حتى يقال ناهق وما نهق وقيل‏:‏ الزفير إخراج النفس، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس وقيل‏:‏ الزفير ترديد النفس من شدة الحزن؛ مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته؛ والشهيق النفس الطويل الممتد؛ مأخوذ من قولهم‏:‏ جبل شاهق؛ أي طويل‏.‏ والزفير والشهيق من أصوات المحزونين‏.‏ قوله تعالى‏ {‏خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض‏}‏ ‏{‏ما دامت‏}‏ في موضع نصب على الظرف؛ أي دوام السماوات والأرض، والتقدير‏:‏ وقت ذلك‏.‏ واختلف في تأويل هذا؛ فقالت‏.‏ طائفة منهم الضحاك‏:‏ المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك؛ وفي التنزيل‏ {‏وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء‏} [‏الزمر‏:‏ 74‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار‏.‏ عن دوام الشيء وتأبيده؛ كقولهم‏:‏ لا آتيك ما جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماوات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به‏.‏ طولا من غير نهاية؛ فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك‏.‏ وإن كان قد أخبر بزوال السماوات‏.‏ والأرض‏.‏ وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه؛ فهما دائمتان أبدا في نور العرش‏.‏ قوله تعالى‏ {‏إلا ما شاء ربك‏}‏ في موضع نصب؛ لأنه استثناء ليس من الأول؛ وقد اختلف فيه على أقوال عشرة‏:‏ الأولى‏:‏ أنه استثناء من قوله ‏{‏ففي النار‏}‏ كأنه قال‏:‏ إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك؛ وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما‏.‏ وإنما لم يقل من شاء؛ لأن المراد العدد لا الأشخاص؛ كقوله ‏{‏ما طاب لكم‏} [‏النساء‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية‏)‏‏.‏ الثاني‏:‏ أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار؛ وعلى هذا يكون قوله‏ {‏فأما الذين شقوا‏}‏ عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من ‏{‏خالدين‏}‏؛ قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم‏.‏ وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون‏)‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏{‏النساء‏}‏ وغيرها‏.‏ الثالث‏:‏ أن الاستثناء من الزفير والشهيق؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر‏.‏ حكاه ابن الأنباري‏.‏ الرابع‏:‏ قال ابن مسعود‏ {‏خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض‏}‏ لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها ‏{‏إلا ما شاء ربك‏}‏ وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم‏.‏ قلت‏:‏ وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق‏.‏ الخامس‏:‏ أن ‏{‏إلا‏}‏ بمعنى ‏{‏سوى‏}‏ كما تقول في الكلام‏:‏ ما معي رجل إلا زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك‏.‏ قيل‏:‏ فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود‏.‏ السادس‏:‏ أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها‏.‏ كما تقول في الكلام‏:‏ أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة، قال‏:‏ ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين‏ {‏خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك‏}‏ من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب‏.‏ والقول الآخر‏:‏ وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره‏ {‏خالدين فيها ما دامت السماوات ولأرض إلا ما شاء ربك‏}‏ من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم‏.‏ قلت‏:‏ فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي الحكيم أبو عبدالله محمد بن علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه ‏{‏يوم تبدل الأرض غير الأرض‏} [‏إبراهيم‏:‏ 48‏]‏ فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفي بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض؛ فإنما دامتا للمعاملة؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله؛ قال الله تعالى‏ {‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين‏.‏ ما خلقناهما إلا بالحق‏} [‏الدخان‏:‏ 39‏]‏ فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية؛ فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داوه أبدا، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال‏ {‏إلا ما شاء ربك‏}‏ من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن ‏{‏إلا‏}‏ بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو‏:‏ الثامن‏:‏ والمعنى‏:‏ وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا‏.‏ وقد قيل في قوله تعالى‏ {‏إلا الذين ظلموا‏} [‏البقرة‏:‏ 150‏]‏ أي ولا الذين ظلموا‏.‏ وقال الشاعر‏:‏ وكل أخ مفارقه أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان أي والفرقدان‏.‏ وقال أبو محمد مكي‏:‏ وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون ‏{‏إلا‏}‏ بمعنى الواو، وقد مضى في ‏{‏البقرة‏}‏ بيانه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه كما شاء ربك؛ كقوله تعالى‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف‏} [‏النساء‏:‏ 22‏]‏ أي كما قد سلف، وهو‏:‏ التاسع، العاشر‏:‏ وهو أن قوله تعالى‏ {‏إلا ما شاء رب‏}‏ إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام؛ فهو على حد قوله تعالى‏ {‏لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين‏} [‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال‏:‏ إن شاء ربك؛ فليس يوصف بمتصل ولا منقطع؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى‏ {‏عطاء غير مجذوذ‏}‏ ونحوه عن أبي عبيد قال‏:‏ تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين؛ فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال‏:‏ وهذا مثل قوله تعالى‏ {‏لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين‏} [‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا؛ إذ المشيئة قد تقدمة، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام؛ ونحوه عن الفراء‏.‏ وقول‏:‏ حادي عشر‏:‏ وهو أن الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم؛ وبيانه أن ‏{‏ما‏}‏ بمعنى ‏{‏من‏}‏ استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة‏.‏ وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني؛ كأنه قال تعالى‏ {‏فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك‏}‏ ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، وبدخلهم الجنة يسمون السعداء؛ كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال‏:‏ الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة‏.‏ وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ‏{‏وأما الذين سعدوا‏}‏ بضم السين‏.‏ وقال أبو عمرو‏:‏ والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا‏.‏ قال النحاس‏:‏ ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي ‏{‏سعدوا‏}‏ مع علمه بالعربية‏!‏ إذ كان هذا لحنا لا يجوز؛ لأنه إنما يقال‏:‏ سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أمرض؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم‏:‏ مسعود ولا حجة له فيه؛ لأنه يقال‏:‏ مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به‏.‏ وقال المهدوي‏:‏ ومن ضم السين من ‏{‏سعدوا‏}‏ فهو محمول على قولهم‏:‏ مسعود وهو شاذ قليل؛ لأنه لا يقال‏:‏ سعده الله؛ إنما يقال‏:‏ أسعده الله‏.‏ وقال الثعلبي‏ {‏سعدوا‏}‏ بضم السين أي رزقوا السعادة؛ يقال‏:‏ سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون ‏{‏سعدوا‏}‏ بفتح السين قياسا على {‏شقوا‏}‏ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم‏.‏ وقال الجوهري‏:‏ والسعادة خلاف الشقاوة؛ تقول‏:‏ منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود؛ ولا يقال فيه‏:‏ مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود‏.‏ وقال القشيري أبو نصر عبدالرحيم‏:‏ وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد؛ فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه‏:‏ لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان؛ لأنه مما لا يتعدى‏.‏ ‏{‏عطاء غير مجذوذ‏}‏ أي غير مقطوع؛ من جذه يجذه أي قطعه؛ قال النابغة‏:‏ تجذ السلوقي المضاعف نسجه ** وتوقد بالصفاح نار الحباحب قوله تعالى‏ {‏فلا تك‏}‏ جزم بالنهي؛ وحذفت النون لكثرة الاستعمال‏.‏ ‏{‏في مرية‏}‏ أي في شك‏.‏ {‏مما يعبد هؤلاء‏}‏ من الآلهة أنها باطل‏.‏ وأحسن من هذا‏:‏ أي قل يا محمد لكل من شك ‏{‏لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء‏}‏ أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم‏.‏ ‏{‏وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ نصيبهم من الرزق؛ قاله أبو العالية‏.‏ الثاني‏:‏ نصيبهم من العذاب؛ قال ابن زيد‏.‏ الثالث‏:‏ ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما‏.
عرض مصدر التفسير
الميسر
فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار. إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.
عرض مصدر التفسير
السعدي

{ خَالِدِينَ فِيهَا ْ} أي: في النار، التي هذا عذابها { مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ْ} أي: خالدين فيها أبدا، إلا المدة التي شاء الله, أن لا يكونوا فيها، وذلك قبل دخولها، كما قاله جمهور المفسرين، فالاستثناء على هذا، راجع إلى ما قبل دخولها، فهم خالدون فيها جميع الأزمان، سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها.

{ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ْ} فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته فعله، تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( خالدين فيها ) لابثين مقيمين فيها ( ما دامت السماوات والأرض ) قال الضحاك : ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما ، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء ، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض .

وقال أهل المعاني : هذا عبارة عن التأبيد على عادة العرب ، يقولون : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض ، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار ، يعنون : أبدا .

قوله تعالى : ( إلا ما شاء ربك ) .

اختلفوا في هذين الاستثناءين ، فقال بعضهم : الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس ، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء استثناهم [ الله من جملة الأشقياء ] وهذا كما :

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، فيقال لهم : الجهنميون " .

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا مسدد ، أخبرنا يحيى ، عن الحسن بن ذكوان ، أنبأنا أبو رجاء ، حدثني عمران بن حصين رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين " .

وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة .

وقيل : إلا ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث ، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار . يعني : هم خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار .

وقيل : إلا ما شاء ربك : سوى ما شاء ربك ، [ معناه خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك ] . من الزيادة على قدر مدة بقاء السماوات والأرض ، وذلك هو الخلود فيها ، كما تقول : لفلان علي ألف إلا الألفين ، أي : سوى الألفين اللتين تقدمتا .

وقيل : إلا بمعنى الواو ، أي : وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة ، كقوله : ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ) ( البقرة - 150 ) ، أي : ولا الذين ظلموا .

وقيل : معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء أنه حكم لهم بالخلود .

قال الفراء : هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، وعزيمتك أن تضربه .

( إن ربك فعال لما يريد ) .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107)

[ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ]

«خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» يريد المدة التي كانت الأرض عليها من يوم خلقها اللّه إلى يوم التبديل ، وكانت العرب التي نزل القرآن بلسانها ، تطلق هذه اللفظة وتريد بها التأبيد ، وهي منقطعة بالخبر الإلهي ، وتعريف النبي صلّى اللّه عليه وسلم «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» بما يرزقون في النار من اللذة والنعيم «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» فيقع الاستثناء في قوله «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» من زوال صورتهما ، إذ كانت السماء سماء والأرض أرضا ، فإنا نعلم أن جوهر السماء ، هو جوهر الدخان وتبدلت عليه الصور ، فالجوهر الذي قبل صورة الدخان هو الذي قبل صورة السماء ، كما قبل جوهر الطين والحجر صورة البيت ، فإذا انهدم البيت ويبس الطين ، ذهبت صورة البيت والطين ، وبقي عين الجوهر وكذلك العالم كله بالجوهر واحد ، وبالصور يختلف ، فاعلم ذلك ، فيكون الاستثناء في حق أهل النار لمدة عذابهم ، واعلم أنه من سبق رحمته تعالى غضبه أن النار ينزل فيها أهلها بالعدل من غير زيادة ، والجنة ينزل فيها أهلها بالفضل فيرون ما لا تقتضيه أعمالهم من النعيم ، ولا يرى أهل النار من العذاب إلا قدر أعمالهم من غير زيادة ولا رجحان إلى أن يفعل اللّه بهم ما يريد بعد ذلك ، ولذلك

قال في عذابهم «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» وما يعلم أحد من خلق اللّه حكم إرادة اللّه في خلقه إلا بتعريفه ، ألا تراه في حق السعداء يقول ؟ «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» والصورة واحدة والمدة واحدة ولم يقل في العذاب ، إنه غير مجذوذ ، لكن يقطع بأنهم غير خارجين من النار ، ولا نعرف حالتهم فيها في حال الاستثناء ما يفعل اللّه فيهم ، فلا يقضى في ذلك بشيء مع علمنا بأن رحمته سبقت غضبه ، وعلمنا بأن اللّه يجزي كل نفس بما عملت ، ولكن يستروح من العبارة أنه إذا استوفيت الحدود ، عمت الرحمة من خزانة الجود ،

وهو قوله تعالى :" فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ "

وهذا هو الحد الزمني ، لأن التبديل لا بد أن يقع بالسماوات والأرض ، فتنتهي المدة عند ذلك ، وهو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل ، لأنه غير مخاطب ببقاء السماوات والأرض قبل التكليف ، وهذا في حق السعيد والشقي ، فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة ، فإذا انتهت انته نعيم الجزاء الوفاق وعذاب الجزاء ، وانتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية التي لم يربطها اللّه بالأعمال ولا خصّها بقوم دون قوم ،

وهو قوله : «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» ما له مدة ينتهي بانتهائها ، كما انته الكفر والإيمان هنا بانتهاء عمر المكلف ، وانتهت إقامة الحدود في الأشقياء والنعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السماوات والأرض ؛ «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» في حق الأشقياء «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ»

وكذا وقع الأمر بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية ، وما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع ، كما قال في السعداء ، فعلمنا بذكر مدة السماء والأرض وحكم الإرادة في الأشقياء والإعراض عن ذكر العذاب ، أن للشقاء مدة ينتهي إليها حكمه وينقطع عن الأشقياء بانقطاعها والذي منع أن يقول تعالى في الأشقياء عذابا غير مجذوذ قوله «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ»

وقوله [ إن رحمتي سبقت غضبي ] في هذه النشأة ، وعلمنا أن جزاء السعيد على مثل ذلك ثم تعم المنن والرضى الإلهي على الجميع في أي منزل كانوا ، فإن النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج وغرض النفوس لا أثر للأمكنة في ذلك ، فحيثما وجد ملاءمة الطبع ونيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه فإن الوجود رحمة في حق كل موجود وإن تعذّب بعضهم ببعض ، فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع وتخليدهم في حال الانتقام موقوف على إرادة ، فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير ويزول الانتقام ، ولهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم ، وقال : عذاب أليم ، والعذاب الأليم .

وفي مواضع لم يقيد العذاب بالأليم وأطلقه فقال : (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ) *يعني وإن زال الألم فإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها كما قال تعالى «خالِدِينَ فِيها» *يعني في النار ،

وقال في أهل السعادة «خالِدِينَ فِيها» *يعني في الجنة ، ولم يقل فيه فيريد العذاب ، فلو قال عند ذكر العذاب خالدين فيه ، أشكل الأمر ، ولما أعاد الضمير على الدار ، لم يلزم العذاب ،

فإن قال قائل : فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب ، قلنا : وكذلك كنا نقول :

ولكن لما قال اللّه تعالى : في نعيم الجنة إنه عطاء غير مجذوذ ، أي عطاء غير مقطوع ،

وقال : لا مقطوعة ولا ممنوعة ، لهذا قلنا بالخلود في النعيم والدار ، ولم يرد مثل هذا قط في عذاب النار ، فلهذا لم نقل به وما ورد في العذاب شيء يدل على الخلود فيه ، كما ورد في الخلود في النار ، ولكن العذاب لا بد منه في النار وقد غيب عنا الأجل في ذلك ، وما نحن من جهة النصوص على يقين ، إلا أن الظواهر تعطي الأجل في ذلك ، ولكن كميّته مجهولة ، لم يرد بها نص ، ولا نص يعارض ونبقى نحن مع قوله تعالى : «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ»

وأي شيء أراد ، فهو ذلك ، ولا يلزم أهل الإيمان أكثر من ذلك ، إلا أن يأتي نص بالتعيين متواتر يفيد العلم ، فحينئذ يقطع المؤمن وإلا فلا ،

قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عندما رأى جنازة يهودي فقيل له : إنها جنازة يهودي فقال : أليست نفسا ؟

وهذا أرجى ما يتمسك به أهل اللّه في شرف النفس الناطقة ، وأن صاحبها وإن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس ، من هلاك ما له وخراب منزله وفقد ما يعز عليه ألما روحانيا لا حسيا ؛ فإن ذلك حظ الروح الحيواني ، وهذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى اللّه بطريق التشريف ، فالأصل شريف ، ولما كانت من العالم الأشرف ، قام لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعينها ، وهذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها ، وهذه من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة وعمومها لكل نفس ، وإن عمرت النفوس الدارين ، ولا بد من عمارة الدارين كما ورد ، وأن اللّه سيعامل النفوس بما يقتضيه شرفها بسر لا يعلمه إلا أهل اللّه ، فإنه من الأسرار المخصوصة بهم ، فكما أن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء اللّه تعالى كما قال في الذين شقوا «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» ولم يقل عذابا غير مجذوذ كما قال في السعداء ، فإن رحمة اللّه سبقت غضبه ، ورحمته تعالى وسعت كل شيء منّة واستحقاقا ، وبالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه ، فإنه الذي كتب على نفسه الرحمة للمتقي ، والمتقي بمنته سبحانه اتقاه ، وجعله محلا للعمل الصالح .

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة